المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1028)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1028)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ أَنَّهَا قَالَتْ كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ فَكَانَتْ إِحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَأُدْمٌ مِنْ أُدْمِ الْبَيْتِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ فَقَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنْ ذَلِكَ لَحْمٌ تُصُدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ
( ش ) : قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِىَ اللَّهَ عَنْهَا كَانَ فِي بَرِيرَةَ ثَلَاثُ سُنَنٍ تُرِيدُ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ مَشْرُوعَةٍ سَنَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ أَسْبَابُهَا مُخْتَصَّةً ببريرة وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تَحَفُّظَ أَسْبَابِ الْأَحْكَامِ مِمَّا اهْتَبَلَ بِهِ الصَّحَابَةُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُمْ وَنَقَلَهُ عَنْهُمْ الْعُلَمَاءُ ; لِأَنَّ ذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى فَهْمِ مَعْنَى الْحُكْمِ وَعُمُومِهِ أَوْ خُصُوصِهِ , وَوَجْهُ تَعَلُّقِهِ بِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِ مِنْ اخْتِصَاصٍ بِهِ أَوْ تَعَدٍّ إِلَى غَيْرِهِ وَفِيهِ عَوْنٌ عَلَى حِفْظِ الْأَحْكَامِ وَاسْتِدَامَةِ حِفْظِهَا. ( فَصْلٌ ) ثُمَّ فَسَّرَتْ ذَلِكَ فَقَالَتْ : إِنَّ إِحْدَى السُّنَنِ الثَّلَاثِ أَنَّهَا أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا كَانَتْ أَمَةً وَكَانَ زَوْجُهَا عَبْدًا اسْمُهُ مُغِيثٌ كَذَلِكَ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ فَخَيَّرَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَقَاءِ مَعَهُ عَلَى حُكْمِ الزَّوْجِيَّةِ أَوْ الْمُفَارَقَةِ وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا ; لِأَنَّ الْحُرِّيَّةَ رُتْبَةٌ أَرْفَعُ مِنْ رُتْبَةِ الرِّقِّ وَلَيْسَ لِلْعَبْدِ أَنْ يَتَزَوَّجَ حُرَّةً إِلَّا بِأَنْ يُبَيِّنَ لَهَا أَمْرَهُ , وَلَوْ غَرَّهَا ثُمَّ اطَّلَعَتْ عَلَى أَنَّهُ عَبْدٌ لَكَانَ لَهَا مُفَارَقَتُهُ فَلَمَّا تَزَوَّجَ الْعَبْدُ أَمَةً وَكَانَتْ مِنْ نِسَائِهِ مُسَاوِيَةً لَهُ فِي الرُّتْبَةِ لَمْ يَكُنْ لَهَا خِيَارٌ مَا كَانَتْ رَقِيقًا مِثْلَهُ , فَإِذَا ارْتَفَعَتْ رُتْبَتُهَا بِالْحُرِّيَّةِ كَانَ لَهَا أَنْ تُفَارِقَهُ لِنَقْصِهِ عَنْ رُتْبَتِهَا أَوْ تُقِيمَ مَعَهُ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَإِنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا فَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِيهِ فَقَالَ مَرَّةً لَيْسَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا إِلَّا وَاحِدَةً هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَأَكْثَرِ الْكُتُبِ وَفِي الْمَدَنِيَّةِ قَوْلُهُ الْأَوَّلُ : لَهَا إيقَاعُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ دِينَارٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى قَالَ مَالِكٌ : إِذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ تَحْتَ عَبْدٍ كَانَ لَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا أَكْثَرَ مِنْ تَطْلِيقَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَقَدْ قَالَ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِ مَالِكٍ الْأَوَّلِ لَهَا ذَلِكَ وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي ثَابِتٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ثِنْتَيْنِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ جَمِيعُ طَلَاقِ الْعَبْدِ وَلَعَلَّهُ مِمَّا أَصْلَحَهُ أَبُو ثَابِتٍ وَالْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ عَلَى أَنَّ لِقَوْلِهِ ثَلَاثًا وَجْهًا سَائِغًا سَنُبَيِّنُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَوَجْهُ قَوْلِهِ : إنَّهُ لَا يَمْلِكُ إِلَّا طَلْقَةً بَائِنَةً أَنَّ عَدَدَ الطَّلَاقِ إنَّمَا هُوَ حُكْمٌ مُخْتَصٌّ بِالْأَزْوَاجِ وَلَمَّا حَصَلَ لِلزَّوْجَةِ مَا تَمْلِكُ بِهِ نَفْسَهَا وَجَبَ أَنْ تَكُونَ طَلْقَةً بَائِنَةً , وَلَوْ كَانَتْ تَمْلِكُ عَدَدَ الطَّلَاقِ لَكَانَتْ الْوَاحِدَةُ رَجْعِيَّةً , وَالطَّلَاقُ الْوَاجِبُ بِالشَّرْعِ هُوَ بَائِنٌ , وَإِنْ عَرَا عَنْ الْعِوَضِ , وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ جِهَةَ الزَّوْجَةِ لَمَّا انْتَقَلَ إلَيْهَا الطَّلَاقُ انْتَقَلَ إلَيْهَا الْعَدَدُ وَكَانَتْ جِهَةَ حُرِّيَّةٍ فَكَمُلَتْ فِيهَا الثَّلَاثُ وَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ زِيَادَ بْنَ جَعْفَرٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إِنْ طَلَّقَهَا طَلْقَةً أَوْ طَلْقَتَيْنِ , فَإِنَّهَا أَمْلَكُ لِنَفْسِهَا , وَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطَّابِ فَلَمْ يُحَرِّمْهَا عَلَيْهِ بِالثِّنْتَيْنِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا لَا تَبِينُ إِلَّا بِالثَّلَاثِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الشَّيْبَانِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَدَنِيَّةِ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَطَلَّقَهَا ثُمَّ أُعْتِقَتْ فِي عِدَّتِهَا فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَدْ بَانَتْ مِنْهُ ; لِأَنَّ طَلَاقَ الْعَبْدِ ثِنْتَانِ فَثَبَتَ أَنَّ فِي الْمَسْأَلَةِ رِوَايَتَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ : وَلَوْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا وَلَا نِيَّةَ لَهَا كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّفْظَ إِذَا كَانَ مَوْضُوعًا لِلطَّلْقَةِ الْوَاحِدَةِ وَصَحَّ أَنْ يُوقَعَ بِهِ الثَّلَاثُ , فَإِنَّ إطْلَاقَهُ يَقْتَضِي الْوَاحِدَةَ كَقَوْلِ الزَّوْجِ : أَنْتِ طَالِقٌ وَفِي الْمَبْسُوطِ أَنَّهُ طَلَاقٌ وَلَيْسَ بِفَسْخٍ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَإِذَا كَانَ الزَّوْجَانِ نَصْرَانِيَّيْنِ وَسَيِّدَاهُمَا مُسْلِمَيْنِ كَانَ ذَلِكَ حُكْمَهُمَا قَالَهُ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ , وَالْمَوَّازِيَّةِ ; لِأَنَّ السَّيِّدَ لَمَّا كَانَ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْفُرْقَةِ مِنْ اسْتِبَاحَةِ الْأَمَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِرٍ فَأُجْرِيَ عَلَى حُكْمِ الْإِسْلَامِ , وَرُوِيَ عَنْ أَصْبَغَ أَنَّهُ قَالَ : وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَ السَّيِّدُ نَصْرَانِيًّا , أَنْكَرَهَا سَحْنُونٌ وَقَالَ لَا يَعْرِضُ لَهُمْ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَإِذَا كَانَ نِصْفُ الْأَمَةِ حُرًّا فَأُعْتِقَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَهَا الْخِيَارُ رَوَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَهَا حُكْمَ الْأَمَةِ مَا بَقِيَ فِيهَا شُعْبَةٌ مِنْ الرِّقِّ فَلَا خِيَارَ لَهَا كَمَا لَا خِيَارَ لِلْأَمَةِ , وَفِي الْمَبْسُوطِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْأَمَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ يُعْتِقُ بَعْضَهَا لَا خِيَارَ لَهَا حَتَّى يُعْتِقَ جَمِيعَهَا , فَإِذَا كَمُلَ عِتْقُهَا انْتَقَلَتْ إِلَى حُكْمِ الْحُرِّيَّةِ فَثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ , وَلَوْ أَنَّ مُدَبَّرَةً أَوْ أُمَّ وَلَدٍ تُوُفِّيَ سَيِّدُهَا فَعَتَقَا أَوْ مُكَاتَبَةً أَدَّتْ كِتَابَتَهَا كَانَ لَهَا الْخِيَارُ إِذَا كَانَ الزَّوْجُ عَبْدًا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمَبْسُوطِ , وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْخِيَارِ بِتَمَامِ الْعِتْقِ. ( مَسْأَلَةٌ ) , فَإِنْ أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فِي حَالِ حَيْضٍ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى ابْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ لَا تَخْتَارُ حَتَّى تَطْهُرَ , فَإِنْ اخْتَارَتْ مَضَى , فَإِنْ أَخَّرَتْ فَعَتَقَ الزَّوْجُ قَبْلَ أَنْ تَطْهُرَ لَمْ يَقْطَعْ ذَلِكَ خِيَارَهَا , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ فِي وَقْتٍ لَمْ يَكُنْ لِلزَّوْجِ الْمَنْعُ مِنْهُ , وَإِنَّمَا أَخَّرَتْ إيقَاعَهُ لِلشَّرْعِ لَا رِضًى بِالزَّوْجِيَّةِ فَكَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى خِيَارِهَا , وَفِي الْمَبْسُوطِ مِنْ رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ إِذَا أُعْتِقَتْ تَحْتَ الْعَبْدِ فَلَمْ يَبْلُغْهَا حَتَّى عَتَقَ زَوْجُهَا بَطَلَ خِيَارُهَا وَقَالَ : لَا خِيَارَ لَهَا إِذَا لَمْ تَخْتَرْ حَتَّى يَعْتِقَ زَوْجُهَا وَيَحْتَمِلُ هَذَا أَنْ يَكُونَ عَلَى رِوَايَتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْحَائِضَ مَمْنُوعَةٌ بِالشَّرْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَلَوْ أَنَّ أَمَةً تَحْتَ عَبْدٍ قَالَتْ : مَتَى أُعْتِقْت فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت زَوْجِي فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ ذَلِكَ بِشَيْءٍ وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحُرَّةِ ذَاتِ الشَّرْطِ فِي النِّكَاحِ , وَالتَّسَرِّي تَقُولُ مَتَى فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ زَوْجِي فَقَدْ اخْتَرْت نَفْسِي أَنَّ ذَلِكَ لَهَا قَالَ الْمُغِيرَةُ هُمَا سَوَاءٌ وَلَا شَيْءَ لَهُمَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَمَةِ تُعْتَقُ , وَالْحُرَّةِ تَأْخُذُ بِشَرْطِهَا عَلَى رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَمَةَ لَيْسَتْ بِصِفَةِ مَنْ يَخْتَارُ فَلِذَلِكَ لَمْ يَجُزْ خِيَارُهَا , وَالْحُرَّةَ بِصِفَةِ مَنْ يَخْتَارُ وَمِمَّنْ قَدْ ثَبَتَ لَهَا الْخِيَارُ , وَإِنَّمَا عَلَّقَ نُفُوذَهُ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ فَقَدْ أَوْقَعَتْهُ عَلَى حَسَبِ مَا جُعِلَ إلَيْهَا مِنْ تَأْخِيرِ الْوُقُوعِ وَلَمْ يُعَلِّقْ بِوُجُودِ تِلْكَ الصِّفَةِ إيقَاعَهَا الطَّلَاقَ , وَإِنَّمَا عَلَّقَ بِهَا وُقُوعَهُ , وَوَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّ الْحُرَّةَ إنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ إلَيْهَا فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ , وَهُوَ بَعْدَ أَنْ يُوجَدَ مِنْ الزَّوْجِ النِّكَاحُ أَوْ التَّسَرِّي فَكَمَا لَا يَصِحُّ وُقُوعُ الطَّلَاقِ قَبْلَهُ فَكَذَلِكَ الْأَمَةُ ; لِأَنَّ الشَّرْعَ إنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ وُجُودِ الْعِتْقِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لَهَا قَبْلَهُ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهَا رَضِىَ اللَّهَ عَنْهَا : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ بَرِيرَةَ كَانَ أَهْلُهَا وَهُمْ بَنُو هِلَالٍ كَاتَبُوهَا فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهَ عَنْهَا أَنْ تَشْتَرِيَهَا وَيَكُونَ وَلَاؤُهَا لَهَا وَأَرَادَ أَهْلُهَا أَنْ يَبِيعُوهَا وَيَسْتَثْنُوا وَلَاءَهَا فَجَوَّزَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَ وَأَبْطَلَ اشْتِرَاطَ البائعين الْوَلَاءَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ , وَإِنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ عِنْدَنَا عَلَى أُصُولٍ نُبَيِّنُهَا بَعْدُ فِي كِتَابِ الْكِتَابَةِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فَمِنْ ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ بَرِيرَةُ قَدْ عَجَزَتْ عَنْ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهَا مِنْ نُجُومِهَا وَصَارَتْ فِي حُكْمِ مَنْ عَادَ إِلَى الرِّقِّ فَلِذَلِكَ أَجَازَ بَيْعَهَا , وَوَجْهُ مَا أَمَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إبْطَالِ اشْتِرَاطِ الْوَلَاءِ أَنَّ الْوَلَاءَ لَيْسَ مِمَّا يَتَنَاوَلُهُ الْبَيْعُ , وَإِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَتَرَتَّبُ بِالْعِتْقِ , وَإِنَّمَا يَمْلِكُ الْمُشْتَرِي مَنَافِعَ الْعَبْدِ مَا دَامَ حَيًّا فِي رِقِّهِ وَهِيَ الَّتِي يَتَنَاوَلُهَا شِرَاؤُهُ وَمَنْ اشْتَرَطَ الْوَلَاءَ , فَإِنَّمَا اشْتَرَطَ مَعْنًى يَثْبُتُ بَعْدَ زَوَالِ الْمِلْكِ فَصَحَّ شِرَاؤُهُ وَلَمْ يُؤَثِّرْ اسْتِثْنَاؤُهُ فِي الْعَقْدِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَتَنَاوَلْ الِاسْتِثْنَاءَ مَا يَتَنَاوَلُهُ عَقْدُ الْبَيْعِ , وَإِنَّمَا تَنَاوَلَ مَعْنًى آخَرَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْمَبِيعِ , وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ نَكَحَ عَلَى أَنْ لَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا فَفِي الْمَوَّازِيَّةِ عَنْ أَصْبَغَ يُفْسَخُ , وَإِنْ دَخَلَ وَقَالَ مُحَمَّدٌ : لَيْسَ بِنِكَاحٍ لَا يَتَوَارَثُ فِي أَصْلِهِ فَيَكُونُ حَرَامًا , وَإِنَّمَا دَفَعَ الْمِيرَاثَ بِالشَّرْطِ فَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَسْقُطَ الشَّرْطُ وَيَثْبُتَ النِّكَاحُ وَبَلَغَنِي ذَلِكَ عَنْ مَالِكٍ وَالْمُغِيرَةِ. وَقَالَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ : إِنَّ الْوَلَاءَ اشْتَرَطَتْهُ عَائِشَةُ رَضِىَ اللَّهَ عَنْهَا لِنَفْسِهَا , وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ أَيْ اشْتَرِطِيهِ عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ اللَّامَ قَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى عَلَى , وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ غَيْرُ صَحِيحٍ مِنْ وُجُوهٍ : أَحَدُهَا أَنَّ اللَّامَ عَلَى أَصْلِهَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَعْدِلَ بِهَا عَنْ ذَلِكَ إِلَّا بِدَلِيلٍ , وَالثَّانِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَجَرَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَالُ رِجَالٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَشَرْطُهُ بَاطِلٌ كِتَابُ اللَّهِ أَحَقُّ , وَإِنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ , وَوَجْهٌ ثَالِثٌ مَا رَوَى هِشَامٌ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : مَا بَالُ رِجَالٍ مِنْكُمْ يَقُولُ أَحَدُهُمْ أَعْتِقْ يَا فُلَانُ , وَالْوَلَاءُ لِي إنَّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ وَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَرَادَتْ عَائِشَةُ أَنْ تَشْتَرِيَ جَارِيَةً لِتُعْتِقَهَا قَالَ أَهْلُهَا عَلَى أَنَّ وَلَاءَهَا لَنَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَمْنَعُك ذَلِكَ , فَإِنَّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ , وَهَذَا نَصٌّ فِي مَنْعِ ذَلِكَ التَّأْوِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهَا : وَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَالْبُرْمَةُ تَفُورُ بِلَحْمٍ تُرِيدُ مَمْلُوءَةً بِاللَّحْمِ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ مَرَقَةٍ حَتَّى صَارَتْ تَفُورُ بِالْغَلَيَانِ فَقُرِّبَ إِلَيْهِ خُبْزٌ وَإِدَامٌ مِنْ إدَامِ الْبَيْتِ يُرِيدُ مَا يَكُونُ مُدَّخَرًا فِي الْبُيُوتِ كَالسَّمْنِ , وَالْمِلْحِ وَلَا يَكَادُ يُعْدَمُ مِنْهَا وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَمْ أَرَ بُرْمَةً فِيهَا لَحْمٌ إنْكَارٌ لِتَقْدِيمِهِمْ إِلَيْهِ مَا دُونَ اللَّحْمِ مِنْ الْإِدَامِ مَعَ وُجُودِ اللَّحْمِ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُقَدَّمُ إِلَيْهِ إِلَّا أَفْضَلُ مَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ الْإِدَامِ , وَالطَّعَامِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَكْلَ الْإِنْسَانِ أَفْضَلَ مَا مَعَهُ مِنْ الْإِدَامِ لَيْسَ بِمُنَافٍ لِلْوَرَعِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحًا إنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ ; لِأَنَّ الْوَرَعَ إنَّمَا هُوَ فِي سَلَامَةِ الْمَكْسَبِ مِنْ الشُّبْهَةِ وَبَعْدَ ذَلِكَ , فَإِنَّ الْإِيثَارَ بِهِ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْبَرِّ كَمَا أَنَّ إنْفَاقَهُ عَلَى الْعِيَالِ , وَالتَّوَسُّعَةَ مِنْهُ عَلَيْهِمْ وَجْهٌ مِنْ وُجُوهِ الْبَرِّ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُمْ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ لَحْمٌ تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ , وَأَنْتَ لَا تَأْكُلُ الصَّدَقَةَ إخْبَارٌ لَهُ بِالْوَجْهِ الَّذِي مُنِعَ مِنْ تَقْدِيمِهِ إِلَيْهِ , وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ , وَهَذَا مِمَّا تُصَدِّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ , وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُمْتَنَعُ مِنْهُ لِفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْإِدَامِ , وَلَوْ عُهِدَ مِنْهُ تَرْكُهُ لِذَلِكَ كَمَا عُهِدَ مِنْهُ تَرْكُهُ أَكْلَ الصَّدَقَةِ لَجُووِبَ بِهِ وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ السَّرَفُ فِي الْمَطْعَمِ , وَالْخُرُوجُ بِهِ عَنْ الْعَادَةِ , وَمَا تُتَّخَذُ بِهِ الْمَطَاعِمُ الْمُسْتَطَابَةُ الْمُعْتَادَةُ وَتَجَاوَزَ ذَلِكَ إِلَى السَّرَفِ الْخَارِجِ عَنْ الْعَادَةِ وَجَمْعِ الْإِدَامِ , وَالْأَلْوَانِ عَلَى أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ مَعَ حَاجَةِ النَّاسِ وَضِيقِ مَعَاشِهِمْ وَلَا بَأْسَ بِجَمْعِ الْإِدَامِ فِي النَّادِرِ لِضَيْفٍ أَوْ وَلِيمَةٍ أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ أَوْ احْتِفَالٍ فِي عِيدٍ أَوْ اجْتِمَاعٍ , وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي بَابِ الْوَرَعِ الْخُرُوجُ إِلَى حَدِّ السَّرَفِ بِكَثْرَةِ الْأَلْوَانِ , وَالْخُرُوجِ بِهَا عَنْ الْوُجُوهِ الْمُعْتَادَةِ مِنْ وَضْعِ الطِّيبِ فِيهَا بِكَثِيرِ الْأَثْمَانِ , وَأَقْبَحُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ عِنْدَ نُزُولِ الْحَاجَةِ بِالنَّاسِ وَضِيقِ مَعَاشِهِمْ وَضَرُورَتِهِمْ إِلَى الْمُوَاسَاةِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ , وَهُوَ لَنَا هَدِيَّةٌ يُرِيدُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَا يَأْكُلُ صَدَقَةً أَخْرَجَهَا مُتَصَدِّقُهَا فَجَعَلَهُ صلى الله عليه وسلم مَحَلًّا لِقَبُولِهَا أَوْ كَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّنْ يَأْكُلُهَا قَبْلَ أَنْ تَكْمُلَ الصَّدَقَةُ فِيهَا بِبُلُوغِهَا مَحَلَّهَا , فَإِذَا بَلَغَتْ مَحَلَّهَا وَصَارَتْ بِيَدِ مَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ جَازَ أَنْ يُهْدِيَهَا إِلَيْهِ مَنْ قَبَضَهَا وَتَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ أَوْ يَبِيعَهَا مِنْهُ أَوْ يُصَيِّرَهَا إِلَيْهِ بِغَيْرِ وَجْهِ الصَّدَقَةِ , وَلَوْ كَانَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ مَرَّةً ثَبَتَ لَهُ حُكْمُ الصَّدَقَةِ أَبَدًا لَمَا جَازَ لِلْفَقِيرِ إِذَا تَصَدَّقَ عَلَيْهِ بِشَيْءٍ أَنْ يَبِيعَهُ مِنْ غَنِيٍّ بَلْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ عَنْ حُكْمِ الصَّدَقَةِ إِلَى حُكْمِ الْبَيْعِ , وَالْهِبَةِ , وَالْمِيرَاثِ فَيَرِثُهَا الْغَنِيُّ عَنْ مُوَرِّثِهِ الْفَقِيرِ وَتَصِيرُ إِلَيْهِ عَنْهُ بِالْهِبَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّمْلِيكِ وَلَا يَكُونُ لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حُكْمُ الصَّدَقَةِ , وَإِنَّمَا لَهُ حُكْمُ الْوَجْهِ الَّذِي نُقِلَ آخِرًا وَبِاَللَّهِ تَعَالَى التَّوْفِيقُ.



