المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1011)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1011)]
و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ فِي الْخَلِيَّةِ وَالْبَرِيَّةِ إِنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا
( ش ) : قَوْلُهُ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ فِي الْخَلِيَّةِ , وَالْبَرِيَّةِ : إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ هَذَا الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ رَحَمِهُ اللَّهُوَبِهِ قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ وَلَمْ يَنْوِهِ مَالِكٌ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا , وَقَدْ رَوَى أَبُو الْفَرْجِ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْخَلِيَّةِ , وَالْبَرِيَّةِ أَنَّهُ يَنْوِي فِي الْمَدْخُولِ بِهَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ هِيَ مَا نَوَى أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَهِيَ رَجْعِيَّةٌ , وَهُوَ نَحْوُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْخَلِيَّةِ , وَالْبَرِيَّةِ , وَالْبَائِنِ إِذَا أَرَادَ طَلَاقًا فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مِنْ لُزُومِ الثَّلَاثِ أَنَّ مَعْنَى الْخَلِيَّةِ الَّتِي خَلَتْ مِنْ الْأَزْوَاجِ وَلِذَلِكَ لَا يُسْتَعْمَلُ فِي الرَّجْعِيَّةِ ; لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ ذَاتُ زَوْجٍ وَكَذَلِكَ مَعْنَى الْبَرِيَّةِ هِيَ الَّتِي بَرِئَتْ مِنْ عِصْمَةِ الزَّوْجِيَّةِ ; لِأَنَّ كَلَامَ الزَّوْجِ رَاجِعٌ إِلَى ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَطْلُبْهَا بِدَيْنٍ فَيَرْجِعُ قَوْلُهُ بَرِيَّةٌ إِلَيْهِ وَإِذَا كَانَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ إزَالَةَ الْعِصْمَةِ , وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِلَّا بِالثَّلَاثِ وَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ : خَلِيَّةً وَبَرِيَّةً أَنَّهَا قَدْ خَلَتْ مِنْ الزَّوْجِيَّةِ الَّتِي تُمْلَكُ بِعَقْدِ النِّكَاحِ وَبَرِئَتْ مِنْهَا ; لِأَنَّهُ الْيَوْمَ لَا يَمْلِكُ مِنْهَا مَا كَانَ يَمْلِكُهُ بِالزَّوْجِيَّةِ مَعَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ جَارٍ إِلَى الْبَيْنُونَةِ بِانْقِضَاءِ الْعِدَّةِ , فَإِذَا اُحْتُمِلَ ذَلِكَ جَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ وَيَصْدُقَ فِيهِ , وَهَذَا بَعِيدٌ فِي مَعْنَى اللَّفْظِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ الرَّجْعِيَّةَ لَمْ تَبِنْ عَنْ عِصْمَةِ الزَّوْجِ ; لِأَنَّهُ يَمْلِكُ إجْبَارَهَا عَلَى الزَّوْجِيَّةِ , وَأَحْكَامُ الزَّوْجِيَّةِ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ بَيْنَهُمَا , وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ أَشْهَبَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ وَاحِدَةً بَائِنَةً. وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ رَجْعِيَّةً , وَالْأَظْهَرُ مِنْ مَعْنَى اللَّفْظِ أَنْ تَكُونَ بَائِنَةً ; لِأَنَّ الرَّجْعِيَّةَ لَمْ تَبْرَأْ مِنْ الزَّوْجِيَّةِ وَلَا خَلَتْ مِنْهَا , وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي وُقُوعِ الْوَاحِدَةِ الْبَائِنَةِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا فَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الَّذِي يَقُولُ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الْخُلْعِ إنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ خَالَعْتُ امْرَأَتِي أَوْ بَارَأْتُهَا أَوْ افْتَدَتْ مِنِّي وَكَذَلِكَ إِنْ قَالَ : صَالَحْتُ امْرَأَتِي أَخَذَ مِنْهَا عِوَضًا أَوْ لَمْ يَأْخُذْ فَهِيَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ أَوْ هِيَ مبارئة وَقَالَ مُطَرِّفٌ فِي الَّذِي يَقُولُ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ طَلَاقَ الصُّلْحِ هِيَ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ وَلَا يَكُونُ طَلَاقُ الصُّلْحِ إِلَّا بِعَطِيَّةٍ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ , وَهِيَ الْبَتَّةُ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ فَوَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ أَنَّهُ وَصَفَ الطَّلَاقَ بِصِفَةٍ يَقَعُ الطَّلَاقُ عَلَيْهَا مِنْهُ وَاحِدَةً بَائِنَةً بِأَنْ أَضَافَهُ إِلَى خُلْعٍ أَوْ صُلْحٍ أَوْ مُفَادَاةٍ أَوْ مُبَارَأَةٍ لَمَّا اسْتَعْمَلَ فِي ذَلِكَ لَفْظَ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي ظَاهِرُهَا أَنْ تَكُونَ مِنْ اثْنَيْنِ فَكَأَنَّهُ أَبْرَأَهَا مِنْ عِصْمَتِهِ لَمَّا أَبْرَأَتْهُ مِنْ حُقُوقِهَا عَلَيْهِ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يَكُونُ طَلْقَةً بَائِنَةً فَكَذَلِكَ مَا وَصَفَ لَهَا فَجَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ لِنَفْسِ الطَّلَاقِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَا لِلْعِوَضِ فِي الصُّلْحِ , وَالْخُلْعِ , وَوَجْهُ قَوْلِ مُطَرِّفٍ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ هَذَا النَّوْعُ كُلُّهُ مِنْ الْفُرْقَةِ إنَّمَا يَقْتَضِي بِإِطْلَاقِهِ طَلْقَةً وَاحِدَةً وَوَصَفَ بِهِ طَلَاقَهُ اقْتَضَى طَلْقَةً وَاحِدَةً فَأَمَّا مَنْعُ الرَّجْعَةِ فِي الْخُلْعِ , وَالصُّلْحِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا , فَإِنَّمَا كَانَ لِلْعِوَضِ الَّذِي أَخَذَ فَلَمَّا عَرَا هَذَا الطَّلَاقُ مِنْ الْعِوَضِ لَمْ يَمْنَعْ الرَّجْعَةَ. وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ مَا وَصَفَ بِهِ طَلَاقَهُ اقْتَضَى الْبَيْنُونَةَ وَمَنْعَ الرَّجْعَةِ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ إِلَّا بِالثَّلَاثِ حُمِلَ طَلَاقُهُ عَلَى الثَّلَاثِ. ( فَرْعٌ ) وَمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْخِلَافِ يَثْبُتُ فِي بَارَيْت وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي بَرِيَّةٍ إِلَّا الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا عَنْ أَشْهَبَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُلْحَقَ بَرِيَّةٌ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِمَا قَدَّمْنَاهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ بَارَيْت فِيهِ مَعْنَى الصُّلْحِ , وَأَمَّا بَرِيَّةٌ فَلَيْسَ فِيهِ مَعْنَى الصُّلْحِ الَّذِي يُثْبِتُ الْبَيْنُونَةَ مَعَ الْوَاحِدَةِ , وَإِنَّمَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً رَجْعِيَّةً أَوْ ثَلَاثَةً تَمْنَعُ الرَّجْعَةَ بِاسْتِيفَاءِ عَدَدِ الطَّلَاقِ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَأَمَّا قَوْلُهُ : خَلَّيْتُك , فَإِنْ قَالَ : لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا اُسْتُحْلِفَ عَلَى ذَلِكَ وَقُبِلَ مِنْهُ وَمُنِعَ هَذَا فِي خَلَّيْت سَبِيلَك ; لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذَا فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ أَكْثَرُ مِنْ خَلَّيْت سَبِيلَك قَالَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ , وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الطَّلَاقَ وَلَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ هِيَ مِثْلُ خَلَّيْت سَبِيلَك وَفَارَقْتُك وَسَرَّحْتُك ثَلَاثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا حَتَّى يَنْوِيَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَيَحْلِفُ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ , وَقَدْ قَالَ : إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ لَمْ يَحْلِفْ فَهِيَ ثَلَاثٌ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى اللَّفْظِ يَقْتَضِي مَا قَالَهُ مِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ خَلَّى سَبِيلَهَا الَّذِي كَانَ لَهُ عَلَيْهَا , وَالرَّجْعِيَّةُ لَمْ يُخَلَّ سَبِيلُهَا بَلْ هِيَ فِي حُكْمِهِ بِأَنَّهُ قَدْ خَلَّى سَبِيلَهَا. ( فَرْقٌ ) وَالْفَرْقُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ حَرَامٍ وَبَائِنٍ وَبَتَّةٍ وَبَتْلَةٍ وَخَلِيَّةٍ وَبَرِيَّةٍ , وَإِنْ كَانَ الْمَعْنَى وَاحِدًا إِلَّا أَنَّ اسْتِعْمَالَ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي غَيْرِ الطَّلَاقِ وَفِي الطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ عَلَى ضَرْبٍ مِنْ الِاتِّسَاعِ فِي الْكَلَامِ أَكْثَرُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْحَرَامِ , وَالْبَائِنِ , وَالْبَرِيَّةِ , وَالْخَلِيَّةِ فِيهِ , فَإِنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ مَعَ اقْتِضَائِهَا مَعْنَى الثَّلَاثِ لَا تَكَادُ تُسْتَعْمَلُ إِلَّا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ. وَلِلِاسْتِعْمَالِ تَأْثِيرٌ فِي تَحْقِيقِ مَعَانِي الْأَلْفَاظِ كَمَا لَهُ تَأْثِيرٌ فِي اقْتِضَاءِ الْأَلْفَاظِ غَيْرَ مَا وُضِعَتْ لَهُ مِنْ الْمَعَانِي , وَهَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ , وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ يَنْوِيهِ فِي الْخَلِيَّةِ , وَالْبَرِيَّةِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا قَوْلُهُ : فَارَقْتُكِ , فَإِنْ قَالَ : لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ذَلِكَ لَهُ وَيَحْلِفُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُسْتَعْمَلُ كَثِيرًا وَيَتَرَدَّدُ فِي الْمُفَارَقَةِ إِلَى السَّفَرِ , وَالْخُرُوجِ , وَالدُّخُولِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَجَازَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَيْهِ إِذَا ادَّعَاهُ وَلِذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ فِيمَا يُشْبِهُ هَذَا مَا لَمْ يَكُنْ جَوَابًا لِسُؤَالِهَا الطَّلَاقَ. ( فَرْعٌ ) فَأَمَّا إِنْ قَالَ : أَرَدْت الطَّلَاقَ بِقَوْلِي , فَإِنْ شَكَّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَنْوِي فِي الْمَدْخُولِ بِهَا , فَإِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ ثَلَاثٌ وَفِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَوَاهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَرَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهَا ثَلَاثٌ إِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلُهُ تَعالَى وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ G16 فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْمُفَارَقَةَ بِالْوَاحِدَةِ بِهَذَا اللَّفْظِ بَلْ لَا يَجُوزُ أَنْ يُرِيدَ الثَّلَاثَ ; لِأَنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْمُفَارَقَةِ بِالْمَعْرُوفِ , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ لَفْظَ الْمُفَارَقَةِ يَقْتَضِي الْبَيْنُونَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمْ الْبَيِّنَةُ , وَالرَّجْعِيَّةُ لَا تَصِحُّ مِنْهَا هَذِهِ الْفُرْقَةُ ; لِأَنَّهَا لَا تَمْلِكُ مُفَارَقَةَ الزَّوْجِ. ( فَرْعٌ ) فَإِذَا قُلْنَا : يَنْوِي فِي الْمَدْخُولِ بِهَا , فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا كَانَتْ ثَلَاثًا , وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الدُّخُولِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ , إِنْ لَمْ يَنْوِ فَجَعَلَهَا وَاحِدَةً فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا وَثَلَاثًا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ لِلدُّخُولِ تأْثِيرًا فِي تَغْلِيظِ الطَّلَاقِ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْفُرْقَةِ يُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا بِوَاحِدَةٍ وَلَا يُوجَدُ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا إِلَّا الثَّلَاثُ , وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ فِي سَرَّحْتُك مِثْلَ هَذَا , وَأَنَّهَا وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّهُ الْقِيَاسُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا قَوْلُهُ سَرَّحْتُك , فَإِنْ قَالَ لَمْ أُرِدْ بِهِ الطَّلَاقَ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْمَوَّازِ أَنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ وَيَحْلِفُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَوَابًا لِسُؤَالِهِمَا الطَّلَاقَ , وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي فَارَقْتُك , وَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الطَّلَاقَ وَاحِدَةً فَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَشْهَبَ أَنَّهُ قَالَ : لَهُ نِيَّتُهُ وَيَحْلِفُ وَقَالَ هِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يُرِيدَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ , وَهَذَا يَقْتَضِي تَصْدِيقَهُ دُونَ يَمِينٍ , وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ ثَلَاثٌ وَلَا يَنْوِي. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاحِدَةِ وَمَعْنَاهُ يَقْتَضِي الثَّلَاثَ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا قُبِلَ مِنْهُ أَنَّهُ نَوَى مَا قَدْ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ وَأُحْلِفَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ لَمَّا كَانَ اللَّفْظُ يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاحِدَةِ وَفِي الثَّلَاثِ كَانَ كَلَفْظِ الطَّلَاقِ يُقْبَلُ مِنْهُ مَا ادَّعَاهُ مِنْ ذَلِكَ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّالِثِ أَنَّ مَعْنَى التَّسْرِيحِ الطَّلَاقُ وَلِذَلِكَ يُقَالُ سَرَّحْت الدَّابَّةَ إِذَا أَزَلْت عَنْهَا مَا يَمْنَعُهَا الذَّهَابَ فَكَذَلِكَ فِي الزَّوْجَةِ يَقْتَضِي أَنَّك أَزَلْت عَنْهَا مَا يَمْنَعُهَا التَّصَرُّفَ عَلَى اخْتِيَارِهَا وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَمْلِكَ صَرْفَهَا إِلَى الزَّوْجَةِ , وَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِي الرَّجْعِيَّةِ فَحُمِلَ عَلَى الثَّلَاثِ , فَإِنْ قِيلَ : هَذَا يَلْزَمُكُمْ فِي لَفْظِ الطَّلَاقِ , فَإِنَّهُ يُفْهَمُ مِنْهُ إطْلَاقُ الزَّوْجَةِ مِنْ حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ , وَهَذَا لَا يَصِحُّ مَعَ بَقَاءِ الرَّجْعَةِ فَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ مَعْنَى التَّطْلِيقِ يَقْتَضِي ذَلِكَ ; لِأَنَّ لَفْظَةَ الطَّلَاقِ مَوْضُوعَةٌ لِهَذَا الْمَعْنَى وَلَيْسَتْ مَأْخُوذَةً مِنْ الْإِطْلَاقِ وَلَا مِنْ الِانْطِلَاقِ , إنَّمَا وُضِعَتْ لِهَذَا الْمَعْنَى عَلَى وَجْهٍ يَحْتَمِلُ عِنْدَنَا الطَّلْقَةَ الْوَاحِدَةَ وَأَكْثَرَ مِنْهَا وَلِذَلِكَ لَا يُخْتَلَفُ أَنَّهَا صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ عِنْدَنَا عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا صَرِيحَ غَيْرَهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ إِنْ نَوَى بِهَا الثَّلَاثَ لَمْ تَكُنْ لَهُ إِلَّا وَاحِدَةٌ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ أَلْفَاظِ الطَّلَاقِ , وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ خَلِيَّةً وَبَرِّيَّةً وَبَائِنًا وَحَرَامًا مِنْ كِنَايَاتِ الطَّلَاقِ , وَهَذَا يُفِيدُ أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ إِلَى الطَّلَاقِ عَمَّا وُضِعَتْ لَهُ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ فِيهَا الْمَعْنَى الَّذِي وُضِعَتْ لَهُ مِنْ التَّحْرِيمِ , وَالْبَيْنُونَةِ , وَالْإِبْرَاءِ , وَالْخُلُوِّ , وَذَلِكَ كُلُّهُ يَقْتَضِي زَوَالَ الْمِلْكِ فَلَا يَلْزَمُنَا مَا قُلْتُمْ. ( فَرْعٌ ) فَإِذَا قُلْنَا فِي "" سَرَّحْتُك "" إنَّهَا وَاحِدَةٌ إِنْ نَوَى , فَإِنْ لَمْ يَنْوِ شَيْئًا فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ : هِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهَا فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ثَلَاثٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَلَهُ نِيَّتُهُ وَيَحْلِفُ وَفِي الَّتِي لَمْ يَبْنِ بِهَا وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ , وَقَالَهُ مَالِكٌ : وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُ طَلَاقٌ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ وَاحِدَةً مَعَ الْبَتَّةِ فَوَجَبَ أَنْ تَكُونَ وَاحِدَةً دُونَ الْبَتَّةِ أَصْلُ ذَلِكَ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ , وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ : فَارَقْتُك وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي "" سَرَّحْتُك "" بَعْضُ الضَّعْفِ , وَالْقِيَاسُ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ سَوَاءٌ هِيَ وَاحِدَةٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ حَتَّى يُرِيدَ أَكْثَرَ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا قَوْلُهُ : خَلَّيْتُ سَبِيلَك فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إِنْ قَالَ : لَمْ أُرِدْ طَلَاقًا لَمْ يُقْبَلْ ذَلِكَ مِنْهُ بِخِلَافِ فَارَقْتُك وَخَلَّيْتُك , فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ طَلَاقًا , وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ خَلَّيْتُ سَبِيلَكِ لَا يَكَادُ يُسْتَعْمَلُ إِلَّا فِي الطَّلَاقِ , وَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ مَا يَقْتَضِيهِ لَوَجَبَ أَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ , فَإِنْ قَالَ : أَرَدْت الطَّلَاقَ وَلَمْ أَنْوِ عَدَدًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ هِيَ وَاحِدَةٌ حَتَّى يَنْوِيَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إنَّهَا ثَلَاثٌ وَبِهِ أَخَذَ أَصْبَغُ وَابْنُ الْمَوَّازِ , وَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ لَفْظٌ يُسْتَعْمَلُ فِي الطَّلَاقِ وَلَيْسَ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي قَطْعَ الْعِصْمَةِ فَاقْتَضَى طَلْقَةً وَاحِدَةً كَقَوْلِهِ : طَلَّقْتُك , وَوَجْهُ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ تَخْلِيَةَ السَّبِيلِ إنَّمَا تُسْتَعْمَلُ عَلَى مَعْنَى إطْرَاحِ الْعِصْمَةِ وَتَرْكِ الْإِمْسَاكِ بِشَيْءٍ مِنْهَا فَاقْتَضَى الثَّلَاثَ إطْلَاقُهُ كَقَوْلِك : حَبْلُك عَلَى غَارِبِك. ( فَرْعٌ ) فَإِذَا قَالَ : أَرَدْت وَاحِدَةً فَيَجِيءُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ يُصَدَّقُ دُونَ يَمِينٍ وَيَجِيءُ عَلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَهُ نِيَّتُهُ وَيَحْلِفُ وَوَجْهُهُ مَا تَقَدَّمَ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ : إنَّهَا ثَلَاثُ تَطْلِيقَاتٍ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا لِئَلَّا يَظُنَّ ظَانٌّ أَنَّ الثَّلَاثَ إنَّمَا تَقَعُ لِتَكَرُّرِ الْأَلْفَاظِ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُقْتَضَى كُلِّ لَفْظٍ مِنْهَا فَبَيَّنَ أَنَّ مُقْتَضَى كُلِّ لَفْظٍ مَا ذَكَرَهُ.



