المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1040)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1040)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ قَالَ وَكَانَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ وَهُوَ مَرِيضٌ فَوَرَّثَهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ مِنْهُ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا
( ش ) : قَوْلُهُ : إِنَّ طَلْحَةَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْفٍ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِذَلِكَ يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ أَعْلَمَهُمْ بِحُكْمِ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَمَا جَرَى فِيهَا لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ صِفَةِ الطَّلَاقِ وُلِعُثْمَانِ بْنِ عَفَّانَ مِنْ الْحُكْمِ مِنْ سَائِرِ الرُّوَاةِ لِذَلِكَ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ : إِنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتَّةَ , وَهُوَ مَرِيضٌ يُرِيدُ أَنَّ طَلَاقَهُ إيَّاهَا كَانَ الْبَتَّةَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ يَرَى إبَاحَةَ ذَلِكَ , أَوْ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا وَاحِدَةً فِي آخِرِ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَكَانَتْ تِلْكَ الطَّلْقَةُ بَتَّةً ; لِأَنَّهَا بِهَا تَبِينُ عَنْهُ , وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِى اللَّهُ عَنْهُ وَرَّثَهَا مِنْهُ وَفِي ذَلِكَ بَابَانِ : أَحَدُهُمَا فِي صِفَةِ الْمَرِيضِ وَمَا يَلْحَقُ بِهِ مِنْ الْمَعَانِي الَّتِي تَجْرِي مَجْرَاهُ فِي بَقَاءِ حُكْمِ الْمِيرَاثِ , وَالْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ. ( الْبَابُ الْأَوَّلُ فِي صِفَةِ الْمَرَضِ الَّذِي بِهِ يَبْقَى حُكْمُ مِيرَاثِ الْمُطَلَّقَةِ ) قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : إِنَّ كُلَّ مَرَضٍ يُقْعِدُ صَاحِبَهُ عَنْ الدُّخُولِ , وَالْخُرُوجِ , وَإِنْ كَانَ جُذَامًا أَوْ بَرَصًا , أَوْ فَالِجًا , فَإِنَّهُ يُحْجَبُ فِيهِ عَنْ مَالِهِ , وَإِنْ طَلَّقَ فِيهِ زَوْجَتَهُ وَرِثَتْهُ وَلَيْسَ لِلْقُوَّةِ , وَالرِّيحِ , وَالرَّمَدِ وَكَذَلِكَ إِذَا صَحَّ الْبَدَنُ وَكَذَلِكَ مَا كَانَ مِنْ الْفَالِجِ , وَالْبَرَصِ , وَالْجُذَامِ يَصِحُّ مَعَهُ بَدَنُهُ وَيَتَصَرَّفُ فَهُوَ كَالصَّحِيحِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ فِي الزَّاحِفِ فِي الصَّفِّ أَنَّهُ كَالْمَرِيضِ فِي الطَّلَاقِ وَغَيْرِهِ فَأَمَّا مَا نَالَتْهُ شِدَّةٌ فِي الْبَحْرِ فَلَمْ يَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كَالْمَرِيضِ وَأَرَاهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَشْهَبُ : هُوَ كَالْمَرِيضِ. وَجْهُ الْقَوْلِ أَنَّ الْمَخَافَةَ مِنْ شِدَّةِ الْبَحْرِ لَمْ تَتَعَيَّنْ وَلَا وُجِدَ سَبَبُ الْعَطَبِ ; لِأَنَّ الْعَطَبَ إنَّمَا يَكُونُ بِانْكِسَارِ الْمَرْكَبِ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الزَّاحِفِ فِي الْقِتَالِ , فَإِنَّمَا هُوَ الْبَحْرُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْمَخَافَةِ فِي مَوْضِعٍ مَخُوفٍ وَلَمْ يُرَ بَعْدُ , وَالْوُقُوفُ فِي الْمُعَسْكَرِ مَعَ مُعَايَنَةِ الْعَدُوِّ دُونَ مُبَاشَرَةِ حَرْبٍ وَلَا يَقْرَبُ مِنْهُ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّهُ فِي حَالَةِ مَخَافَةٍ عَلَى نَفْسِهِ يَتَكَرَّرُ مِنْهَا الْهَلَاكُ فَلَمْ تَمْنَعْ صِحَّةُ جِسْمِهِ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الْمَرِيضِ فِي مَالِهِ كَالزَّاحِفِ. ( الْبَابُ الثَّانِي فِي حُكْمِ طَلَاقِ الْمَرِيضِ ) مَنْ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فِي مَرَضِهِ وَرِثَتْهُ , وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ عِدَّتِهَا وَبَعْدَ أَنْ تَزَوَّجَتْ غَيْرَهُ إِذَا اتَّصَلَ مَرَضُهُ إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ : إِنَّ الْمَبْتُوتَةَ فِي الْمَرَضِ لَا تَرِثُ. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْقَاضِيَ أَبَا مُحَمَّدٍ قَالَ : إنَّهُ إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَلِأَنَّ ذَلِكَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمْ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ إِلَّا مَا يُرْوَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَسَنَذْكُرُهُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهَا فُرْقَةٌ فِي حَالِ مَنْعِ تَصَرُّفِهِ فِيهَا مِنْ غَيْرِ الثُّلُثِ فَلَمْ يَقْطَعْ مِيرَاثَ الزَّوْجَةِ كَالْمَوْتِ وَلِأَنَّ لِلتُّهْمَةِ تَأْثِيرًا فِي الْمِيرَاثِ بِدَلِيلِ مَنْعِ الْقَاتِلِ الْمِيرَاثَ. ( مَسْأَلَةٌ ) , فَإِنْ طَلَّقَهَا بِنُشُوزٍ مِنْهَا أَوْ لِعَانٍ , أَوْ خُلْعٍ , فَإِنَّ حُكْمَ الْمِيرَاثِ بَاقٍ لَهَا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ; لِأَنَّ عُثْمَانَ وَرَّثَ امْرَأَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ , وَقَدْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الْإِذْنَ لَا يَسْقُطُ فِي مِيرَاثِ الْوَارِثِ كَمَا لَوْ أَذِنَ الِابْنُ لِأَبِيهِ فِي إخْرَاجِهِ مِنْ الْمِيرَاثِ , فَإِنْ ارْتَدَّ فِي مَرَضِهِ ثُمَّ رَاجَعَ الْإِسْلَامَ فَمَاتَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ لَمْ تَرِثْهُ ; لِأَنَّ بِارْتِدَادِهِ انْفَسَخَ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا , وَرُجُوعُهُ إِلَى الْإِسْلَامِ لَيْسَ بِرَجْعَةٍ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَلَوْ أَقَرَّ فِي مَرَضِهِ أَنَّهُ طَلَّقَ الْبَتَّةَ فِي صِحَّتِهِ لَمْ يُصَدَّقْ وَوَرِثَتْهُ امْرَأَتُهُ إِذَا أَنْكَرَتْ ذَلِكَ , وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّهُ يَدَّعِي مَا يُسْقِطُ مِيرَاثَهَا وَلَا يُقْبَلُ ذَلِكَ مِنْهُ فِي حَالَةٍ لَيْسَ لَهُ إخْرَاجُهَا مِنْ جُمْلَةِ الْوَرَثَةِ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَلَوْ مَاتَ فَشَهِدَ الشُّهُودُ أَنَّ الزَّوْجَ كَانَ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ فِي صِحَّةٍ فَقَدْ جَعَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كَالْمُطَلِّقِ فِي الْمَرَضِ ; لِأَنَّ الطَّلَاقَ إنَّمَا يَقَعُ يَوْمَ الْحُكْمِ , وَلَوْ وَقَعَ يَوْمَ الْقَوْلِ لَكَانَ فِيهِ هَذَا الْحَدُّ إِذَا أَنْكَرَ الطَّلَاقَ وَأَقَرَّ بِالْوَطْءِ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَمَنْ طَلَّقَ فِي صِحَّتِهِ طَلْقَةً ثُمَّ مَرِضَ فَأَرْدَفَهَا فِي صِحَّتِهِ ثَانِيَةً ثُمَّ مَاتَ فَلَهَا الْمِيرَاثُ فِي الْعِدَّةِ ; لِأَنَّهَا تَبْنِي عَلَى عِدَّتِهَا مِنْ الطَّلَاقِ الْأَوَّلِ , وَلَوْ ارْتَجَعَ مِنْ الْأَوَّلِ انْفَسَخَتْ الْعِدَّةُ ثُمَّ إِنْ طَلَّقَهَا بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَرَضِ كَانَ لِهَذَا الطَّلَاقِ حُكْمُهُ فَوَرِثَتْهُ , وَإِنْ مَاتَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ قَالَ مَعْنَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَلَوْ طَلَّقَ زَوْجَةً نَصْرَانِيَّةً , أَوْ أَمَةً فِي مَرَضِهِ ثُمَّ أَسْلَمَتْ النَّصْرَانِيَّةُ وَأُعْتِقَتْ الْأَمَةُ بَعْدَ الْعِدَّةِ وَمَاتَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ مَرَضِهِ ذَلِكَ وَرِثَتَاهُ رَوَاهُ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَقَالَ سَحْنُونٌ لَا تَرِثَانِهِ وَلَا يُتَّهَمُ فِي ذَلِكَ وَكَذَلِكَ لَوْ طَلَّقَهَا الْبَتَّةَ إِلَّا أَنْ يُطَلِّقَ وَاحِدَةً وَتَمُوتَ فِي الْعِدَّةِ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ هَذِهِ وَعَتَقَتْ هَذِهِ فَتَرِثَانِهِ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ مَاتَ وَحُرْمَتُهُمَا وَاحِدَةٌ بَعْدَ أَنْ طَلَّقَ فِي الْمَرَضِ فَثَبَتَ الْمِيرَاثُ لِلْمَرْأَةِ كَمَا لَوْ كَانَتْ مُسْلِمَةً حِينَ الطَّلَاقِ , وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ مَا احْتَجَّ بِهِ ; لِأَنَّهَا لَمْ تَكُنْ وَارِثَةً حِينَ طَلَّقَهَا فَلَمْ يَقْتَضِ بُطْلَانُهُ إيَّاهَا إخْرَاجَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ. ( مَسْأَلَةٌ ) مَنْ حَلَفَ لَيَقْضِيَنَّ فُلَانًا حَقَّهُ فَمَرِضَ الْحَالِفُ ثُمَّ حَنِثَ فِي مَرَضِهِ وَمَاتَ مِنْهُ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا تَرِثُهُ وَقَالَ الْمُغِيرَةُ : إِنْ كَانَ بَيِّنَ الْمِلْكَ فَلَمْ يَقْضِهِ فَامْرَأَتُهُ تَرِثُهُ كَالْمُطَلِّقِ فِي الْمَرَضِ , وَإِنْ كَانَ عَدِيمًا فَطَرَأَ لَهُ مَالٌ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ حَتَّى مَاتَ فَقَدْ حَنِثَ وَلَا تَرِثُهُ وَقَالَ سَحْنُونٌ عَنْ أَبِيهِ : لَا أَعْرِفُ هَذَا وَلَا أَرَاهُ وَقَالَ أَصْحَابُنَا : إنَّهَا تَرِثُهُ بِكُلِّ حَالٍ ; لِأَنَّهُ طَلَاقٌ وَقَعَ فِي الْمَرَضِ ; وَجْهُ قَوْلِ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ عَلِمَ بِهِ فَلَمْ يَقْصِدْ طَلَاقَهَا وَلَا إخْرَاجَهَا مِنْ الْمِيرَاثِ فَلِذَلِكَ لَمْ تَرِثْهُ , وَوَجْهُ مَا قَالَ سَحْنُونٌ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ مُرَاعَاةِ وَقْتِ الطَّلَاقِ لَا وَقْتِ إيقَاعِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( مَسْأَلَةٌ ) , وَلَوْ كَانَ الْحِنْثُ مِنْ سَبَبِهَا مِثْلُ أَنْ يَحْلِفَ , وَهُوَ صَحِيحٌ بِطَلَاقِهَا إِنْ دَخَلَتْ الدَّارَ فَدَخَلَتْهَا وَهُوَ مَرِيضٌ قَاصِدَةً إِلَى طَلَاقِهِ فَهِيَ طَالِقٌ وَلَا مِيرَاثَ لَهَا رَوَاهُ زِيَادُ بْنُ جَعْفَرٍ عَنْ مَالِكٍ , وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا تَرِثُهُ ; وَجْهُ الْقَوْلَيْنِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ.



