المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1008)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1008)]
و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ تَزَوَّجَ بِنْتَ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيِّ فَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتَّى كَبِرَتْ فَتَزَوَّجَ عَلَيْهَا فَتَاةً شَابَّةً فَآثَرَ الشَّابَّةَ عَلَيْهَا فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ أَمْهَلَهَا حَتَّى إِذَا كَادَتْ تَحِلُّ رَاجَعَهَا ثُمَّ عَادَ فَآثَرَ الشَّابَّةَ فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا وَاحِدَةً ثُمَّ رَاجَعَهَا ثُمَّ عَادَ فَآثَرَ الشَّابَّةَ فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَقَالَ مَا شِئْتِ إِنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ فَإِنْ شِئْتِ اسْتَقْرَرْتِ عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ الْأُثْرَةِ وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتُكِ قَالَتْ بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأُثْرَةِ فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إِثْمًا حِينَ قَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى الْأُثْرَةِ
( ش ) : قَوْلُهُ فَآثَرَ الشَّابَّةَ عَلَيْهَا الْإِيثَارُ يَكُونُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ أَحَدُهُمَا الْإِيثَارُ يَكُونُ بِمَعْنَى الْمَحَبَّةِ لِإِحْدَاهُمَا وَالْمَيْلِ إلَيْهَا فَهَذَا الضَّرْبُ لَا يَمْلِكُ أَحَدٌ دَفْعَهُ وَلَا الِامْتِنَاعَ مِنْهُ وَإِنَّمَا الْإِنْسَانُ مُضْطَرٌّ إِلَى مَا جُبِلَ عَلَيْهِ مِنْهُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَالضَّرْبُ الثَّانِي إيثَارُ إِحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى فِي سَعَةِ الْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَالْكِسْوَةِ وَسَعَةِ الْمَسْكَنِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ بِحَسْبِ مَا تَسْتَحِقُّهُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا لِأَنَّ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا نَفَقَةُ مِثْلِهَا وَمُؤْنَةُ مِثْلِهَا وَمَسْكَنُ مِثْلِهَا عَلَى قَدْرِ شَرَفِهَا وَجَمَالِهَا وَشَبَابِهَا وَسَمَاحَتِهَا فَهَذَا الْإِيثَارُ وَاجِبٌ لَيْسَ لِلْأُخْرَى الِاعْتِرَاضُ فِيهِ وَلَا لِلزَّوْجِ الِامْتِنَاعُ مِنْهُ وَلَوْ امْتَنَعَ الْحُكْمُ بِهِ عَلَيْهِ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ مِنْ الْإِيثَارِ أَنْ يُعْطِيَ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَالْمُؤْنَةِ مَا يَجِبُ لَهَا ثُمَّ يُؤْثِرُ إحْدَاهُمَا بِأَنْ يَكْسُوَهَا الْخَزَّ وَالْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَمِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ذَلِكَ لَهُ فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْإِيثَارِ لَيْسَ لِمَنْ وُفِّيَتْ حَقَّهَا أَنْ تَمْنَعَ الزِّيَادَةَ لِضَرَّتِهَا لَا يُجْبَرُ عَلَيْهِ الزَّوْجُ وَإِنَّمَا لَهُ فِعْلُهُ إِذَا شَاءَ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَالضَّرْبُ الرَّابِعُ أَنْ يُؤْثِرَ إِحْدَى الزَّوْجَتَيْنِ بِنَفْسِهِ مِثْلُ أَنْ يَبِيتَ عِنْدَ إحْدَاهُمَا وَلَا يَبِيتُ عِنْدَ الْأُخْرَى أَوْ يَكُونَ مَبِيتُهُ عِنْدَ إحْدَاهُمَا أَكْثَرَ أَوْ يُجَامِعَهَا وَيَجْلِسَ عِنْدَهَا فِي يَوْمِ الْأُخْرَى أَوْ يَنْقُصَ إحْدَاهُمَا مِنْ نَفَقَةِ مِثْلِهَا وَيَزِيدَ الْأُخْرَى أَوْ يُجْرِيَ عَلَيْهَا مَا يَجِبُ لَهَا فَهَذَا الضَّرْبُ مِنْ الْإِيثَارِ لَا يَحِلُّ لِلزَّوْجِ فِعْلُهُ إِلَّا بِإِذْنِ الْمُؤْثَرِ لَهَا فَإِنْ فَعَلَهُ كَانَ لَهَا الِاعْتِرَاضُ فِيهِ وَالِاسْتِعْدَاءُ عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ وَإِنْ أَذِنَتْ لَهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ وَقَدْ وَهَبَتْ سَوْدَةُ بِنْتُ زَمَعَةَ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ تَبْتَغِي بِذَلِكَ رِضَا النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَقْسِمُ بِذَلِكَ لِعَائِشَةَ يَوْمَيْنِ وَفِي الْمَدَنِيَّةِ عَنْ عِيسَى أَنَّهُ يَقَعُ فِي نَفْسِي أَنَّ الْإِيثَارَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هُوَ فِي الْقَسْمِ لَهَا مِنْ نَفْسِهِ فِي الْمَبِيتِ وَمَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْعَدْلُ فِيهِ بَيْنَ نِسَائِهِ لِأَنَّ الْأَثَرَةَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ جَائِزَةٌ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤْثِرَ بِهِ مِنْ مَالِهِ بَعْدَ الَّذِي يَعْدِلُ بَيْنَهُنَّ فِي الْمَبِيتِ وَمَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَى قَدْرِهَا وَقَدْرِ عِيَالِهِ عِنْدَهَا. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ فَنَاشَدَتْهُ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ ارْتَجَعَهَا إِنْ كَانَ إيثَارُهُ أَوَّلًا الْإِيثَارَ الَّذِي لَا اعْتِرَاضَ لَهَا فِيهِ وَلَا لَهَا الْمَنْعُ مِنْهُ وَلَا الْمُطَالَبَةُ بِمِثْلِهِ فَإِنَّ مُنَاشَدَتِهَا إِيَّاهُ الطَّلَاقَ عَلَى سَبِيلِ الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ وَكَانَ طَلَاقُهُ إيَّاهَا إسْعَافًا لِرَغْبَتِهَا وَمُوَافَقَةً لِإِرَادَتِهَا وَإِنْ كَانَ إيثَارُهُ إيثَارًا لَهَا الِاعْتِرَاضُ فِيهِ وَالْمَنْعُ مِنْهُ لَكِنَّهُ أَتَى مِنْ ذَلِكَ مَا أَتَى بِإِذْنِهَا وَمِنْ إبَاحَتِهَا ثُمَّ ظَهَرَ إلَيْهَا الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فَإِنَّ مُنَاشَدَتِهَا إِيَّاهُ الطَّلَاقَ بِمَعْنَى مُطَالَبَتِهِ بِالْحَقِّ وَدُعَائِهِ إِلَى الْحُكْمِ الْوَاجِبِ لِأَنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا أَبَاحَتْ لِزَوْجِهَا الْإِيثَارَ عَلَيْهَا بِأَنْ لَا يَقْسِمَ لَهَا أَوْ تُبِيحَ لَهُ فِي يَوْمِهَا الْجُلُوسَ عِنْدَ ضَرَّتِهَا ثُمَّ بَدَا لَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ كَانَ لَهَا الرُّجُوعُ فِيهِ وَالْمَنْعُ مِنْهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَمِثْلُهُ رُوِيَ عَنْ النَّخَعِيِّ وَمُجَاهِدٍ وَقَالَ الْحَسَنُ لَيْسَ لَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ ضَرَرٍ لَحِقَ مِنْ الزَّوْجِ مُؤَثِّرٌ فِي الْمُوَاصَلَةِ وَالِاسْتِمْتَاعِ فَإِنَّ لِلْمَرْأَةِ الْخِيَارَ فِيهِ بَعْدَ الرِّضَا بِهِ إِذَا كَانَ مِمَّا يُرْجَى زَوَالُهُ وَيَضُرُّ بَقَاؤُهُ كَعَجْزِ الْمُعْتَرِضِ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَإِذَا قُلْنَا لَهَا الرُّجُوعُ فِي ذَلِكَ وَجَبَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الْعَدْلِ بَيْنَهُمَا أَوْ يُطَلِّقَ وَلِذَلِكَ آثَرَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ الطَّلَاقَ وَلَمْ يُؤْثِرُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا وَذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ عَلَى حَسْبِ مَا تَقَدَّمَ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ فَطَلَّقَهَا حَتَّى إِذَا كَادَتْ أَنْ تَحِلَّ رَاجَعَهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا كَانَ يُرَاجِعُهَا يَعْتَقِدُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ يَبْدُو لَهُ فَيُخَيِّرُهَا بَيْنَ الرِّضَا بِالْإِيثَارِ أَوْ الطَّلَاقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا كَانَ يُرَاجِعُهَا عَلَى رِضَاهَا بِالْإِيثَارِ فَيَتَمَادَى عَلَى ذَلِكَ مُدَّةً ثُمَّ يَبْدُو لَهَا فَتَرْجِعُ عَنِ الرِّضَا بِهِ , وَلَا بَأْسَ بِالْمُرَاجَعَةِ عَلَى الْإِيثَارِ , وَأَمَّا عَقْدُ النِّكَاحِ عَلَى الْإِيثَارِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ وَابْنُ حَبِيبٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ بَعْدَ النِّكَاحِ الصُّلْحُ عَلَى الْأَثَرَةِ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَإِنْ وَقَعَ النِّكَاحُ عَلَى ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى مُحَمَّدٌ وَابْنُ حَبِيبٍ يُفْسَخُ قَبْلَ الْبِنَاءِ وَيَثْبُتُ بَعْدَهُ وَيَبْطُلُ الشَّرْطُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْفَسَادَ فِي الْمَهْرِ وَأَنَّهُ إنَّمَا رَضِيَ بِهَذَا الْمِقْدَارِ عَلَى مَا شَرَطَ مِنْ الْأَثَرَةِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ عِنْدَ الثَّالِثَةِ مَا شِئْتِ إنَّمَا بَقِيَتْ وَاحِدَةٌ فَإِنْ شِئْتِ اسْتَقْرَرْت عَلَى مَا تَرَيْنَ مِنْ الْأَثَرَةِ وَإِنْ شِئْتِ فَارَقْتُك يُرِيدُ أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا هَذِهِ الطَّلْقَةَ الَّتِي بَقِيَتْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إِلَى ارْتِجَاعِهَا سَبِيلٌ وَلَوْ رَضِيَتْ بِالْأَثَرَةِ لَمْ يَنْفَعْهَا وَإِنَّمَا بَقِيَ لَهَا أَنْ تَرْضَى الْآنَ بِالْأَثَرَةِ وَتَقَرَّ عَلَى ذَلِكَ أَوْ يُطَلِّقَهَا آخِرَ الطَّلَاقِ فَلَا يَكُونُ إلَيْهَا سَبِيلٌ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهَا بَلْ أَسْتَقِرُّ عَلَى الْأَثَرَةِ فَأَمْسَكَهَا عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَرَ رَافِعٌ عَلَيْهِ إثْمًا حِينَ قَرَّتْ عِنْدَهُ عَلَى الْأَثَرَةِ يُرِيدُ أَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فِي الْإِيثَارِ عَلَيْهَا الَّذِي لَا يَجُوزُ لَهُ إِلَّا بِإِذْنِهَا وَلَوْ لَمْ تَرْضَ بِهِ لَكَانَ آثِمًا فِيهِ لَوْ تَمَادَى عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَأَمَّا إِذَا كَانَ يَرْضَى فَفِي الْمَدَنِيَّةِ عَنْ عِيسَى قُلْت لِابْنِ الْقَاسِمِ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ مَا فَعَلَ رَافِعٌ فَقَالَ لِي لَا بَأْسَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَضُرَّهَا وَلَوْ شَاءَ ابْتَدَأَ طَلَاقَهَا مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ نَافِعٍ قَالَ مَا أُحِبُّ ذَلِكَ لِأَحَدٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ قَالَ يَحْيَى بْنُ إبْرَاهِيمَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ هُوَ الْفِقْهُ بِعَيْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.



