المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1253)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1253)]
و حَدَّثَنِي مَالِك أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ شِهَابٍ يَقُولُ كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ إِبِلًا مُؤَبَّلَةً تَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ حَتَّى إِذَا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا
( ش ) : قَوْلُهُ كَانَتْ ضَوَالُّ الْإِبِلِ فِي زَمَانِ عُمَرَ إبِلًا مُؤَبَّلَةً يَعْنِي أَنَّهَا كَانَتْ لَا يَأْخُذُهَا أَحَدٌ , وَإِنْ أَخَذَ مِنْهَا الْوَاحِدَةَ مِثْلُ مَا أَخَذَ ثَابِتُ بْنُ الضَّحَّاكِ مِمَّنْ لَمْ يَبْلُغْهُ النَّهْيُ , أَوْ مِمَّنْ بَلَغَهُ النَّهْيُ وَتَأَوَّلَهُ عَلَى حَسْبِ مَا قَدَّمْنَاهُ فَكَانَ الْأَكْثَرُ لَا يُؤْخَذُ فَتَبْقَى مُؤَبَّلَةً تَتَنَاتَجُ لَا يَمَسُّهَا أَحَدٌ فَلَمَّا كَانَ زَمَانُ عُثْمَانَ أَمَرَ بِتَعْرِيفِهَا ثُمَّ تُبَاعُ لِصَاحِبِهَا يُعْطَى ثَمَنَهَا إِذَا جَاءَ , وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا كَثُرَ فِي النَّاسِ مَنْ لَمْ يَصْحَبْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم مَنْ كَانَ لَا يعف عَنْ أَخْذِهَا إِذَا تَكَرَّرَتْ رُؤْيَتُهُ لَهَا حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّهَا ضَالَّةٌ فَرَأَى أَنَّ الِاحْتِيَاطَ عَلَيْهَا أَنْ يَنْظُرَ فِيهَا الْإِمَامُ فَيَبِيعُهَا وَيَبْقَى التَّعْرِيفُ فِيهَا فَإِذَا جَاءَ صَاحِبُهَا أُعْطِيَ ثَمَنَهَا وَحُمِلَ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم فِي الْمَنْعِ مِنْ أَخْذِهَا عَلَى وَقْتِ إمْسَاكِ النَّاسِ عَنْ أَخْذِهَا وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ يَبِيعُهَا إِذَا يَئِسَ مِنْ مَجِيءِ صَاحِبِهَا بِأَنْ تَطُولَ الْمُدَدُ عَلَى ذَلِكَ وَتَتَنَاتَجُ وَيُخَافُ عَلَيْهَا الْمَوْتُ فَكَانَ فِي بَيْعِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ حِفْظٌ لَهَا عَلَى صَاحِبِهَا ; لِأَنَّهُ كَانَ يَنْقُلُهَا إِلَى الْأَثْمَانِ الَّتِي لَا يُخَافُ عَلَيْهَا , وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ كَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَدْ بَنَى لِلضَّوَالِّ مِرْبَدًا يَعْلِفُهَا فِيهِ عَلْفًا لَا يُسَمِّنُهَا وَلَا يُهَزِّلُهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَمَنْ أَقَامَ بَيِّنَةً عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا أَخَذَهُ وَإِلَّا بَقِيَتْ عَلَى حَالِهَا لَا يَبِيعُهَا وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ , وَهَذَا أَيْضًا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِيمَا قَرُبَ عَهْدُهُ مِنْهَا وَرَجَا قُرْبَ أَوْبَةِ صَاحِبِهَا وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَعَلَ ذَلِكَ فِي الْفِتْنَةِ حَيْثُ كَانَ لَا يَأْمَنُ عَلَيْهَا أَهْلَ الْفِتْنَةِ , وَلِذَلِكَ كَانَ يُكَلِّفُ مَنْ طَلَبَهَا الْبَيِّنَةَ لَمَّا كَانَ يَرَى مِنْ اسْتِحْلَالِ بَعْضِهِ مَالَ بَعْضٍ , وَلَعَلَّ الْبَيِّنَةَ الَّتِي كَلَّفَ هِيَ أَنْ يَصِفَهَا بِصِفَتِهَا , أَوْ كَلَّفَهُ الْبَيِّنَةَ إِنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَهَا مِنْ وَقْتِهِ دُونَ تَثَبُّتٍ وَلَا استيناء. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ كَانَ يَرْجِعُ عَلَى مَنْ اعْتَرَفَهُ بِمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ ذَلِكَ لَهُمْ ; لِأَنَّ بَيْتَ الْمَالِ لِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ هَذَا أَيْضًا مِنْ مَصَالِحِهِمْ لَا سِيَّمَا لَمَّا دَعَتْهُ الضَّرُورَةُ إِلَى أَخْذِهَا وَعَلْفِهَا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهَا تَرِدُ الْمَاءَ وَتَأْكُلُ الشَّجَرَ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ يَرْجِعُ عَلَيْهِمْ بِهِ , وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْآبِقِ يَتَوَقَّفُ بِهِ سَنَةً يُنْفِقُ عَلَيْهِ الْإِمَامُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهُ فَهُوَ فِيمَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيِّ , وَإِنْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهُ بَعْدَ السَّنَةِ بَاعَهُ وَأَخَذَ مِنْ ثَمَنِهِ مَا أَنْفَقَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مَا بَقِيَ فِي بَيْتِ الْمَالِ , وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ نَفَقَةٍ ; لِأَنَّهُ لَا يُسْتَغْنَى بِوَرِقِ الشَّجَرِ كَمَا تَفْعَلُهُ الْإِبِلُ فَإِنْ أَنْفَقَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ حَوْلٍ تَلِفَ ثَمَنُهُ فَلَزِمَ التَّوَقُّفُ بِهِ حَوْلًا ثُمَّ يَبِيعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِي النَّوَادِرِ قَالَ ابْنُ كِنَانَةً لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى الدَّابَّةِ الضَّالَّةِ وَلَا يَأْخُذَهَا وَلَا يَعْرِضَ لَهَا ; لِأَنَّ النَّفَقَةَ عَلَيْهَا سَبَبٌ إِلَى إخْرَاجِهَا مِنْ يَدِ صَاحِبِهَا وَرُبَّمَا جَاوَزَتْ النَّفَقَةُ ثَمَنَهَا , وَهَذَا بِخِلَافِ الْعَبْدِ الْآبِقِ ; لِأَنَّ الْعَبْدَ الْآبِقَ يَسْتَخْفِي عَنْ سَيِّدِهِ وَيَقْصِدُ التَّغَيُّبَ عَنْهُ بِخِلَافِ الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ فَإِنَّهَا لَا تَقْصِدُ ذَلِكَ , وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ فِي الْآبِقِ : يُبَاعُ بَعْدَ السَّنَةِ وَلَيْسَ بِمَنْزِلَةِ ضَالَّةِ الْإِبِلِ ; لِأَنَّهُ يَأْبَقُ ثَانِيَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.



