المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1096)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1096)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ نَافِعٍ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا أَخْبَرَتْهُ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الثَّلَاثَةِ قَالَتْ زَيْنَبُ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ حَبِيبَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ تُوُفِّيَ أَبُوهَا أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ فَدَعَتْ أُمُّ حَبِيبَةَ بِطِيبٍ فِيهِ صُفْرَةٌ خَلُوقٌ أَوْ غَيْرُهُ فَدَهَنَتْ بِهِ جَارِيَةً ثُمَّ مَسَحَتْ بِعَارِضَيْهَا ثُمَّ قَالَتْ وَاللَّهِ مَا لِي بِالطِّيبِ مِنْ حَاجَةٍ غَيْرَ أَنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيْتٍ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا
( ش ) : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ يَخْتَصُّ بِالْمُؤْمِنَاتِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ وَالْوَعِيدِ لِمَنْ خَالَفَهُ بِمَعْنَى أَنَّ هَذَا لَا يَتْرُكُهُ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ , وَهَذَا كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلِيُكْرِمْ ضَيْفَهُ , وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي تَعَلُّقِ حُكْمِ الْإِحْدَادِ بِالْكِتَابِيَّةِ يُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا الْمُسْلِمُ فَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ لَا إحْدَادَ عَلَيْهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ , وَرَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ أَنَّ عَلَيْهَا الْإِحْدَادَ كَالْمُسْلِمَةِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ. وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْإِحْدَادَ عِبَادَةٌ وَالْكِتَابِيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ , وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الْعِدَّةِ فَلَزِمَتْ الْكِتَابِيَّةَ لِلْمُسْلِمِ كَلُزُومِ الْمَسْكَنِ وَالْعِدَّةِ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَمَنْ تَزَوَّجَ امْرَأَةً فَمَاتَ بَعْدَ بِنَائِهِ فَتَبَيَّنَ أَنَّ نِكَاحَهُمَا فَاسِدٌ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ لَا إحْدَادَ عَلَيْهَا وَلَا عِدَّةَ وَتَسْتَبْرِئُ بِثَلَاثِ حَيْضٍ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهَا لَيْسَتْ بِمُعْتَدَّةٍ مِنْ وَفَاةٍ فَلَمْ يَلْزَمْهَا إحْدَادٌ كَالْمُطَلَّقَةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ , وَهَذَا عِنْدِي فِي الَّتِي يُفْسَخُ نِكَاحُهَا وَلَمْ يَثْبُتْ بَيْنَهُمَا شَيْءٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ مِنْ تَوَارُثٍ وَلَا غَيْرِهِ , وَأَمَّا الَّتِي يَثْبُتُ بَيْنَهُمَا أَحْكَامُ التَّوَارُثِ فَإِنَّهَا تَعْتَدُّ عِدَّةَ الْوَفَاةِ وَيَلْزَمُهَا الْإِحْدَادُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ الْإِحْدَادُ تَرْكُ الزِّينَةِ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَالْحُلِيِّ وَالْكُحْلِ يُقَالُ حَدَّتْ الْمَرْأَةُ فَهِيَ حَادٌّ وَأَحَدَّتْ فَهِيَ مُحِدَّةٌ قَالَ أَبُو زَيْدٍ وَلَمْ يَعْرِفْ الْأَصْمَعِيُّ حَدَّتْ فَأَعْلَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مُحَرَّمٌ عَلَى النِّسَاءِ أَنْ تَسْتَدِيمَ إحْدَاهُنَّ الْإِحْدَادَ عَلَى الْمَيِّتِ فَوْقَ ثَلَاثٍ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الثَّلَاثِ لِكَوْنِهَا فِي جُمْلَةِ مَا يَقْصُرُ مِنْ الْمُدَدِ الَّتِي رُبَّمَا تَرَكَ الزِّينَةَ إلَيْهَا مَنْ لَا يَقْصِدُ ذَلِكَ وَرُبَّمَا شَقَّ فِي هَذِهِ الْمُدَّةِ التَّطَيُّبُ وَالْخُرُوجُ عَنْ حُكْمِ الْإِحْدَادِ مَعَ فَجْأَةِ أَوَّلِ أَمْرِ الْحُزْنِ وَالْمُصِيبَةِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا , وَهَذَا عَلَى مَعْنَى الْإِيجَابِ لَا عَلَى مَعْنَى الْإِبَاحَةِ فَاسْتَثْنَى مِنْ التَّحْرِيمِ الْإِيجَابَ , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ لَفْظَةَ افْعَلْ بَعْدَ الْحَظْرِ عَلَى بَابِهَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ إنَّهَا تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَسَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً أَوْ أَمَةً صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا إحْدَادَ عَلَى أَمَةٍ وَلَا صَغِيرَةٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحِلُّ لِامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلَاثٍ إِلَّا عَلَى زَوْجٍ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا , وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ عَلَى الْوُجُوبِ فَوَجَبَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى عُمُومِهِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ كُلَّ مَنْ لَزِمَهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ عَلَى زَوْجٍ لَزِمَهَا الْإِحْدَادُ كَالْحُرَّةِ الْكَبِيرَةِ. ( فَرْعٌ ) إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِمَوَالِي الْأَمَةِ مَنْعُهَا مِنْ الْإِحْدَادِ وَالْمَبِيتِ فِي مَوْضِعِ عِدَّتِهَا وَتَخْرُجُ بِالنَّهَارِ فِي حَوَائِجِهِمْ وَإِنْ أَرَادُوا بَيْعَهَا لَمْ يُلْبِسُوهَا وَلَا يَصْنَعُوا بِهَا مَا لَا يَجُوزُ لِلْحَادِّ قَالَهُ مَالِكٌ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَنْعُهَا مِنْهُ كَمِلْكِ الزَّوْجِ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ هَذَا الْحُكْمِ بِالْوَفَاةِ , وَأَمَّا حُكْمُ الْمُطَلَّقَةِ فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْحَدِيثِ , وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ لَا إحْدَادَ عَلَى مُطَلَّقَةٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ , وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَيْهَا الْإِحْدَادُ وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ هَذِهِ مُطَلَّقَةٌ فَلَا إحْدَادَ عَلَيْهَا كَالرَّجْعِيَّةِ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ الْمُتَوَفَّى فَارَقَ زَوْجَتَهُ وَهُوَ عَلَى نِهَايَةِ الْإِشْفَاقِ عَلَيْهَا وَالرَّغْبَةِ فِيهَا وَلَمْ تَكُنْ الْمُفَارَقَةُ مِنْ قِبَلِهِ فَلَزِمَهَا لِذَلِكَ الْإِحْدَادُ وَإِظْهَارُ الْحُزْنِ وَالْمُطَلَّقَةُ فَارَقَهَا مُخْتَارًا لِفِرَاقِهَا مُقَابِحًا لَهَا فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا حُكْمُ الْإِحْدَادِ كَالْمُلَاعَنَةِ.



