المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1209)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1209)]
قَالَ يَحْيَى عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ أَتَجُوزُ شَهَادَتُهُ فَقَالُوا نَعَمْ إِذَا ظَهَرَتْ مِنْهُ التَّوْبَةُ و حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ مِثْلَ مَا قَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ قَالَ مَالِك وَذَلِكَ الْأَمْرُ عِنْدَنَا وَذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى { وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمْ الْفَاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ }
( ش ) : قَوْلُهُ أَنْهَمَّ سُئِلُوا عَنْ رَجُلٍ جُلِدَ الْحَدَّ تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَفْظٌ عَامٌّ فِي الْحُدُودِ الَّتِي يُجْلَدُ فِيهَا مِنْ الزِّنَا وَشُرْبِ الْخَمْرِ وَالْقَذْفِ إِلَّا أَنَّ إيرَادَهُ هَهُنَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنْ يُرِيدَ بِهِ حَمْلَهُ عَلَى عُمُومِهِ ثُمَّ يُسْتَدَلَّ عَلَى نَوْعٍ مِنْهُ بِالنَّصِّ وَهُوَ فِي حَدِّ الْقَذْفِ فَيَجْعَلَهُ أَصْلًا لِجَمِيعِ الْجِنْسِ , وَالثَّانِي أَنْ يُرِيدَ الْقَذْفَ وَحْدَهُ وَيَقْصِدَ بَيَانُ حُكْمِهِ بِالْآيَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا ; لِأَنَّهَا خَاصَّةٌ فِي حَدِّ الْقَذْفِ وَكُلُّ مَا يُوجِبُ الْجَلْدَ حَدًّا يُوجِبُ التَّفْسِيقِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَدُّ الشَّهَادَةِ ; لِأَنَّ الْفِسْقَ يُنَافِي قَبُولَ الشَّهَادَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ فَكُلُّ مَنْ قَذَفَ الْمُحْصَنَاتِ وَلَمْ يُثْبِتْ مَا قَذَفَ بِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ حَدُّ ذَلِكَ الْقَذْفِ وَوَجَبَ رَدُّ شَهَادَتِهِ بِهِ وَالْحُكْمُ بِفِسْقِهِ فِي الظَّاهِرِ إلَيْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ فَقَدْ يَكُونُ صَادِقًا فِي قَذْفِهِ أَوْ مُشْتَبَهًا عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَمَتَى يُحْكَمُ بِرَدِّ شَهَادَتِهِ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ مِنْ الْمَجْمُوعَةِ وَكِتَابِ ابْنِ سَحْنُونٍ لَا تُرَدُّ شَهَادَتُهُ حَتَّى يُجْلَدَ , وَقَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْكِتَابَيْنِ تُرَدُّ شَهَادَتُهُ إِنْ عَجَزَ عَنْ إثْبَاتِ مَا ادَّعَاهُ وَحَقَّ عَلَيْهِ الْقَذْفُ , وَلَوْ تَابَ بَعْدَ ذَلِكَ لَقُبِلَتْ شَهَادَتُهُ قَبْلَ الْجَلْدِ وَبَعْدَهُ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنَّمَا يَتِمُّ الْحُكْمُ عَلَيْهِ بِكَوْنِهِ قَاذِفًا بِأَنْ يُكْمِلَ الْجَلْدَ , فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَوْ أَقَرَّ الْمَقْذُوفُ وَثَبَتَ عَلَيْهِ مَا قَذَفَهُ بِهِ لَسَقَطَ الْجَلْدُ ; لِأَنَّ طَرِيقَهُ النَّكَالُ وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ قَاذِفًا وَذَلِكَ يَمْنَعُ التَّفْسِيقَ بِهِ , وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّ الْحُكْمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ يَتِمُّ بِعَجْزِهِ عَنْ إثْبَاتِ مَا قَذَفَ بِهِ وَالْحَدُّ بَعْدَ ذَلِكَ تَطْهِيرٌ لَهُ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ رَدُّ الشَّهَادَةِ كَالْكَفَّارَةِ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا مَا يُوجِبُ النَّكَالَ وَالتَّعْزِيرَ دُونَ الْحَدِّ فَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ فِي الْمَجْمُوعَةِ فِيمَنْ كَانَتْ حَالُهُ حَسَنَةً فَوَجَبَ عَلَيْهِ نَكَالُ الشَّتْمِ أَوْ نَحْوُهُ فَلَا تُرَدُّ بِذَلِكَ شَهَادَتُهُ , وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِمَشْهُورِ الْعَدَالَةِ إِلَّا أَنَّهُ مَقْبُولٌ وَأَتَى بِالْأَمْرِ الْعَظِيمِ مِمَّا فِيهِ النَّكَالُ الشَّدِيدُ فَلْيُنْظَرْ فِي هَذَا , وَإِنَّمَا يُعْرَفُ هَذَا عِنْدَ نُزُولِهِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ مِنْهُ مَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ وَمِنْهُ مَا لَا تُرَدُّ بِهِ الشَّهَادَةُ فَيُنْظَرُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ وُقُوعِهِ عَلَى قَدْرِ الشَّاتِمِ , وَقَدْرِ مَا أَتَى بِهِ وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ يُعْمَلُ فِي رَدِّ شَهَادَتِهِ وَإِمْضَائِهَا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.



