المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1098)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1098)]
قَالَتْ زَيْنَبُ وَسَمِعْتُ أُمِّي أُمَّ سَلَمَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقُولُ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ ابْنَتِي تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتَكْحُلُهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا ثُمَّ قَالَ إِنَّمَا هِيَ { أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا } وَقَدْ كَانَتْ إِحْدَاكُنَّ فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ قَالَ حُمَيْدُ بْنُ نَافِعٍ فَقُلْتُ لِزَيْنَبَ وَمَا تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ فَقَالَتْ زَيْنَبُ كَانَتْ الْمَرْأَةُ إِذَا تُوُفِّيَ عَنْهَا زَوْجُهَا دَخَلَتْ حِفْشًا وَلَبِسَتْ شَرَّ ثِيَابِهَا وَلَمْ تَمَسَّ طِيبًا وَلَا شَيْئًا حَتَّى تَمُرَّ بِهَا سَنَةٌ ثُمَّ تُؤْتَى بِدَابَّةٍ حِمَارٍ أَوْ شَاةٍ أَوْ طَيْرٍ فَتَفْتَضُّ بِهِ فَقَلَّمَا تَفْتَضُّ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ ثُمَّ تَخْرُجُ فَتُعْطَى بَعْرَةً فَتَرْمِي بِهَا ثُمَّ تُرَاجِعُ بَعْدُ مَا شَاءَتْ مِنْ طِيبٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَ مَالِك وَالْحِفْشُ الْبَيْتُ الرَّدِيءُ وَتَفْتَضُّ تَمْسَحُ بِهِ جِلْدَهَا كَالنُّشْرَةِ
( فَصْلٌ ) وَقَوْلُ الْمَرْأَةِ إِنَّ ابْنَتِي اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا أَفَتَكْحَلُهُمَا يَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ أَنَّهَا اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا , وَقَدْ بَرِئَتْ أَفَتَتَمَادَى عَلَى الِاكْتِحَالِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا وَهِيَ الْآنَ عَلَى ذَلِكَ إِلَّا أَنَّهَا اسْتَأْذَنَتْ فِي كُحْلٍ زِينَةً وَلَمْ تَسْتَأْذِنْ فِيمَا تُدَاوِي بِهِ الْعَيْنَ مِمَّا لَا زِينَةَ فِيهِ مِمَّا يُجْعَلُ خَارِجَ الْعَيْنِ أَوْ يُقَطَّرُ فِيهِ فَلَا تَكُونُ فِيهِ زِينَةٌ فَمَنَعَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ لَمَّا رَأَى أَنَّهَا سَالِمَةٌ عَمَّا لَا ضَرُورَةَ بِهَا إِلَيْهِ , وَوَجَدْتُ لِمَالِكٍ - وَلَمْ أَتَحَقَّقْهُ - أَنَّهُ قَالَ لَا تَكْتَحِلُ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا بِالْإِثْمِدِ وَلَا بِشَيْءٍ فِيهِ سَوَادٌ وَلَا بِصُفْرَةٍ أَوْ شَيْءٍ يُغَيِّرُ الْأَلْوَانَ وَلَا تَكْتَحِلُ بِإِثْمِدٍ فِيهِ طِيبٌ وَلَا مِسْكٌ وَإِنْ اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا. وَإِنْ صَحَّتْ عَنْهُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَمَعْنَاهَا أَنْ لَا تَدْعُوَ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ فَقَدْ أَشَارَ فِي الْحَدِيثِ إِلَى أَنَّهَا تَكْتَحِلُ بِمَا فِيهِ صَبْرٌ إِذَا دَعَتْ إِلَى ذَلِكَ ضَرُورَةٌ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ مَذْهَبِهِ , وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ فَهِمَ مِنْهُ خِفَّةَ الْمَرَضِ وَيَسَارَةَ الصَّبْرِ عَلَيْهِ , وَأَنَّهُ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَتَوَقُّفُهُ مِنْ غَيْرِ كُحْلٍ , وَلِذَلِكَ قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ لِامْرَأَةٍ حَادٍّ عَلَى زَوْجِهَا اشْتَكَتْ عَيْنَيْهَا اكْتَحِلِي بِكُحْلِ الْجَلَاءِ بِاللَّيْلِ وَامْسَحِيهِ بِالنَّهَارِ , وَقَالَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ إِذَا خَشِيَتْ عَلَى بَصَرِهَا مِنْ رَمَدٍ بِهَا أَوْ شَكْوَى أَصَابَتْهَا أَنَّهَا تَكْتَحِلُ وَتَتَدَاوَى بِدَوَاءٍ أَوْ بِكُحْلٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ , وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إِنْ اكْتَحَلَتْ مِنْ عِلَّةٍ وَضَرُورَةٍ بِالصَّبْرِ بِاللَّيْلِ فَلْتَمْسَحْهُ بِالنَّهَارِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ طِيبٌ عِنْدَ الضَّرُورَةِ فَدِينُ اللَّهِ يُسْرٌ , وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ الصَّغِيرِ لَا تَكْتَحِلُ الْحَادُّ إِلَّا أَنْ تُضْطَرَّ فَتَكْتَحِلَ بِاللَّيْلِ وَتَمْسَحُهُ بِالنَّهَارِ مِنْ غَيْرِ طِيبٍ يَكُونُ فِيهِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَذَا أَنَّهَا لَمْ تُضْطَرَّ إِلَى الطِّيبِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ بِمُدَّةِ الْإِحْدَادِ الْوَاجِبِ عَلَى زَوْجَةِ الْمُتَوَفَّى , وَذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرٌ , فَإِنْ ارْتَابَتْ هَذِهِ الْمُعْتَدَّةُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِحْدَادَ عَلَيْهَا حَتَّى تَنْقَضِيَ الرِّيبَةُ وَإِنْ بَلَغَتْ خَمْسَ سِنِينَ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَقَدْ كَانَتْ إحْدَاكُنَّ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ رَوَى ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى بْنِ وَهْبٍ أَنَّهَا كَانَتْ تُؤْتَى بِبَعْرَةٍ مِنْ بَعْرِ الْغَنَمِ فَتَرْمِي بِهَا مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِهَا وَرُوِيَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْمِي بِالْبَعْرَةِ أَمَامَهَا وَلَيْسَ وَرَاءَ ظَهْرِهَا كَمَا قَالَ بَعْضُ النَّاسِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ فَذَلِكَ أَجَلُهَا , وَقَدْ رَأَيْت لِغَيْرِهِ أَنَّهَا كَانَتْ تَتَأَوَّلُ فِي ذَلِكَ أَنَّ صَبْرَهَا مُدَّةَ الْحَوْلِ عَلَى مَا كَانَتْ فِيهِ أَهْوَنَ عَلَيْهَا مِنْ الرَّمْيِ بِهَذِهِ الْبَعْرَةِ , وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ قَوْلُهُ تَعالَى وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إخْرَاجٍ نَزَلَ فِي ذَلِكَ , ثُمَّ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَاَلَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا تَقْدِيرُهُ عَلَى مَا قَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ يَتَرَبَّصْنَ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا. ( فَصْلٌ ) وَمَا ذَكَرَتْهُ زَيْنَبُ مِنْ حُكْمِ الْحَوْلِ مِنْ أَنَّهَا كَانَتْ تَسْكُنُ الْحَفْشَ وَتَلْبَسُ شَرَّ ثِيَابِهَا هُوَ مَعْنَى الْإِحْدَادِ فَذَكَّرَهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فِي مُدَّةِ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَعَشْرٍ لَيْسَ مِمَّا كُنَّ يَلْتَزِمْنَهُ فِي حَوْلٍ كَامِلٍ نَبَّهَهُنَّ عَلَى ذَلِكَ تَرْغِيبًا لَهُنَّ فِي الْتِزَامِ مَا أَمَرَهُنَّ اللَّهُ بِهِ وَخَفَّفَ عَنْهُنَّ فِيهِ مِنْ الْإِحْدَادِ وَلَا يَتَسَرَّعْنَ إِلَى الْمَمْنُوعِ مِنْهُ بِغَيْرِ عُذْرٍ فَوَجَبَ وَلَا يَسْتَثْقِلْنَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ عَلَيْهِنَّ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُ مَالِكٍ الْحَفْشُ الْبَيْتُ الرَّدِيءُ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ الْحَفْشُ الْبَيْتُ الصَّغِيرُ , وَكَذَلِكَ قَالَ الْخَلِيلُ , وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْحَفْشُ الدَّرَجُ وَجَمْعُهُ أَحْفَاشٌ وَلَعَلَّهُ شَبَّهَ الْبَيْتَ الصَّغِيرَ بِهِ وَسَمَّاهُ بِاسْمِهِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ فَتَفْتَضُّ بِهِ قَالَ مَالِكٌ مَعْنَاهُ تَتَمَسَّحُ بِهِ كَالنَّشْرَةِ , وَقَالَ ابْنُ زَيْدٍ عَنْ عِيسَى عَنْ ابْنِ وَهْبٍ تَفْتَضُّ تَمْسَحُ بِيَدِهَا عَلَيْهِ أَوْ عَلَى ظَهْرِهِ , وَقَدْ قِيلَ إِنَّ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا تُنَظِّفُ بِهِ حَتَّى يَصِيرَ كَالْفِضَّةِ وَيَبْعُدُ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَيَوَانِ ; لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى بِهِ هَذَا , وَإِنَّمَا يَتَأَتَّى بِهِ مَا وَصَفَهُ مَالِكٌ رَحَمِهُ اللَّهُ أَوْ مَا قَالَهُ ابْنُ وَهْبٍ , وَقَدْ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ عَنْ عِيسَى إِنَّ مَعْنَى تَفْتَضُّ بِهِ تَتَمَسَّحُ بِهِ لَعَلَّهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ تُقِيمُ حَوْلًا لَا تَغْتَسِلُ وَلَا تَمَسُّ طِيبًا فَيَكْثُرُ عَلَيْهَا الْوَسَخُ وَتَشْتَدُّ رَائِحَةُ الْعَرَقِ فَقَلَّمَا تَتَمَسَّحُ بِشَيْءٍ إِلَّا مَاتَ , وَرَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ نَافِعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْأَعْشَى مِثْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.



