المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1197)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1197)]
حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ يَوْمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ أُقِرُّكُمْ فِيهَا مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ قَالَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَيَخْرُصُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ ثُمَّ يَقُولُ إِنْ شِئْتُمْ فَلَكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ فَلِيَ فَكَانُوا يَأْخُذُونَهُ
( ش ) : قَوْلُهُ إنَّهُ قَالَ لِيَهُودِ خَيْبَرَ يَوْمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ يُرِيدُ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ حَيْثُ وَجَبَ تَفَرُّغُ النَّظَرِ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهَا كَمَا يُقَالُ قَالَ كَذَا يَوْمَ بَدْرٍ , وَفَعَلَ كَذَا يَوْمَ أُحُدٍ , وَإِنَّمَا جَرَى ذَلِكَ فِي الْأَيَّامِ الْمُضَافَةِ إلَيْهَا. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ عَلَى مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى أَنَّ التَّمْرَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ يَقْتَضِي أَنَّ النَّخْلَ صَارَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلِلْمُسْلِمِينَ دُونَ أَهْلِ خَيْبَرَ , وَلِذَلِكَ كَانَ لَهُمْ بِالْعَمَلِ بَعْضُ الثَّمَرَةِ , وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي افْتِتَاحِ خَيْبَرَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اُفْتُتِحَتْ عَنْوَةً لِمَا رَوَى عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَزَا خَيْبَرَ فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً , وَقَالَ آخَرُونَ افْتَتَحَهَا بَعْضَهَا عَنْوَةً , وَبَعْضَهَا صُلْحًا , وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ , والكثيبة أَكْثَرُهَا عَنْوَةً , وَفِيهَا صُلْحٌ قَالَ مَالِكٌ , والكثيبة مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عِرْقٍ , وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ كَانَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ خَيْبَرَ نِصْفُهَا فَكَانَ النِّصْفُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ , وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لِلْمُسْلِمِينَ فَكَانَ النِّصْفُ الَّذِي لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ الكثيبة والوطيح , وَالسَّلَالِمُ وَوَجْرَةُ , وَالنِّصْفُ الَّذِي لِلْمُسْلِمِينَ بِطْلَةُ , وَالشِّقُّ , وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ مَعْنَى الصُّلْحِ أَنَّهُمْ تَخَلَّوْا عَنْ النَّخْلِ وَالْأَرْضِ فَعَلَى هَذَا تَقَرَّرَ أَنَّ جَمِيعَ الْأَرْضِ وَالنَّخْلِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَأَمَّا إِنْ كَانَ عَلَى وَجْهِ الصُّلْحِ فَذَلِكَ كُلُّهُ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ قَالَ , وَكَانَ سَبِيلُ ذَلِكَ سَبِيلَ النَّضِيرِ , وَمَا كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَدَكَ , وَمَا كَانَ مِنْ خَيْبَرَ بِقِتَالٍ , وَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَنْ حَضَرَهَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَبَيْنَ مَنْ غَابَ عَنْهَا مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ خَاصَّةً لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَعَدَهُمْ بِهَا يُرِيدُ قَوْلُهُ تَعالَى وَعَدَكُمْ اللَّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجَّلَ لَكُمْ هَذِهِ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَظَاهِرُ قَوْلِهِ أُقِرُّكُمْ عَلَى مَا أَقَرَّكُمْ اللَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ عِنْدَ الْمُسَاقَاةِ , وَلَعَلَّهُ كَانَ بَعْدَ وَصْفِ الْعَمَلِ وَالِاتِّفَاقِ مِنْهُ عَلَى مَعْلُومٍ بِعِبَارَةٍ أَوْ غَيْرِهَا , وَقَدْ ذَهَبَ إِلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ , وَمَنَعَ جَوَازَهَا أَبُو حَنِيفَةَ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْطَى خَيْبَرَ لِيَهُودَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا وَيَزْرَعُوهَا وَلَهُمْ شَطْرُ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا , وَمِنْ جِهَةِ الْقِيَاسِ أَنَّ التَّمْرَ نَوْعُ مَالٍ يَزْكُو بِالْعَمَلِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِمَنْفَعَتِهِ الْمَقْصُودَةِ فَجَازَتْ الْمُعَامَلَةُ عَلَيْهِ بِبَعْضِهَا. ( مَسْأَلَةٌ ) وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَتَنَاوَلُ الْعَقْدَ عَلَى مُدَّةٍ يَلْزَمُ الْعَقْدُ فِي جَمِيعِهَا , وَإِنَّمَا يَلْزَمُ فِي مِقْدَارٍ مِنْهَا فَأَمَّا الْمُسَاقَاةُ فَإِنَّهَا تَلْزَمُ فِي عَامٍ وَاحِدٍ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَتَبَعَّضَ , وَكَذَلِكَ كُلَّمَا شَرَعَ الْعَامِلُ فِي عَامٍ لَزِمَ الْعَقْدُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ , وَكَذَلِكَ الْمُتَسَاقِيَانِ بِالْخِيَارِ فِيمَا بَعْدَهُ , وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الرَّجُلِ يَكْتَرِي مِنْ الرَّجُلِ دَارَهُ عَلَى شَهْرٍ بِدِينَارٍ أَوْ كُلَّ عَامٍ بِدِينَارَيْنِ إِنَّ ذَلِكَ جَائِزٌ , وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الْإِجَارَةِ أَنْ يَتَمَادَى عَلَى الْعَمَلِ , وَأَنْ يَتْرُكَهُ مَا شَاءَ , وَكَذَلِكَ الْمُسَاقَاةُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَرْكُ ذَلِكَ مَا لَمْ يَشْرَعْ الْعَامِلُ فِي عَمَلِ سَنَتِهِ فَتَلْزَمُهُ تِلْكَ السَّنَةُ , وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ يَلْزَمُ أُجْرَةُ جُزْءٍ وَاحِدٍ مِمَّا جَعَلَاهُ عَمَلًا عَلَى حِسَابِ الْأُجْرَةِ مِنْ شَهْرٍ أَوْ سَنَةٍ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّ الْعَقْدَ لَمْ يَقَعْ عَلَى شَيْءٍ مُقَرَّرٍ يَلْزَمُ فِيهِ , وَإِنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ لَزِمَهُمَا بِالِاسْتِيفَاءِ مِنْ حِسَابِ مَا قَرَّرَاهُ , وَلَهُمَا أَنْ يَزِيدَا مَا شَاآ مِمَّا اتَّفَقَا عَلَى ذَلِكَ , وَمَنْ أَرَادَ مِنْهُمَا التَّرْكَ فَذَلِكَ لَهُ إذْ لَيْسَ بَيْنَهُمَا عَقْدٌ يَلْزَمُ أَحَدَهُمَا , وَجَمِيعُ الْمُدَّةِ فِي ذَلِكَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ فَإِذَا كَانَ الْخِيَارُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي الشَّهْرِ الثَّانِي , وَالسَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَكَذَلِكَ الْأُولَى , وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ عَقْدَ الْإِجَارَةِ عَقْدٌ لَازِمٌ , وَأَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الْعَقْدُ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمُدَّةِ الْمُقَدَّرَةِ فَيَجِبُ أَنْ يَلْزَمَ فِيهِ , وَيَكُونَ الْخِيَارُ فِيمَا بَعْدَهُ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ عَلَى أَنَّ الثَّمَرَةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ يَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ , وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ تَحْدِيدُ جُزْءِ الْعَامِلِ مِنْ الثَّمَرَةِ غَيْرَ أَنَّ الظَّاهِرَ الْمُسَاوَاةُ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ فَنَقَلَهُ الرَّاوِي عَلَى هَذَا اللَّفْظِ لَمَّا كَانَ ظَاهِرُهُ الْمُسَاوَاةُ , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ أَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ النِّصْفَ وَأَبُو بَكْرٍ , وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَيَقْتَضِي مَعَ ذَلِكَ الْمُسَاوَاةُ فِي الْحَوَائِطِ كُلِّهَا , وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ , وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ لَا بَأْسَ أَنْ يُسَاقِيَهُ حَائِطَيْنِ عَلَى النِّصْفِ جَمِيعًا أَوْ عَلَى الثُّلُثِ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ , وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَائِطِينَ نَخْلًا , وَفِي الْآخَرِ أَصْنَافُ الشَّجَرِ , وَيَكُونَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ سَقْيًا وَاحِدًا , وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا بَعْلًا , وَبَعْضُهَا سَقْيًا فَإِنْ كَانَ عَلَى مُسَاقَاةٍ مُخْتَلِفَةٍ فَلَا خَيْرَ فِي ذَلِكَ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاقَى خَيْبَرَ كُلَّهَا عَلَى النِّصْفِ , وَفِيهَا الْجَيِّدُ وَالرَّدِيءُ , وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ عَقْدَ الْمُسَاقَاةِ بِمَعْنَى حُكْمِ الْقِرَاضِ فَكَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ مَالَيْنِ عَلَى وَجْهِ الْقِرَاضِ بِعَقْدٍ وَاحِدٍ , وَعَلَى أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يَجُزْ ذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ , وَلَمَّا جَازَ أَنْ يَدْفَعَ إِلَيْهِ جِنْسَيْنِ مِنْ الْعَيْنِ وَرِقًا , وَذَهَبًا فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ عَلَى جُزْءٍ وَاحِدٍ جَازَ مِثْلُهُ فِي الْمُسَاقَاةِ. ( فَرْعٌ ) فَإِذَا قُلْنَا إنَّهُ لَا يَجُوزُ عَمَلٌ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ عَلَى أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ فَإِنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ رُدَّ إِلَى مُسَاقَاةِ مِثْلِهِ , وَكَذَلِكَ لَوْ عَاقَدَهُ السَّنَتَيْنِ بِأَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ لَمْ يَجُزْ فَإِنْ عَمِلَ عَلَى ذَلِكَ جَمِيعَ السَّنَتَيْنِ فَلَهُ مُسَاقَاةُ مِثْلِهِ فِيمَا مَضَى وَفِيمَا بَقِيَ , وَلَا يُفْسَخُ مَا بَقِيَ , وَقَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يَلْزَمُهُ مُسَاقَاةُ جَمِيعِ السَّنَتَيْنِ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ بَعْضَهَا بِسَبَبِ بَعْضٍ فَقَدْ يُنْفِقُ فِي أَوَّلِ عَامٍ لِيَسْتَغِلَّ أَعْوَامًا فَإِذَا لَزِمَهُ بَعْضُ الْأَعْوَامِ لَزِمَهُ جَمِيعًا. ( مَسْأَلَةٌ ) وَإِنْ كَانَ فِي عُقُودٍ مُخْتَلِفَةٍ عَلَى أَجْزَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ جَازَ ذَلِكَ قَالَهُ فِي الْمَوَّازِيَّةِ , وَلَا يَجُوزُ مِثْلُ هَذَا فِي الْقِرَاضِ لِأَنَّ عَقْدَ الْقِرَاضِ عَقْدٌ جَائِزٌ , وَعَقْدُ الْمُسَاقَاةِ عَقْدٌ لَازِمٌ فَإِذَا عَقَدَ مَعَهُ فِي حَائِطٍ عَلَى النِّصْفِ ثُمَّ عَقَدَ مَعَهُ فِي حَائِطٍ آخَرَ عَلَى الثُّلُثِ لَمْ يَتَعَلَّقْ أَحَدُ الْعَقْدَيْنِ بِالْآخَرِ فَجَازَ ذَلِكَ.



