المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1156)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1156)]
و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ كُنَّا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَبْتَاعُ الطَّعَامَ فَيَبْعَثُ عَلَيْنَا مَنْ يَأْمُرُنَا بِانْتِقَالِهِ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي ابْتَعْنَاهُ فِيهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ
( ش ) : قَوْلُهُ كُنَّا نُؤْمَرُ بِانْتِقَالِهِ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَبْلَ أَنْ نَبِيعَهُ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ اشْتَرَاهُ جُزَافًا وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُفَسَّرًا وَرَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْت الَّذِي يَشْتَرِي الطَّعَامَ مُجَازَفَةً يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَبِيعُوهُ حَتَّى يُؤْوُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ فَلَمَّا كَانَ الِاسْتِيفَاءُ فِي بَيْعِ الْجُزَافِ يَتِمُّ بِتَمَامِ اللَّفْظِ بِالْبَيْعِ وَقَدْ رَأَيْت لِابْنِ عَبْدُوسٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ مَا يَقْتَضِي هَذَا ; لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِيمَنْ ابْتَاعَ ثَمَرَ عَدَدِ نَخَلَاتٍ بِلَا كَيْلٍ أَنَّ لَهُ بَيْعَ ذَلِكَ قَبْلَ جَدِّهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ صَارَ فِي ضَمَانِهِ بِالْبَيْعِ فَذَلِكَ قَبْضٌ فَاقْتَضَى قَوْلُهُ أَنَّ تَمَامَ الْبَيْعِ هُوَ الْقَبْضُ , وَأَمَّا التَّخْلِيَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَتَاعِ فَلَيْسَتْ مِنْ بَابِ التَّوْفِيَةِ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ بَابِ تَرْكِهِ مَنْعَ ذِي الْحَقِّ مِنْ حَقِّهِ. وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ إنَّهُ يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ فَأَشَارَ إِلَى أَنَّ التَّخْلِيَةَ عَلَى التَّوْفِيَةِ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى ضَرْبِهِمْ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ بَيْعِهِ حَتَّى يَنْقُلُوهُ إِلَى رِحَالِهِمْ لِيَتَبَيَّنَ الِاسْتِيفَاءُ بَعْدَ وُجُودِ التَّوْفِيَةِ بِالتَّخْلِيَةِ فَشُرِعَ نَقْلُهُ مِنْ مَكَانِهِ لِيَفْصِلَ بَيْنَ الْبَيْعَتَيْنِ عَمَلٌ ظَاهِرٌ فِيهِ بَعْضُ أَفْعَالِ الْكَيْلِ ; لِأَنَّ الْكَيْلَ فِيهِ أَيْضًا نُقِلَ مِنْ مَكَانٍ إِلَى مَكَانٍ إِلَّا أَنَّهُ نَقْلٌ يَلْزَمُ الْبَائِعَ وَلَمْ يَبْقَ فِي الْجُزَافِ عَلَى الْبَائِعِ عَمَلٌ فَجَازَ لِذَلِكَ بَيْعُهُ كَمَا يَجُوزُ بَيْعُ الثِّمَارِ عَلَى رُءُوسِ النَّخْلِ لِمَنْ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ يَجِدَّهَا وَإِنَّمَا بَقِيَ فِيهِ الْعَمَلُ عَلَى الْمُبْتَاعِ أَنْ يَنْقُلَهُ قَبْلَ أَنْ يَبِيعَهُ وَهَذَا لَمَّا كَانَ حَقًّا عَلَى الْمُبْتَاعِ لَمْ يُبْطِلْ الْبَيْعَ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَهُ تَعَلُّقٌ بِالْبَائِعِ. وَقَدْ رَوَى فِي الْمَبْسُوطِ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مَا تَقَدَّمَ مِنْ جَوَازِ بَيْعِ الصُّبْرَةِ لِمَنْ اشْتَرَاهَا قَبْلَ أَنْ يَقْبِضَهَا وَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ تَعالَى وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا وَلِأَنَّهُ لَمْ يُوفِهِ حَقَّ تَوْفِيَتِهِ فَجَازَ بَيْعُهُ كَالْمَكِيلِ بَعْدَ الْكَيْلِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ مَالِكًا اسْتَحَبَّ أَنْ يُبَاعَ بَعْدَ نَقْلِهِ لِيَخْرُجَ مِنْ الْخِلَافِ وَعِنْدِي فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ مَالِكًا إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى صِحَّةِ الْعَقْدِ وَالْعَقْدُ صَحِيحٌ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى مَا يَلْزَمُ الْمُشْتَرِي مِنْ تَقْدِيمِ نَقْلِهِ وَيَجِبُ أَنْ يَتَقَرَّرَ الْمَذْهَبُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ لَهُ لِيَخْرُجَ بِتَرْكِهِ وَيَلْزَمُ الْإِمَامَ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ فَإِنْ فَاتَ بِعَقْدِ الْبَيْعِ لَمْ يُرَدَّ لِصِحَّةِ الْعَقْدِ وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ وَقَدْ رَوَى فِي الْمَدَنِيَّةِ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَ لِمَنْ اشْتَرَى الطَّعَامَ جُزَافًا أَنْ يَبِيعَهُ بِنَظِرَةٍ قَبْلَ أَنْ يَنْقُلَهُ قَالَ مَالِكٌ ; لِأَنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ إِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إلَيْنَا إِذَا اشْتَرَيْنَا الطَّعَامَ جُزَافًا لَا تَبِيعُوهُ مَكَانَهُ الَّذِي اشْتَرَيْتُمُوهُ فِيهِ حَتَّى يَنْقُلَهُ إِلَى مَكَانٍ سِوَاهُ قَالَ مَالِكٌ تَفْسِيرُهُ أَنْ يَبِيعَهُ بِالدَّيْنِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَانَ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يَرَاهُ حَرَامًا وَإِنْ وَقَعَ جَازَ وَمَا قَدَّمْنَاهُ فِيهِ ظَاهِرٌ مُحْتَمَلٌ. وَفِي كِتَابِ أَبِي الْقَاسِمِ الْجَوْهَرِيِّ بِإِثْرِ هَذَا الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ فِي تَلَقِّي الرُّكْبَانِ وَهَذَا أَيْضًا يَحْتَمِلُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ مَنْ اشْتَرَاهُ فِي مَوْضِعٍ غَيْرِ سُوقِ ذَلِكَ الطَّعَامِ فَلَا يَبِيعُهُ مِمَّنْ يَلْقَاهُ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَ بِهِ السُّوقَ وَقَوْلُهُمْ إنَّمَا يَرْجِعُ إِلَى صِحَّةِ الْعُقُودِ دُونَ مَا عَلَى الْبَائِعِ الثَّانِي ذَلِكَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لِذِكْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ زَكَرِيَّا الْوَقَارِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.



