المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1220)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1220)]
و حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدٍ الْقَارِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ عَلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَجُلٌ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ عُمَرُ هَلْ كَانَ فِيكُمْ مِنْ مُغَرِّبَةِ خَبَرٍ فَقَالَ نَعَمْ رَجُلٌ كَفَرَ بَعْدَ إِسْلَامِهِ قَالَ فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ قَالَ قَرَّبْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ فَقَالَ عُمَرُ أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمْرَ اللَّهِ ثُمَّ قَالَ عُمَرُ اللَّهُمَّ إِنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إِذْ بَلَغَنِي
( ش ) : قَوْلُهُ : إِنَّ رَجُلًا قَدِمَ عَلَى عُمَرَ مِنْ قِبَلِ أَبِي مُوسَى فَسَأَلَهُ عَنْ النَّاسِ فَأَخْبَرَهُ عَلَى حَسَبِ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ مِنْ السُّؤَالِ عَمَّنْ غَابَ عَنْهُ مِنْ رَعِيَّتِهِ ; لِيَعْرِفَ أَحْوَالَهُمْ وَيَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ الْوَارِدِ وَالصَّادِرِ حَتَّى لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ ; لِأَنَّهُ إِذَا خَفِيَتْ عَلَيْهِ أَحْوَالُهُمْ لَمْ يُمْكِنْهُ تَلَافِيَ مَا ضَاعَ مِنْهَا. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ ثُمَّ قَالَ لَهُ هَلْ فِيكُمْ مِنْ مُغْرِبَةِ خَبَرٍ سَأَلَهُ أَوْلًا عَنْ الْمَعْهُودِ مِنْ أَحْوَالِ النَّاسِ وَمَا يَعُمُّهُمْ ثُمَّ سَأَلَهُ عَمَّا عَسَى أَنْ يَطْرَأَ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي تُسْتَغْرَبُ وَلَيْسَتْ بِمُعْتَادَةٍ فَأَخْبَرَهُ أَنَّ رَجُلًا كَفَرَ بَعْدَ إسْلَامِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ نَادِرًا عِنْدَهُمْ مِمَّا يُسْتَغْرَبُ وَلَا يَكَادُ يَسْمَعُ بِهِ وَلِذَلِكَ حَكَمَ فِيهِ أَبُو مُوسَى بِحُكْمٍ مُخَالِفٍ لِمَا يَرَاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَلَوْ كَانَ أَمْرًا يَكْثُرُ وَيَتَكَرَّرُ لَكَانَ عِنْدَ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ الْأُمَرَاءِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي ذَلِكَ عُمَرُ ; لِأَنَّهُ يَظْهَرُ مُوَافَقَةُ أَصْحَابِهِ فَيَشِيعُ ذَلِكَ أَوْ يَظْهَرُ مُخَالِفَةُ مَنْ أَخْطَأَ فَيَشِيعُ ذَلِكَ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ فَمَا فَعَلْتُمْ بِهِ بَحْثٌ عَنْ حُكْمِهِمْ فِيهِ وَتَعَرُّفٌ لَهُ ; لِيَأْمُرَ بِاسْتِدَامَةِ الصَّوَابِ وَالْإِقْلَاعِ عَنْ الْخَطَأِ فَقَالَ قَدَّمْنَاهُ فَضَرَبْنَا عُنُقَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْتِتَابَةً وَلَا غَيْرَهَا وَقَدْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُقْتَلَ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ , وإبايته مِنْ الْمُرَاجَعَةِ لَكِنَّ عُمَرَ رَضَىِ اللَّهُ عَنْهُفَهِمَ مِنْهُ تَرْكَ الِاسْتِتَابَةِ وَالْمُسَارَعَةِ إِلَى قَتْلِهِ بِنَفْسِ كُفْرِهِ وَقَدْ احْتَجَّ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ اسْتِتَابَتِهِ قَوْلُ عُمَرَ هَذَا , وَأَنْ لَا مُخَالِفَ لَهُ وَهَذَا لَا يَصِحُّ إِلَّا بِأَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا أَنْ يَحْمِلَ فِعْلَ أَبِي مُوسَى عَلَى أَنَّهُ قَتَلَ بَعْدَ الِاسْتِتَابَةِ وَلَعَلَّ النَّاقِلَ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا , وَإِنْ ثَبَتَ بَعْدَ ذَلِكَ رُجُوعُ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ مِمَّنْ وَافَقَهُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ عُمَرَ رَضَىِ اللَّهُ عَنْهُ, وَإِلَّا فَأَبُو مُوسَى وَمَنْ وَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْإِجْمَاعِ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ أَفَلَا حَبَسْتُمُوهُ ثَلَاثًا وَأَطْعَمْتُمُوهُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا يَحْتَمِلُ أَنْ يَأْخُذَ الثَّلَاثَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ - تَعَالَى - تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ ; وَلِأَنَّ الثَّلَاثَ قَدْ جُعِلَتْ أَصْلًا فِي الشَّرْعِ فِي اعْتِبَارِ مَعَانٍ وَاخْتِيَارُهَا فِي الْمُصَرَّاةِ وَفِي اسْتِظْهَارِ الْمُسْتَحَاضَةِ وَعَهْدَةِ الرَّقِيقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمَعَانِي , وَإِطْعَامُهُ الرَّغِيفَ كُلَّ يَوْمٍ مَعْنَاهُ أَنْ لَا يُوَسِّعَ عَلَيْهِ مِنْ الْإِنْفَاقِ تَوْسِعَةً يَكُونُ فِيهَا إحْسَانٌ إِلَيْهِ , وَإِنَّمَا يُعْطَى مَا يَبْقَى بِهِ رَمَقُهُ عَلَى وَجْهٍ لَا يَسْتَضِرُّ بِهِ وَلَا يَكُونُ مِنْهُ تَعْذِيبٌ لَهُ وَقَدْ رُوِيَ فِي الْمَدَنِيَّةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ فِي أَنْ يُطْعَمَ الْمُرْتَدُّ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا وَلَكِنْ يُطْعَمُ مَا يَكْفِيهِ وَيَقُوتُهُ وَلَا يَجُوعُ , وَإِنَّمَا يُطْعَمُ مِنْ مَالِهِ قَالَ ابْنُ مُزَيْنٍ : يَعْنِي فِي غَيْرِ تَوَسُّعٍ وَلَا تَفَكُّهٍ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمَوَّازِيَّةِ : يَقُوتُ مِنْ الطَّعَامِ بِمَا لَا يَضُرُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ , وَإِنَّمَا أَرَادَ ابْنُ الْقَاسِمِ بِقَوْلِهِ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى قَوْلِ عُمَرَ يُطْعَمُ كُلَّ يَوْمٍ رَغِيفًا بِمَعْنَى أَنْ لَا يَجْعَلَ ذَلِكَ حَدًّا وَلَمْ يُرِدْ عُمَرُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَدًّا , وَإِنَّمَا أَشَارَ إِلَى قِلَّةِ مُؤْنَتِهِ وَيَسَارَةِ وِرَاثَتِهِ فِي مَالِهِ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ وَاسْتَتَبْتُمُوهُ لَعَلَّهُ يَتُوبُ وَيُرَاجِعُ أَمَرَ اللَّهِ - تَعَالَى - يُرِيدُ بِهِ الرُّجُوعَ إِلَى الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّهُ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَنْ خَرَجَ مِنْ كُفْرٍ إِلَى كُفْرٍ لَا يُسْتَتَابُ وَلَا يُعْرَضُ لَهُ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَيَّرَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ يُرِيدُ الدِّينَ الَّذِي رَضِيَهُ اللَّهُ وَدَعَا إِلَيْهِ , وَأَمَّا مَنْ خَرَجَ مِنْ مِلَّةِ الْكُفْرِ إِلَى غَيْرِهِ فَلَمْ يُغَيِّرْ بِذَلِكَ دِينَهُ الَّذِي شُرِعَ لَهُ. قَالَ مَالِكٌ : سَوَاءٌ خَرَجَ إِلَى دِينِ مَجُوسٍ أَوْ كِتَابٍ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ اللَّهُمَّ إنِّي لَمْ أَحْضُرْ وَلَمْ آمُرْ وَلَمْ أَرْضَ إِذَا بَلَغَنِي تَبَرُّؤٌ مِنْ الْأَمْرِ وَتَصْرِيحٌ بِخَطَأِ فَاعِلِهِ , وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِنَصٍّ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ إجْمَاعٍ بَعْدَهُ وَقَدْ قَالَ سَحْنُونٌ : إِنَّ أَبَا بَكْرٍ اسْتَتَابَ أَهْلَ الرِّدَّةِ وَقَدْ رَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الصِّدِّيقَ اسْتَتَابَ أُمَّ قِرْفَةَ إذْ ارْتَدَّتْ فَقَتَلَهَا فَلَعَلَّهُ قَدْ عَلِمَ بِانْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ فِي زَمَنِ أَبِي بِكْرٍ وَفَعَلَ أَبُو مُوسَى غَيْرَ ذَلِكَ فَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ عُمَرُ , وَإِلَّا فَإِذَا كَانَ أَبُو مُوسَى مِنْ أَهْلِ الِاجْتِهَادِ وَحَكَمَ بِاجْتِهَادِهِ فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ وَلَا إجْمَاعَ لِغَيْرِ مَا يَرَاهُ عُمَرُ لَمْ يَبْلُغْ عُمَرُ مِنْ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدَّ وَلَوْ لَمْ يَجُزْ لِأَبِي مُوسَى ذَلِكَ لِمَا جَازَ أَنْ يُوَلِّيَهُ الْحُكْمَ حَتَّى يُطَالِعَهُ عَلَى قَضِيَّتِهِ , وَفِي هَذَا مِنْ فَسَادِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَتَوَقُّفِ الْأَحْكَامِ مَا لَا خَفَاءَ فِيهِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.



