المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1218)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1218)]
حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ بْنَ مَرْوَانَ قَضَى فِي امْرَأَةٍ أُصِيبَتْ مُسْتَكْرَهَةً بِصَدَاقِهَا عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ بِهَا
( ش ) : الْمُسْتَكْرَهَةُ لَا يَخْلُو أَنْ تَكُونَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا عَلَى مَنْ اسْتَكْرَهَهَا وَعَلَيْهِ الْحَدُّ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ اللَّيْثِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضَىِ اللَّهُ عَنْهُوَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ : عَلَيْهِ الْحَدُّ دُونَ الصَّدَاقِ. وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ أَنَّ الْحَدَّ وَالصَّدَاقَ حَقَّانِ أَحَدُهُمَا لِلَّهِ وَالثَّانِي لِلْمَخْلُوقِ فَجَازَ أَنْ يَجْتَمِعَا كَالْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ وَرَدِّهَا قَالَ مَالِكٌ : وَسَوَاءٌ كَانَتْ حُرَّةً مُسْلِمَةً أَوْ ذِمِّيَّةً أَوْ صَغِيرَةً افْتَضَّهَا. ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا إِنْ افْتَضَّهَا بِأُصْبُعِهِ فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ افْتَضَّ بِكْرًا بِأُصْبُعِهِ وَهِيَ صَغِيرَةٌ أَوْ كَبِيرَةٌ أَنَّهَا كَالْجَائِفَةِ وَفِي ذَلِكَ ثُلُثُ دِيَتِهَا , وَقَالَ مُحَمَّدٌ وَأَحَبُّ مَا فِيهِ إلَيَّ أَنْ يَنْظُرَ إِلَى قَدْرِ مَا نَقَصَهَا ذَلِكَ عِنْدَ الْأَزْوَاجِ مِثْلَ أَنْ يَكُونَ مَهْرُ مِثْلِهَا بِكْرًا مِائَةً وَمَهْرُ مِثْلِهَا ثَيِّبًا خَمْسُونَ فَيُؤَدِّي مَا نَقَصَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ أَصْبَغَ ; لِأَنَّهُ جُرْحٌ وَلَيْسَ بِوَطْءٍ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَإِنْ كَانَ الَّذِي افْتَضَّهَا صَبِيًّا فَافْتَضَّ صَغِيرَةً بِذَكَرِهِ أَوْ أُصْبُعِهِ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : فِيهِ فِي قَوْلِنَا الِاجْتِهَادُ بَعْدَ رَأْيِ الْإِمَامِ وَرَأْيِ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ وَقَدْ حَكَمَ فِيهِ عَبْدُ الْمَلِكِ بِأَرْبَعِينَ دِينَارًا وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ جُرْحٌ فِي الْوَجْهَيْنِ ; لِأَنَّهُ يَشِينُ وَيُزَهِّدُ فِي الْمَرْأَةِ , وَإِنْ لَمْ يَشِنْ الْجَسَدَ فَلِذَلِكَ صُرِفَ الْأَمْرُ فِيهِ إِلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ. ( مَسْأَلَةٌ ) إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَإِنَّ النِّسَاءَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ كَبِيرَةٍ وَصَغِيرَةٍ لَا تُمَيِّزُ وَصَغِيرَةٍ تُمَيِّزُ فَأَمَّا الْكَبِيرَةُ فَهَذَا حُكْمُهَا إِنْ أُكْرِهَتْ وَأَمَّا إِنْ أَمْكَنَتْ مِنْ نَفْسِهَا فَعَلَيْهَا الْحَدُّ وَلَا شَيْءَ لَهَا ; لِأَنَّهَا أَبَاحَتْ ذَلِكَ مِنْ نَفْسِهَا , وَأَمَّا الصَّغِيرَةُ الَّتِي تُمَيِّزُ فَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ سَحْنُونٍ عَنْ أَشْهَبَ فِي الصَّبِيَّةِ تُمَكِّنُ مِنْ نَفْسِهَا رَجُلًا فَيَطَؤُهَا فَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا يُخْدَعُ فَلَهَا الصَّدَاقُ , وَإِنْ كَانَ مِثْلُهَا لَا يُخْدَعُ فَلَا صَدَاقَ لَهَا , وَإِنْ لَمْ تَحِضْ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَبِمَاذَا يَثْبُتُ الْإِكْرَاهُ إِنْ أَقَامَتْ بَيِّنَةً بِهِ فَهُوَ أَقْوَى مَا فِيهِ , وَهَذَا مَا لَا خِلَافَ فِيهِ , وَلَا يَثْبُتُ هَذَا إِلَّا بِشَهَادَةِ أَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ أَنَّهُ زَنَا بِهَا مُكْرَهَةً فَهَذَا الَّذِي يَلْزَمُهُ الصَّدَاقُ لَهَا , وَيَجِبُ عَلَيْهَا الْحَدُّ بِشَهَادَتِهِمْ , وَلَوْ شَهِدَ شَاهِدَانِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَوْ دُونَ أَرْبَعَةٍ لَحُدُّوا بِالْقَذْفِ قَالَ أَصْبَغُ : لِأَنَّهُمَا قَطَعَا عَلَيْهِ بِالْوَطْءِ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَلَكِنَّهُ شَهِدَ عَلَيْهِ شَاهِدَانِ بِإِقْرَارِهِ أَوْ أَنَّهُمَا رَأَيَاهُ أَدْخَلَهَا مَنْزِلَهُ غَصْبًا فَغَابَ عَلَيْهَا فَقَالَتْ أَصَابَنِي فَقَالَ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَهَا الصَّدَاقُ عَلَيْهِ مَعَ يَمِينِهَا وَرَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَلَا حَدَّ عَلَيْهَا وَلَا عَلَى الشَّاهِدِينَ. وَوَجْهُ ذَلِكَ قُوَّةُ الْأَمْرِ بِالْبَيِّنَةِ تَشْهَدُ بِاحْتِمَالِهَا مُكْرَهَةً وَالْمَغِيبُ عَلَيْهَا ثُمَّ مَا بَلَّغَتْهُ مِنْ فَضِيحَتِهَا فَقَوَّى ذَلِكَ دَعْوَاهَا وَاسْتَحَقَّتْ بَيِّنَتُهَا صَدَاقَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( فَرْعٌ ) فَإِنْ نَظَرَ إلَيْهَا النِّسَاءُ فَأَلْفَيْنَهَا بِكْرًا فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ قَالَ أَمَّا أَشْهَبُ فَلَمْ يَرَ لَهَا شَيْئًا قَالَ أَصْبَغُ وَقَدْ قِيلَ لَهَا ذَلِكَ وَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ. وَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّ شَهَادَةَ النِّسَاءِ بِالْبَكَارَةِ تَبْطُلُ مَا ادَّعَتْهُ مِنْ إصَابَتِهِ إيَّاهَا. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ النِّسَاءَ فِيمَا فِي أَرْحَامِهِنَّ مُؤْتَمَنَاتٌ وَالْحَرَائِرُ لَا يُنْظَرُ إلَيْهِنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( فَصْلٌ ) فَإِنْ لَمْ يَشْهَدَا لَهَا بِالْإِكْرَاهِ , وَلَا بِاحْتِمَالِهَا وَالْمَغِيبِ عَلَيْهَا وَلَكِنْ جَاءَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ وَهِيَ تَدْمَى إِنْ كَانَتْ بِكْرًا أَوْ لَا تَدْمَى إِنْ كَانَتْ ثَيِّبًا وَقَدْ فَضَحَتْ نَفْسَهَا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ وَغَيْرِهِ لَا تُحَدُّ هِيَ لِمَا رَمَتْهُ بِهِ وَلَمْ يُفَصِّلْ وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثُ مَسَائِلَ. إحْدَاهَا أَنْ لَا تَدْمَى وَيَكُونَ الْمَقْذُوفُ صَالِحًا فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : عَلَيْهَا حَدُّ الْقَذْفِ قَوْلًا وَاحِدًا. وَالثَّانِيَةَ : أَنْ تَكُونَ تَدْمَى فَهَذِهِ فِيهَا رِوَايَتَانِ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ تُحَدُّ وَرَوَى أَصْبَغُ عَنْ مَالِكٍ لَا حَدَّ عَلَيْهَا. وَالْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ تَدَّعِيَ عَلَى رَجُلٍ صَالِحٍ فَهَذَا لَا حَدَّ عَلَيْهِ رِوَايَةٌ وَاحِدَةٌ رَوَاهَا ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونَ فَوَجْهُ صَرْفِ الْحَدِّ عَنْهَا أَنَّهَا مُضْطَرَّةٌ إِلَى أَنْ تُخْبِرَ عَنْ نَفْسِهَا بِمَا جَنَى عَلَيْهَا مَخَافَةَ أَنْ يَظْهَرَ بِهَا حَمْلٌ وَلَا يَسْقُطُ ذَلِكَ عَنْهَا إِلَّا بِالتَّعَلُّقِ بِهِ أَوْ بِعَيْنِهِ إِنْ كَانَ مِمَّنْ يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ فَلَمَّا كَانَتْ مُضْطَرَّةً إِلَى صَرْفِ الرَّجْمِ وَالْجَلْدِ عَنْ نَفْسِهَا كَانَتْ كَالرَّجُلِ يَقْذِفُ زَوْجَتَهُ وَيَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدُّ لَمَّا كَانَ مُضْطَرًّا إِلَى ذَلِكَ لِحِمَايَةِ نَسَبِهِ , وَكَانَ مَا يَأْتِي بِهِ مِنْ اللِّعَانِ يُقَوِّي دَعْوَاهُ وَيَصْرِفُ الْحَدَّ عَنْهُ , وَكَذَلِكَ مَا تُبَلِّغُهُ الْمَرْأَةُ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا يُقَوِّي دَعْوَاهَا وَيَصْرِفُ الْحَدَّ عَنْهَا وَلَهَا مَعَ ذَلِكَ مَعْنَيَانِ يُقَوِّيَانِ دَعْوَاهَا أَحَدُهُمَا التَّعَلُّقُ بِهِ , وَالثَّانِي أَنْ تَكُونَ دَامِيَةً فَإِنْ اجْتَمَعَ لَهَا ذَلِكَ فَقَدْ أَتَتْ بِأَكْثَرَ مِمَّا يُمْكِنُ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مِنْ جِهَتِهَا فِي تَقْوِيَةِ دَعْوَاهَا فَإِنْ قَامَ ذَلِكَ مَعَ صَلَاحِ الْمُدَّعَى عَلَيْهِ ثَبَتَ الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ. وَجْهُ إثْبَاتِ الْحَدِّ عَلَيْهَا : أَنَّ صَلَاحَهُ الْمَشْهُورَ يَشْهَدُ لَهُ , وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ خُلُوِّهِ بِهَا عَلَى وَجْهِ التَّعَدِّي مِنْهُ مَا يَشْهَدُ لَهَا , وَكُلُّ مَوْضِعٍ تَشْهَدُ فِيهِ الْخَلْوَةُ بِالْوَطْءِ فَإِنَّهُ لَا تَقُومُ مَقَامَهُ الدَّعْوَى كَخَلْوَةِ الزَّوْجِ بِالزَّوْجَةِ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي بِنَفْيِ الْحَدِّ عَنْهَا مَا يَظْهَرُ بِهَا مِنْ الدَّمِ الَّذِي يَدُلُّ عَلَى حُدُوثِ مَا حَلَّ بِهَا مَعَ تَعَلُّقِهَا بِهِ وَهَذِهِ مَعَانٍ ظَاهِرَةٌ فِيمَا تَدْعِيهِ مِنْ الظُّلْمِ لَهَا مَعَ أَنَّ هَذَا غَايَةُ مَا يُمْكِنُهَا وَضَرُورَةُ صَرْفِهَا إِلَى حَدِّ الزِّنَا عَنْهَا إِنْ ظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رَضَىِ اللَّهُ عَنْهُ : وَهَذَا عِنْدِي يَجِبُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُ الثَّيِّبِ الَّتِي لَا تَدْمَى ; لِأَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إِلَى مِثْلِ ذَلِكَ فِي صَرْفِ حَدِّ الزِّنَا عَنْهَا بِمَا تَتَوَقَّعُهُ مِنْ ظُهُورِ الْحَمْلِ بِهَا , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ( فَرْعٌ ) وَإِذَا كَانَ مُتَّهَمًا فَإِنَّهُ يُعَاقَبُ , وَلَا تُحَدُّ هِيَ إِذَا كَانَتْ بِكْرًا تَدْمَى سَوَاءٌ كَانَ مَعَهَا أَوْ لَمْ يَكُنْ بِحَضْرَةِ ذَلِكَ أَوْ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ. وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ ابْتِدَاءَهَا بِالتَّشَكِّي مَعَ مَا يَصْدُقُ مِنْ ظُهُورِ دَمِهَا يُقَوِّي دَعْوَاهَا. ( مَسْأَلَةٌ ) وَلَيْسَ عَلَيْهَا حَدُّ الزِّنَا لِإِقْرَارِهَا بِمُجَامَعَةِ الرَّجُلِ لَهَا , وَلَوْ ظَهَرَ بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ حَمْلٌ ; لِأَنَّ مَا بَلَغَتْهُ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا بِالِاسْتِغَاثَةِ وَالتَّشَكِّي مِمَّا جَنَى عَلَيْهَا شُبْهَةٌ فِي إسْقَاطِ الْحَدِّ عَنْهَا فِي الْقَذْفِ فَبِأَنْ يَسْقُطَ عَنْهَا فِي حُقُوقِ الْبَارِي - تَعَالَى - أَوْلَى. ( مَسْأَلَةٌ ) وَلَيْسَ عَلَى الْمُدَّعَى عَلَيْهِ إِنْ حَلَفَتْ حَدُّ الزِّنَا ; لِأَنَّ ذَلِكَ مِنْ حُقُوقِ الْبَارِي فَلَا يَثْبُتُ إِلَّا بِبَيِّنَةٍ , وَعَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا الْأَدَبُ , رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ , وَكَذَلِكَ إِنْ لَمْ يَكُنْ يُعْرَفْ بِسَفَهٍ وَلَا حِلْمٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا أُدِّبَ أَدَبًا وَجِيعًا كَانَتْ تَدْمَى أَوْ لَا تَدْمَى قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ فَلَا حَدَّ عَلَيْهِ وَلَا أَدَبَ وَلَا عِقَابَ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَلَهَا صَدَاقُ الْمِثْلِ عَلَيْهِ إِنْ كَانَ مُتَّهَمًا أَوْ لَمْ يُعْرَفْ حَالُهُ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونَ وَأَشْهَبُ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ ابْنِ الْمَاجِشُونَ , وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ ذَلِكَ بِهِ فَلَا صَدَاقَ لَهَا وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَا صَدَاقَ لَهَا , وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الدَّعَارَةِ إِلَّا أَنْ يَشْهَدَ رَجُلَانِ أَنَّهُ احْتَمَلَهَا وَخَلَا بِهَا فَيَكُونُ لَهَا الصَّدَاقُ إِذَا حَلَفَتْ. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ : أَنَّ وُجُوبَ الصَّدَاقِ مُتَعَلِّقٌ بِدَعْوَاهَا مَعَ مَا بَلَّغَتْهُ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا , وَأَمَّا الْخُلُوُّ بِهَا فَغَيْرُ مُوجِبٍ لِذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَوْ خَلَا بِهَا وَلَمْ تَدَّعِ إصَابَةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ صَدَاقٌ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ مَا يُقَوِّي دَعْوَاهَا , وَإِنَّمَا وُجِدَ مِنْهَا مُجَرَّدُ الدَّعْوَى فَلَا تَسْتَحِقُّ بِذَلِكَ صَدَاقًا كَمَا لَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ عَلَى الزَّوْجِ الْإِصَابَةَ دُونَ ثُبُوتِ الْخَلْوَةِ فَلَا يَجِبُ لَهَا صَدَاقٌ وَلَوْ ادَّعَتْهُ مَعَ ثُبُوتِ الْخَلْوَةِ لَوَجَبَ لَهَا الصَّدَاقُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَهَلْ يُشْتَرَطُ يَمِينُهَا فِي اسْتِحْقَاقِهَا الصَّدَاقَ ؟. أَصْحَابُ مَالِكٍ يَقُولُونَ لَا يَجِبُ لَهَا الصَّدَاقُ إِلَّا بِيَمِينِهَا وَرَوَى ابْنُ حَبِيبٍ وَابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ إِذَا أَتَتْ مُتَعَلِّقَةً بِهِ فَلَهَا الصَّدَاقُ بِلَا يَمِينٍ سَوَاءٌ كَانَتْ بِكْرًا تَدْمَى أَوْ ثَيِّبًا لَا تَدْمَى. وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ : أَنَّ دَعْوَاهَا قَوِيَتْ بِمَا قَارَنَهَا فَلَا تَسْتَحِقُّ بِهَا شَيْئًا إِلَّا بِيَمِينِهَا ; لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ شَيْءٌ مِنْ دَعْوَاهَا. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَا بَلَّغَتْ بِنَفْسِهَا لَمَّا أَسْقَطَ عَنْهَا حَدَّ الْقَذْفِ وَحَدَّ الزِّنَى أَوْجَبَ لَهَا الصَّدَاقَ كَالْبَيِّنَةِ بِمَا قَارَنَهَا. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ : إِنْ كَانَتْ حُرَّةً فَلَهَا صَدَاقُ مِثْلِهَا , وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَعَلَيْهِ مَا نَقَصَ مِنْ ثَمَنِهَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي الْحُرَّةِ وَالْكَلَامُ هَاهُنَا فِي الْأَمَةِ , وَذَلِكَ أَنَّ مَنْ وَطِئَ أَمَةَ غَيْرِهِ فَإِنْ أَكْرَهَهَا فَلَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ أَنَّ عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا بِكْرًا كَانَتْ أَوْ ثَيِّبًا وَيُرِيدُ بِالثَّمَنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ الْقِيمَةَ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْأَمَةِ الْفَارِهَةِ تَتَعَلَّقُ بِرَجُلٍ تَدَّعِي أَنَّهُ غَصَبَهَا نَفْسَهَا قَالَ الصَّدَاقُ عَلَيْهِ لِمَا بَلَّغَتْ مِنْ فَضِيحَةِ نَفْسِهَا بِغَيْرِ يَمِينٍ عَلَيْهَا كَانَتْ بِكْرًا أَوْ ثَيِّبًا قَالَ يُرِيدُ فِي عَدَمِ مَا نَقَصَهَا فِي الْحَدِّ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي إلْزَامِهِ نَقَصَ الْأَمَةِ وَصَدَاقَ الْحُرَّةِ بِهَذَا. ( مَسْأَلَةٌ ) فَإِنْ طَاوَعَتْهُ الْأَمَةُ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ : عَلَيْهِ مَا نَقَصَهَا وَقَالَ غَيْرُهُ : لَا شَيْءَ عَلَيْهِ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الصَّدَاقَ حَقٌّ لِلسَّيِّدِ فَلَا يَسْقُطُ بِإِبَاحَةِ الْأَمَةِ كَمَا لَوْ أَبَاحَتْ لَهُ قَطْعَ يَدِهَا وَوَجْهُ قَوْلِ الْغَيْرِ أَنَّهَا مَحْجُورٌ عَلَيْهَا فَبِإِبَاحَتِهَا الْوَطْءَ سَقَطَ الْمَهْرُ كَالْبِكْرِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ وَالْعُقُوبَةُ فِي ذَلِكَ عَلَى الْمُغْتَصِبِ , وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمُغْتَصَبَةِ يُرِيدُ عَلَى الْمُغْتَصِبِ إِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ بِإِقْرَارِ الْمَرْأَةِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَلَا عُقُوبَةَ عَلَى الْمُغْتَصَبَةِ ; لِأَنَّ الْمُكْرَهَةَ فِي الزِّنَى لَا حَدَّ عَلَيْهَا وَأَمَّا الْمُكْرَهُ عَلَى أَنْ يَزْنِيَ فَقَالَ مُطَرِّفٌ وَسَحْنُونٌ : لَا يَحِلُّ لَهُ ذَلِكَ , وَإِنْ هُدِّدَ بِالْقَتْلِ فَإِنْ فَعَلَ حُدَّ قَالَ سَحْنُونٌ ; لِأَنَّهُ لَا يَنْتَشِرُ لِذَلِكَ إِلَّا بِلَذَّةٍ , وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَا حَدَّ عَلَيْهَا. قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رَضَىِ اللَّهُ عَنْهُ : وَالظَّاهِرُ عِنْدِي خِلَافُ هَذَا ; لِأَنَّهُ قَدْ يَشْتَهِي الْإِنْسَانُ الْخَمْرَ وَأَخْذَ مَالِ غَيْرِهِ وَيَمْتَنِعُ مِنْهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَإِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ لَمْ يَفْعَلْهُ لِالْتِذَاذِهِ بِهِ , وَإِنَّمَا يَفْعَلُهُ لِلْإِكْرَاهِ وَلَا يَمْلِكُ الْإِنْسَانُ أَنْ لَا يَنْتَشِرَ , وَلَوْ مَلَكَهُ وَفَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ لَكَانَ بِمَنْزِلَةِ تَجَرُّعِهِ الْخَمْرَ وَغَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يَشْتَهِيهِ وَيَمْتَنِعُ مِنْهُ لِلَّهِ - تَعَالَى - فَإِذَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ كَانَ لَهُ فِعْلُهُ وَلَمْ يُوجِبْ الْحَدَّ الْتِذَاذُهُ بِهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ مَا يُوجِبُ الْقَتْلَ مِنْ الْأَفْعَالِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ يُوجِبُهُ مَعَ الْإِكْرَاهِ كَقَتْلِ الْمُسْلِمِ وَلَا يَلْزَمُهُ عَلَى هَذَا الْكُفْرُ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ بِفِعْلٍ , وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَمَّا فِي نَفْسِهِ فَإِذَا كَانَ قَلْبُهُ مُطَمْئِنًا بِالْإِيمَانِ فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ كَذِبٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ : وَإِنْ كَانَ الْمُغْتَصِبُ عَبْدًا فَذَلِكَ عَلَى سَيِّدِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ أَنْ يُسْلِمَهُ يُرِيدُ أَنَّ الْعَبْدَ إِنْ أَكْرَهَ حُرَّةً فَصَدَاقٌ , وَمَا نَقَصَ الْأَمَةَ يَغْرَمُهُ السَّيِّدُ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ جِنَايَتَهُ مُتَعَلِّقَةٌ بِرَقَبَتِهِ ; لِأَنَّ سَيِّدَهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَفْتِكَهُ بِالْجِنَايَةِ بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ أَوْ يُسْلِمَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ غَيْرُ ذَلِكَ فَيَكُونُ مِلْكًا لِمَنْ جَنَى عَلَيْهِ وَهَذَا إِذَا ثَبَتَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِبَيِّنَةٍ. وَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ : وَمَا لَزِمَهُ مِنْ صَدَاقِ الْحُرَّةِ وَنَقْصِ الْأَمَةِ فَفِي رَقَبَتِهِ وَيُقْبَلُ إقْرَارُ الْعَبْدِ فِيهِ بِفَوْرِ مَا فَعَلَ ذَلِكَ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تَدْمَى فَأَمَّا مَا فَعَلَ ذَلِكَ وَهِيَ مُتَعَلِّقَةٌ بِهِ تَدْمَى بَعْدُ مِنْ فِعْلِهِ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُلْحَقُ بِرَقَبَتِهِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رَضَىِ اللَّهُ عَنْهُ : وَوَجْهُ ذَلِكَ عِنْدِي أَنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ تَسْتَحِقُّ فِيهِ الْحُرَّةُ الصَّدَاقَ بِيَمِينِهَا فَإِنَّهَا مُسْتَحِقَّةٌ فِي رَقَبَةِ الْعَبْدِ وَلَا تَأْثِيرَ لِقَوْلِ الْعَبْدِ عِنْدِي وَذَلِكَ أَنَّ إقْرَارَ الْعَبْدِ إنَّمَا يُقْبَلُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ مِنْ الْحُدُودِ بِجَسَدِهِ فَأَمَّا فِيمَا يُخْرِجُهُ عَنْ مِلْكِ سَيِّدِهِ إِلَى مِلْكِ غَيْرِهِ فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ قَوْلُهُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَإِنْ كَانَ الْوَاطِئُ ذِمِّيًّا فَفِي كِتَابِ ابْنِ الْمَوَّازِ : إِنْ أَكْرَهَهَا قُتِلَ كَنَقْضِ الْعَهْدِ فِي الْمُحْصَنَاتِ الْمُسْلِمَاتِ وَقَالَهُ اللَّيْثُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ وَقَدْ قَتَلَ أَبُو عُبَيْدَةَ ذِمِّيًّا اسْتَكْرَهَ مُسْلِمَةً وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إِذَا اغْتَصَبَ النَّصْرَانِيُّ حُرَّةً مُسْلِمَةً قُتِلَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ إِنْ اغْتَصَبَهَا صُلِبَ. وَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اغْتِصَابَهُ الْمُسْلِمَةَ وَتَغَلُّبَهُ عَلَيْهَا نَقْضٌ لِلْعَهْدِ وَتَغْلِيظٌ لَحَقِّ اللَّهِ - تَعَالَى - فَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقَتْلُ. ( فَرْعٌ ) وَبِمَاذَا يَثْبُتُ اغْتِصَابُهُ قَالَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ وَقَدْ كَانَ يَقُولُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ ثُمَّ رَجَعَ إِلَى هَذَا وَبِهِ قَالَ سَحْنُونٌ. وَجْهُ اعْتِبَارِ الْأَرْبَعَةِ مَا احْتَجَّ بِهِ سَحْنُونٌ مِنْ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِالْوَطْءِ وَلَا يَثْبُتُ الْوَطْءُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ. وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي : أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِالْإِكْرَاهِ وَلِذَلِكَ لَوْ لَمْ يَكُنْ الْإِكْرَاهُ لَمْ يَجِبْ الْقَتْلُ وَالْإِكْرَاهُ يَثْبُتُ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَإِنْ طَاوَعَتْهُ فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ تُحَدُّ هِيَ وَيُنَكَّلُ هُوَ وَالنَّكَالُ فِي هَذَا مِثْلُ ضِعْفَيْ الْحَدِّ وَأَكْثَرَ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يُجْلَدُ جَلْدًا يَمُوتُ مِنْهُ , وَإِنْ اسْتَكْرَهَ أَمَةً مُسْلِمَةً قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : لَا يُقْتَلُ ; لِأَنَّهُ لَوْ قَتَلَهَا لَمْ أَقْتُلْهُ وَفِيهِ اخْتِلَافٌ , وَهَذَا أَحَبُّ إلَيَّ لِمَا جَاءَ لَا يُقْتَلُ حُرٌّ بِعَبْدٍ وَقَالَ مَالِكٌ : وَعَلَيْهِ فِي الْأَمَةِ مَا نَقَصَهَا فِي الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ , وَهَذَا كُلُّهُ فِيمَا يَجِبُ عَلَيْهِ بِحَقِّ الْإِسْلَامِ , وَأَمَّا مَا يَلْزَمُهُ مِنْ الْحَدِّ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ يُرَدُّ إِلَى أَهْلِ ذِمَّتِهِ. وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا عُقِدَتْ لَهُمْ الذِّمَّةُ لِتُنَفَّذَ بَيْنَهُمْ أَحْكَامَهُمْ وَشَرَائِعَهُمْ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَتَقَرَّرَ هَذَا فِي الْحُدُودِ مُسْتَوْعَبًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ لَا رَبَّ غَيْرُهُ وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ.



