المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1023)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1023)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ شِهَابٍ عَنْ إِيلَاءِ الْعَبْدِ فَقَالَ هُوَ نَحْوُ إِيلَاءِ الْحُرِّ وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ وَإِيلَاءُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ
( ش ) : قَوْلُهُ إيلَاءُ الْعَبْدِ نَحْوُ إِيلَاءِ الْحُرِّ , وَهُوَ عَلَيْهِ وَاجِبٌ يُرِيدُ أَنَّهُ وَاجِبٌ نَحْوُ إيلَاءِ الْحُرِّ فِي لُزُومِهِ حُكْمَ الْأَيْمَانِ وَاعْتِبَارِهِ مُدَّةَ التَّرَبُّصِ , وَالتَّوْقِيفِ عِنْدَ انْقِضَائِهَا مَعَ بَقَاءِ الْيَمِينِ , فَإِنْ فَاءَ وَإِلَّا طَلَّقَ عَلَيْهِ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ إيلَاءَهُ تَعَلَّقَ بِالْمَنْعِ مِنْ الْوَطْءِ عَارِيًا عَنْ الْعُذْرِ , وَالْمَنْفَعَةِ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى مُدَّةِ التَّرَبُّصِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ : وَإِيلَاءُ الْعَبْدِ شَهْرَانِ هُوَ قَوْلُ مَالِكٍ سَوَاءٌ كَانَتْ تَحْتَهُ حُرَّةٌ أَوْ أَمَةٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إيلَاءُ الْعَبْدِ مِنْ الْأَمَةِ شَهْرَانِ وَمِنْ الْحُرَّةِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إيلَاؤُهُ مِنْهُمَا أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مُدَّةَ الْإِيلَاءِ يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ الْبَيْنُونَةِ فَوَجَبَ أَنْ لَا يُسَاوِيَ فِيهِ الْحُرُّ الْعَبْدَ أَصْلُ ذَلِكَ الطَّلَاقُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَإِنْ آلَى الْعَبْدُ ثُمَّ عَتَقَ مَكَانَهُ بَقِيَ عَلَى حُكْمِ إيلَاءِ الْعَبِيدِ , وَلَمْ يَنْتَقِلْ عَنْ ذَلِكَ بِأَنْ عَتَقَ بَعْدَ أَنْ لَزِمَهُ وَوَجَبَ عَلَيْهِ كَمَا أَنَّهُ لَوْ زَنَى فِي حَالِ الرِّقِّ ثُمَّ أُعْتِقَ لَمْ يَنْتَقِلْ حَدُّهُ عَنْ حَدِّ الْعَبْدِ إِلَى حَدِّ الْحُرِّ. ( ظِهَارُ الْحُرِّ ) الظِّهَارُ هُوَ وَصْفُ الْمُظَاهِرِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ بِأَنَّهَا عَلَيْهِ كَظَهْرِ أُمِّهِ وَلَهُ فِي الشَّرْعِ أَلْفَاظٌ وَأَحْكَامٌ تَخْتَصُّ بِهِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ : الظِّهَارُ يَمِينٌ تُكَفَّرُ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّ مُطْلَقَ الظِّهَارِ لَيْسَ بِيَمِينٍ , وَإِنَّمَا يَكُونُ يَمِينًا إِذَا قَالَ : إِنْ فَعَلْت كَذَا فَأَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّهِ , وَالظِّهَارُ مُحَرَّمٌ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ , وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالَى وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا فَفِي الْآيَةِ دَلِيلَانِ أَحَدُهُمَا إنْكَارُ مَا قَالُوا وَتَكْذِيبُهُ , وَالثَّانِي أَنَّهُ وَصَفَهُ بِأَنَّهُ مُنْكَرٌ وَزُورٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ : وَمِنْ ظَاهَرَ أُدِّبَ لِقَوْلِهِ الْمُنْكَرَ وَأَلْزَمَهُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَالظِّهَارُ تَحْرِيمُ الْوَطْءِ الْمُبَاحِ مِنْ الزَّوْجَةِ , وَالْأَمَةِ وَهَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ الِاسْتِمْتَاعُ بِالْقُبْلَةِ , وَالنَّظَرِ , وَالْمُبَاشَرَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا يُقَبِّلُ وَلَا يُبَاشِرُ وَلَا يَلْمِسُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَى صَدْرٍ وَلَا شَعْرٍ وَفِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ وَلَا إِلَى شَيْءٍ مِنْهَا حَتَّى يُكَفِّرَ قَالَ مَالِكٌ : لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَدْعُو إِلَى خَيْرٍ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا فِي بَيْتٍ إِذَا كَانَ مِمَّنْ يُؤْمَنُ وَفِي التَّفْرِيعِ لِابْنِ الْجَلَّابِ لَا يُقَبِّلُ وَلَا يُبَاشِرُ وَلَا بَأْسَ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى الرَّأْسِ , وَالْوَجْهِ , وَالْيَدَيْنِ وَسَائِرِ الْأَطْرَافِ قَبْلَ أَنْ يُكَفِّرَ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى التَّحْرِيمِ كَالْوَطْءِ وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَمِنْهُمْ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لِئَلَّا يَدْعُوَ إِلَى الْجِمَاعِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمَبْسُوطِ فِي الْمُتَظَاهِرِ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَيَنْظُرُ إِلَى الصَّدْرِ , وَالشَّعْرِ , وَالْمَحَاسِنِ إِنَّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ لِذَلِكَ كُلِّهِ كَالتَّغْيِيرِ فِي الْجِمَاعِ الَّذِي لَا يَحِلُّ لِمَنْ لَمْ يُكَفِّرْ نَحْوُ كَرَاهِيَتِهِمْ الْقُبْلَةَ لِلشَّابِّ الصَّائِمِ , وَالْمُلَامَسَةَ , وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ أَنَّ كُلَّ مَعْنًى طَرَأَ عَلَى النِّكَاحِ مَنَعَ الْوَطْءَ مِنْ أَجْلِ تَحْرِيمٍ حَادِثٍ , فَإِنَّهُ يَمْنَعُ الِاسْتِمْتَاعَ كُلَّهُ , وَاللَّذَّةَ بِقُبْلَةٍ وَغَيْرِهَا كَالطَّلَاقِ الرَّجْعِيِّ , وَالِاعْتِكَافِ , وَالْإِحْرَامِ , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهَا زَوْجَةٌ مُنِعَ وَطْؤُهَا لِمَعْنًى لَيْسَ لِعِبَادَةٍ وَلَا يُفْضِي إِلَى بَيْنُونَةٍ فَلَمْ يُمْنَعْ الِاسْتِمْتَاعُ بِغَيْرِ الْوَطْءِ كَالْحَيْضِ , وَالْعِبَادَاتُ الَّتِي تَمْنَعُ الزَّوْجَ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ إِذَا اخْتَصَّتْ بِالزَّوْجَةِ , فَإِنَّمَا يُمْنَعُ الزَّوْجُ مِنْهَا مَا يُفْسِدُ عَلَى الزَّوْجَةِ عِبَادَتَهَا وَلِذَلِكَ لَا يُمْنَعُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ بِالنَّظَرِ إلَيْهَا وَلَيْسَ فِي الظِّهَارِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ , فَإِنَّمَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ فِي حَقِّهِ لِئَلَّا يُحَرِّكَهُ إِلَى مَوَاقِعِ الْمُحَرَّمِ مِنْ الْوَطْءِ , فَإِذَا قُلْنَا : إنَّهُ يَنْظُرُ الْوَجْهَ , وَالْيَدَيْنِ , فَإِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْتَظِرُ لِغَيْرِ وَجْهِ الِاسْتِمْتَاعِ يُبَيِّنُ ذَلِكَ مَا فِي الْمُدَوَّنَةِ قِيلَ لَمَالِكٍ أَيَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهَا قَالَ نَعَمْ , وَغَيْرُهُ أَيْضًا قَدْ يَنْظُرُ إِلَى وَجْهِهَا. ( فَرْعٌ ) فَإِنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ مَنْ قَبَّلَ أَوْ بَاشَرَ فِي شَهْرَيْ الصِّيَامِ عَنْ كَفَّارَةِ الظِّهَارِ قَطَعَ ذَلِكَ التَّتَابُعَ وَقَالَ أَصْبَغُ لَا يَقْطَعُ ذَلِكَ التَّتَابُعَ وَرَجَعَ إِلَيْهِ سَحْنُونٌ وَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّيْنِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ. ( مَسْأَلَةٌ ) , فَإِنْ كَانَ الظِّهَارُ مُطْلَقًا فَتَحْرِيمُهُ مُطْلَقٌ لَا يُسْتَبَاحُ إِلَّا بَعْدَ الْكَفَّارَةِ , وَإِنْ كَانَ مُقَيَّدًا مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي الْيَوْمَ فَلَا خِلَافَ فِي ثُبُوتِ الظِّهَارِ مِنْ الْيَوْمِ وَهَلْ يَبْطُلُ بِانْقِضَاءِ الْيَوْمِ أَمْ لَا الْمَشْهُورُ أَنَّهُ بَاقٍ بَعْدَ الْيَوْمِ حَتَّى يُكَفِّرَ كَالطَّلَاقِ وَقَالَهُ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ : يَطَؤُهَا دُونَ كَفَّارَةٍ أَحَبُّ إلَيَّ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الظِّهَارِ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا لَفْظٌ يَحْرُمُ بِهِ الْوَطْءُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ تَقْيِيدُهُ كَإِطْلَاقِهِ كَالطَّلَاقِ. ( بَابٌ فَأَمَّا أَلْفَاظُهُ فَأَصْلُهَا أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي ) الْأَصْلُ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالَى الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ مَا هُنَّ أُمَّهَاتِهِمْ إِنْ أُمَّهَاتُهُمْ إِلَّا اللَّائِي وَلَدْنَهُمْ ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَتَمَاسَّا فَهَذَا اللَّفْظُ الْمُسْتَعْمَلُ يَخْتَصُّ بِأَمْرَيْنِ بِالْأُمِّ , وَالظَّهْرِ , فَإِنْ عَدَلَ عَنْ هَذَا اللَّفْظِ , فَإِنَّهُ يَقَعُ الْعُدُولُ عَنْهُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا أَنْ يُعَلِّقَ التَّشْبِيهَ بِعُضْوٍ مِنْ الْأُمِّ غَيْرِ الظَّهْرِ , وَالثَّانِي أَنْ يُعَلِّقَهُ بِظَهْرِ غَيْرِ الْأُمِّ , وَالثَّالِثُ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِعُضْوٍ غَيْرِ الظَّهْرِ مِنْ امْرَأَةٍ غَيْرِ الْأُمِّ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَأَمَّا إِنْ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَرَأْسِ أُمِّي أَوْ يَقُولَ كَالْبَطْنِ أَوْ الْفَرْجِ أَوْ الْقَدَمِ أَوْ الْفَخِذِ أَوْ الْعَضُدِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يَكُونُ مُظَاهِرًا فِي ذَلِكَ كُلِّهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَمَنْ شَبَّهَ امْرَأَةً بِبَعْضِ أُمِّهِ فَهُوَ مُظَاهِرٌ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ لَا يَكُونُ مُظَاهِرًا إِلَّا بِتَشْبِيهِهِ بِالظَّهْرِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ قَالَ : لَا يَكُونُ الظِّهَارُ إِلَّا فِي تَمْثِيلِهِ بِعُضْوٍ مِنْ أُمِّهِ يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إِلَيْهِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ : إنَّهُ عُضْوٌ مِنْ ذَاتِ مَحْرَمٍ أَثْبَتَ لِامْرَأَتِهِ حُكْمَهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا كَالظَّهْرِ. ( فَرْعٌ ) , وَإِنْ أَثْبَتَ لِلْجُمْلَةِ حُكْمَ الْجُمْلَةِ فَقَالَ أَنْتِ عَلَيَّ كَأُمِّي فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : هُوَ مُظَاهِرٌ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ كَانَتْ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ لَمْ تَكُنْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَكَذَلِكَ إِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ أُمِّي قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلَيْهِمَا إِنْ لَمْ يَنْوِ الظِّهَارَ فَإِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْبِرِّ , وَالْكَرَامَةِ , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا إِنْ لَمْ تَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ جُمْلَةً , وَأَمَّا إِنْ كَانَتْ لَهُ نِيَّةُ الْإِكْرَامِ , وَالْبِرِّ فَيَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ مُظَاهِرًا , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّهُ وُجِدَ مِنْهُ تَشْبِيهُ امْرَأَتِهِ بِأُمِّهِ دُونَ نِيَّةٍ تَصْرِفُ ذَلِكَ فِي التَّحْرِيمِ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُظَاهِرًا هَذَا أَصْلُ ذَلِكَ إِذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. ( فَرْعٌ ) , فَإِنْ قَالَ لَهَا أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ كَأُمِّي أَوْ مِثْلَ أُمِّي أَوْ كَظَهْرِ أُمِّي حَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يَكُونُ ظِهَارًا وَلَمْ يَشْتَرِطْ نِيَّةً وَفِي الْعُتْبِيَّةِ وَكِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ مُظَاهِرٌ إِنْ لَمْ تَكُنْ نِيَّةٌ لَهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا احْتَجَّ بِهِ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ قَدْ أَتَى بِصَرِيحِ الظِّهَارِ , وَهُوَ قَوْلُهُ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا كَمَا لَوْ عَرَّاهُ عَنْ لَفْظِ التَّحْرِيمِ. ( فَرْعٌ ) وَقَوْلُهُ أَنْتِ عَلَيَّ أَحْرَمُ مِنْ أُمِّي إِنْ لَمْ يَنْوِ الطَّلَاقَ فِي الْعُتْبِيَّةِ , وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ هُوَ مُظَاهِرٌ وَرَوَى عِيسَى بْنُ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي قَوْلِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ أَحْرَمُ مِنْ أُمِّي أَنَّهَا الْبَتَّةُ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ فِي قَوْلِهِ أَنْتِ عَلَيَّ أَحْرَمُ مِنْ أُمِّي أَنَّهُ ظِهَارٌ , وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ , وَجْهُ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّ اللَّفْظَ يَحْتَمِلُ الطَّلَاقَ وَيَحْتَمِلُ الظِّهَارَ إِلَّا أَنَّهُ فِي الظِّهَارِ أَبْيَنُ ; لِأَنَّهُ إنَّمَا اسْتَعْمَلَ تَشْبِيهَ الزَّوْجَةِ بِالْأُمِّ فِي الظِّهَارِ فَحُمِلَ عَلَى مَا يَصْلُحُ أَنْ يُرَادَ بِهِ , فَإِذَا عُدِمَتْ النِّيَّةُ حُمِلَ عَلَى الْأَظْهَرِ , وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ لَفْظَ التَّحْرِيمِ يَقْتَضِي الطَّلَاقَ الْبَائِنَ , وَالتَّشْبِيهَ بِالْأُمِّ يَقْتَضِي الظِّهَارَ , وَإِذَا تَرَدَّدَ الْحُكْمُ بَيْنَ التَّغْلِيظِ , وَالتَّخْفِيفِ حُمِلَ عَلَى أَشَدِّهِمَا كَمَنْ شَكَّ فِي طَلْقَةٍ أَوْ ثَلَاثٍ , فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى الثَّلَاثِ , وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّ التَّشْبِيهَ بِالْأُمِّ قَرَّرَ الشَّارِعُ بِهِ حُكْمَ الظِّهَارِ فَلَا يُخْرِجُهُ عَنْ بَابِهِ لَفْظُ التَّحْرِيمِ ; لِأَنَّ الْمُبْتَدِئَ بِالظِّهَارِ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إنَّمَا قَصَدَ التَّحْرِيمَ فَحَكَمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ بِالظِّهَارِ هَذَا الَّذِي احْتَجَّ بِهِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا إِذَا عَلَّقَهُ بِظَهْرِ غَيْرِ الْأُمِّ مِثْلُ أَنْ يَقُولَ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ فُلَانَةَ فَلَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ الْمَذْكُورَةُ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ أَوْ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَوْ أَمَةٍ , فَإِنْ كَانَتْ مِنْ ذَوِي مَحَارِمِهِ فَهُوَ مُظَاهِرٌ بِذَلِكَ فِي قَوْلِ مَالِكٍ , وَإِنْ كَانَتْ أَجْنَبِيَّةً فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : هُوَ مُظَاهِرٌ كَانَ لَهَا زَوْجٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَهَا زَوْجٌ وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَكُونُ طَلَاقًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ طَلَاقًا وَلَا ظِهَارًا قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ : وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ شَبَّهَ امْرَأَتَهُ بِظَهْرِ مُحَرَّمَةٍ عَلَيْهِ فَلَزِمَهُ حُكْمُ الظِّهَارِ أَصْلُهُ إِذَا قَالَ : كَظَهْرِ أُمِّهِ , وَوَجْهُ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ بِالظِّهَارِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِتَحْرِيمٍ مُؤَبَّدٍ وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِرَفْعِ عَقْدِ الِاسْتِبَاحَةِ , وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ بِالطَّلَاقِ , وَإِنْ عَلَّقَهُ بِظَهْرِ مَنْ يَحِلُّ لَهُ وَطْؤُهَا فَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَأَمَّا إِذَا عَلَّقَ بِغَيْرِ الظَّهْرِ مِنْ غَيْرِ الْأُمِّ , وَذَلِكَ أَنْ يُعَلِّقَهُ بِعُضْوٍ غَيْرِ الظَّهْرِ فَيَقُولُ : أَنْتِ عَلَيَّ كَرَأْسِ فُلَانَةَ أَوْ يَدِهَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يُضَافَ ذَلِكَ إِلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ أَوْ أَجْنَبِيَّةٍ , فَإِنْ أَضَافَهُ إِلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ بِنَسَبٍ أَوْ صِهْرٍ أَوْ رَضَاعٍ , فَإِنَّ ذَلِكَ ظِهَارٌ فَحُكْمُهُ فِي الظِّهَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ الْأَجْنَبِيَّةُ. ( باب من يظاهر منها ) ( بَابٌ ) فَأَمَّا مَنْ يُظَاهِرُ مِنْهَا فَإِنَّهُ يَثْبُتُ حُكْمُ الظِّهَارِ مِنْ كُلِّ مَنْ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ وَطْؤُهَا مِنْ زَوْجَةٍ أَمَةٍ أَوْ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ أَوْ كِتَابِيَّةٍ أَوْ مَا تَمْلِكُ يَمِينُهُ مِنْ أَمَةٍ أَوْ أُمِّ وَلَدٍ أَوْ مُدَبَّرَةٍ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَفِي الْمُخْتَصَرِ الْكَبِيرِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَكُونُ الظِّهَارُ إِلَّا فِي زَوْجَةٍ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ تَعالَى وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَبْسُوطِ , وَالسُّرِّيَّةُ مِنْ النِّسَاءِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ فَرْجٌ مُبَاحٌ لَهُ فَجَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ حُكْمُ الظِّهَارِ كَالزَّوْجَةِ وَفِي الْمَبْسُوطِ سَوَاءٌ كَانَتْ صَبِيَّةً أَوْ مُحَرَّمَةً أَوْ حَائِضًا أَوْ رَتْقَاءَ أَوْ صَائِمَةً فَهُوَ مُظَاهِرٌ مِنْهُنَّ كُلِّهِنَّ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَلَوْ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَمَةِ شِقْصٌ لَمْ يَلْزَمْهُ فِيهَا ظِهَارٌ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لِنَقْصِ مِلْكِهِ فِيهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ : وَكَذَلِكَ حُكْمُ الْمُكَاتَبَةِ , وَالْمُعْتَقَةِ إِلَى أَجَلٍ وَكُلِّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا مِنْ الْإِمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ فِي الْمَبْسُوطِ , وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ لَا يَحِلُّ لَهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِهَا لَمْ يَتَعَلَّقْ ظِهَارُهُ بِهَا كَالْأَجْنَبِيَّةِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ ظِهَارُ الْحُرِّ يُرِيدُ أَنَّ الْحُرَّ الْمُسْلِمَ الْمُكَلَّفَ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ سَوَاءٌ كَانَ مَالِكًا لِأَمْرِ نَفْسِهِ أَوْ كَانَ مَحْجُورًا عَلَيْهِ فَأَمَّا الْمَالِكُ لِأَمْرِ نَفْسِهِ فَسَنُبَيِّنُ حُكْمَهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى , وَأَمَّا الْمَحْجُورُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ ; لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ يَقْدِرُ عَلَى الِاسْتِمْتَاعِ وَيَصِحُّ مِنْهُ الطَّلَاقُ فَلَزِمَهُ الظِّهَارُ كَالْمَالِكِ لِأَمْرِهِ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَأَمَّا الذِّمِّيُّ , فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ لَا يَصِحُّ طَلَاقُهُ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ ظِهَارُهُ كَالْمَجْنُونِ , وَالصَّغِيرِ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَأَمَّا الْخَصِيُّ , وَالْمَجْبُوبُ , وَالْعِنِّينُ , وَالشَّيْخُ الْفَانِي فَقَدْ رَوَى ابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ لَا يَلْزَمُهُمْ ظِهَارٌ وَلَا إيلَاءٌ وَكَذَلِكَ كُلُّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْجِمَاعِ مَعْنَاهُ وَلَا يَرْجُوهُ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ وَعِنْدِي أَنَّ هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الظِّهَارَ لَا يُحَرِّمُ الِاسْتِمْتَاعَ بِغَيْرِ الْوَطْءِ , وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ , فَإِنْ قُلْنَا : إِنَّ الظِّهَارَ يُحَرِّمُ الِاسْتِمْتَاعَ كَمَا يُحَرِّمُ الْوَطْءَ , وَهُوَ مُمْكِنٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ وَجَبَ أَنْ يَلْزَمَهُمْ الظِّهَارُ , وَإِذَا قُلْنَا : إنَّهُ لَيْسَ بِمُحَرِّمٍ لِنَفْسِهِ , وَإِنَّمَا هُوَ مَمْنُوعٌ لِئَلَّا يَكُونَ دَاعِيَةً إِلَى الْجِمَاعِ فَلَا يَصِحُّ الظِّهَارُ مِنْ الْمَجْبُوبِ وَلَا الْخَصِيِّ وَلَا الْعِنِّينِ ; لِأَنَّ الْجِمَاعَ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُمْ , وَأَمَّا الْإِيلَاءُ , فَإِنَّمَا يُسْقِطُ عَنْهُمْ حُكْمَ التَّوْقِيفِ لِلْفَيْئَةِ ; لِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ عَلَيْهَا وَلَا يُمْكِنُهُمْ فِعْلُهَا وَلَا تَرْكُهَا يُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ الشَّيْخَ الْفَانِيَ لَوْ تَحَامَلَ وَجَامَعَ لَحَنِثَ فِي إيلَائِهِ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَأَمَّا السَّكْرَانُ , فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ الظِّهَارُ حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ : لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ يَلْزَمُهُ الطَّلَاقُ فَكَذَلِكَ الظِّهَارُ عِنْدِي قَالَ وَلَا يَلْزَمُ الْمُعْتَدَّةَ وَلَا الصَّبِيَّ ظِهَارٌ ; لِأَنَّ مَالِكًا قَالَ لَا يَلْزَمُهُ طَلَاقٌ وَكَذَلِكَ الْمُكْرَهُ وَقَالَ مُحَمَّدٌ فِي الَّذِي يَفِيقُ مِنْ سُكْرِهِ فَتَقُولُ لَهُ امْرَأَتُهُ : تَظَاهَرْت مِنِّي حَالَ سُكْرِك فَيَقُولُ لَا عِلْمَ لِي بِذَلِكَ لَا يُقَرُّ بِهَا حَتَّى يُكَفِّرَ.



