المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1139)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1139)]
و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّ زَيْدًا أَبَا عَيَّاشٍ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ سَأَلَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ الْبَيْضَاءِ بِالسُّلْتِ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ قَالَ الْبَيْضَاءُ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ سَعْدٌ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ عَنْ اشْتِرَاءِ التَّمْرِ بِالرُّطَبِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا يَبِسَ فَقَالُوا نَعَمْ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ
( ش ) : الْبَيْضَاءُ هِيَ الْمَحْمُولَةُ وَهِيَ نَوْعٌ مِنْ الْحِنْطَةِ يَكُونُ بِمِصْرَ وَالسَّمْرَاءُ نَوْعٌ آخَرُ يَكُونُ بِالشَّامِّ وَهِيَ أَفْضَلُ جَوْدَةً مِنْ الْمَحْمُولَةِ فَسُؤَالُ سَعْدٍ أَيَّتُهُمَا أَفْضَلُ فِي السُّلْتِ بِالْمَحْمُولَةِ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَفْضَلَ فِي الصِّفَةِ أَوْ الْقَدْرِ وَفِي الْمَدَنِيَّةِ سَأَلْته عَنْ كَرَاهِيَةِ سَعْدٍ الْبَيْضَاءَ بِالسُّلْتِ هَلْ عَلَيْهِ الْعَمَلُ فَقَالَ مَضَتْ السُّنَّةُ أَنْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ يَدًا بِيَدٍ وَمِثْلًا بِمِثْلٍ فَإِنْ كَانَ الْمَسْئُولُ قَدْ جَاوَبَ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ خَاصَّةً فَقَدْ حُمِلَ ذَلِكَ عَلَى التَّفَاضُلِ فِي الصِّفَةِ وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّهُ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَفْضَلَ فِي الْقَدْرِ يَعْنِي بِذَلِكَ أَكْثَرَ كَيْلًا وَفِي هَذَا أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى سَعْدٍ وَلَا غَيْرِهِ أَنَّ الْحِنْطَةَ أَفْضَلُ عَيْنًا مِنْ السُّلْتِ وَالثَّانِي أَنَّهُ اسْتَدَلَّ سَعْدٌ عَلَى مَا نَهَاهُ عَنْهُ بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لِأَجْلِ التَّفَاضُلِ وَلَوْ مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ لِجَوْدَةِ الْعَيْنِ لَمَا صَحَّ اسْتِدْلَالُهُ بِذَلِكَ وَنَهْيُ سَعْدٍ عَنْ التَّفَاضُلِ فِي السُّلْتِ بِالْبَيْضَاءِ يَقْتَضِي أَنَّهُمَا عِنْدَهُ جِنْسٌ وَاحِدٌ وَلِذَلِكَ أُخِذَ حُكْمُهُمَا مِنْ مَنْعِ التَّفَاضُلِ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ السُّلْتَ وَالْحِنْطَةَ وَالشَّعِيرَ جِنْسٌ وَاحِدٌ فِي الزَّكَاةِ وَفِي مَنْعِ التَّفَاضُلِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ بَعْدَ هَذَا إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَأَخَذَ سَعْدٌ حُكْمَ السُّلْتِ بِالْبَيْضَاءِ مِنْ حُكْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ دَلِيلٌ عَلَى قَوْلِهِ بِالْقِيَاسِ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ أَصْحَابِهِ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ يَحْفَظُ عَنْهُ قِصَّةً أَوْ دَعْوَى أَوْ قَضِيَّةً إِلَّا وَجَمِيعُهَا أَوْ مُعْظَمُهَا الْقِيَاسُ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الرُّطَبِ أَيَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ تَعْلِيمٌ لِلْقِيَاسِ وَتَنْبِيهٍ عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ لَا يَخْفَى عَلَى أَحَدٍ أَنَّ الرُّطَبَ يَنْقُصُ إِذَا يَبِسَ وَلَكِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَهُمْ بِذَلِكَ عَلَى عِلَّةِ التَّحْرِيمِ وَهُوَ التَّفَاضُلُ فِي هَذَا الْجِنْسِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ وَأَنَّ رُطَبَهُ كَانَ فِيهِ غَرَضٌ لَا يَكُونُ فِي يَابِسِهِ فَإِنَّهُ لَا يَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ جِنْسِهِ وَلَا يَجُوزُ التَّفَاضُلُ بَيْنَهُمَا لِمَا يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا مِنْ الِاسْمِ أَوْ بَعْضِ الْأَغْرَاضِ إِذَا اتَّفَقَا فِي مُعْظَمِهَا وَرَأَيْت فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ أَبِي مَصْعَبٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ حَوْلَهُ أَيَنْقُصُ الرُّطَبُ إِذَا جَفَّ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ جَمِيعِهِمْ وَتَقْرِيرَهُمْ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْمَنْعِ مَوْجُودَةٌ مُسَلَّمَةٌ بِاتِّفَاقٍ وَلَمَّا قَالُوا نَعَمْ نَهَى عَنْ بَيْعِ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ مَنْعَ التَّفَاضُلِ فِيهِ وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ نُقْصَانُهُ وَاقْتَضَاهُ بِمَنْعِ التَّسَاوِي فِيهِ وَلِذَلِكَ اُعْتُبِرَ النُّقْصَانُ بِالْجُفُوفِ أَيْضًا وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَجُوزُ بَيْعُ الرُّطَبِ بِالتَّمْرِ مُتَسَاوِيًا وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ سَالِمٍ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا تَبِيعُوا التَّمْرَ حَتَّى يَبْدُوَ صَلَاحُهُ وَقَالَ لَا تَبِيعُوا التَّمْرَ بِالتَّمْرِ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّذِي يَأْتِي بَعْدَ هَذَا مِنْ الْأَصْلِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْمُزَابَنَةِ وَالْمُزَابَنَةُ : بَيْعُ التَّمْرِ بِالتَّمْرِ كَيْلًا وَبَيْعُ الْكَرْمِ بِالزَّبِيبِ كَيْلًا وَهَذَا عَامٌّ فَيُحْمَلُ عَلَى عُمُومِهِ إِلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ هَذَا جِنْسٌ فِيهِ الرِّبَا بِيعَ مِنْهُ مَجْهُولٌ بِمَعْلُومٍ فَلَمْ يَجُزْ أَصْلُهُ بَيْعُ الشَّيْرَجِ بِالسِّمْسِمِ. ( مَسْأَلَةٌ ) إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ مَا كَانَ أَصْلُهُ الْجِنْسَ الْوَاحِدَ فَصَارَ عَلَى صِنْفَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَخْتَلِفُ بِهِمَا اسْمُهُ وَالْغَرَضُ مِنْهُ فَلَا يَجُوزُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ مُتَسَاوِيًا كَالْبَلَحِ الصَّغِيرِ بِالْكَبِيرِ وَالرُّطَبِ بِالتَّمْرِ لَا يَجُوزُ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمَا خَالَفَ صِنْفَهُ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَأَمَّا بَيْعُ الرُّطَبِ بِالرُّطَبِ مُتَسَاوِيًا فَرَآهُ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَنَعَ مِنْهُ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ كُلَّ جِنْسٍ يَجُوزُ التَّسَاوِي بَعْضُهُ بَعْضٍ حَالَ الْجُفُوفِ فَإِنَّهُ يَجُوزُ التَّسَاوِي فِيهِمَا حَالَ رُطُوبَتِهِ كَالْجُبْنِ بِالْجُبْنِ وَالزُّبْدِ بِالزُّبْدِ وَاللَّبَنِ بِاللَّبَنِ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَإِنْ كَانَ التَّمْرُ قَدْ أُنْصِفَ بِأَنْ يَكُونَ نِصْفُ التَّمْرِ بُسْرًا وَنِصْفُ التَّمْرِ قَدْ أَرْطَبَ فَهَلْ يَجُوزُ بَيْعُ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.



