المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1287)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1287)]
و حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيَّبِ كَانَ يَقُولُ إِذَا دَبَّرَ الرَّجُلُ جَارِيَتَهُ فَإِنَّ لَهُ أَنْ يَطَأَهَا وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَبِيعَهَا وَلَا يَهَبَهَا وَوَلَدُهَا بِمَنْزِلَتِهَا
( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ وَلَا يَجُوزُ لَهُ بَيْعُهُ وَلَا هِبَتُهُ يُرِيدُ أَنَّ حُكْمَ التَّدْبِيرِ قَدْ لَزِمَهُ فِيهِ فَلَيْسَ لَهُ إبْطَالُهُ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَا كَانَ مِنْهُ مُطْلَقًا فَلَيْسَ لَهُ نَقْضُهُ بِقَوْلٍ وَلَا فِعْلٍ عَلَى مَا قُلْنَاهُ وَمَا كَانَ مُقَيَّدًا فَلَهُ إبْطَالُهُ وَعِنْدَنَا لَا يَجُوزُ لَهُ إبْطَالُ الْمُقَيَّدِ كَمَا لَا يَجُوزُ لَهُ إبْطَالُ الْمُطْلَقِ وَإِنَّمَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُفَسِّرَ الْمُقَيَّدَ فَيَقُولَ لَمْ أُرِدْ بِهِ التَّدْبِيرَ فَيَكُونَ لَهُ حِينَئِذٍ حُكْمُ الْوَصِيَّةِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ عَلَى تَسْلِيمِ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّ هَذَا تَدْبِيرٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ لَازِمًا كَالْمُطْلَقِ. ( مَسْأَلَةٌ ) فَإِذَا قُلْنَا يُقَدَّرُ فِي الْمُقَيَّدِ قَوْلٌ وَاحِدٌ أَنَّهُ إِذَا أُرِيدَ بِهِ التَّدْبِيرَ أَنَّهُ يَلْزَمُ فَكَذَلِكَ الْمُطْلَقُ أَوْلَى ; لِأَنَّهُ عِنْدَنَا صَرِيحٌ فِي التَّدْبِيرِ لَا يَقْبَلُ مِنْهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ غَيْرَ التَّدْبِيرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْ التَّدْبِيرِ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيَّدِ بِالْفِعْلِ دُونَ الْقَوْلِ , وَالْقَوْلُ الثَّانِي لَهُ الرُّجُوعُ بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ , وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ عَقْدُ عِتْقٍ اسْتَفَادَ بِهِ اسْمًا يُعْرَفُ بِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ إبْطَالُهُ أَصْلُهُ الْكِتَابَةُ , وَدَلِيلٌ آخَرُ أَنَّ هَذَا عَقْدُ عِتْقٍ لَيْسَ لَهُ إبْطَالُهُ بِالْفِعْلِ أَصْلُهُ مَا ثَبَتَ مِنْ ذَلِكَ لِأُمِّ الْوَلَدِ وَأَمَّا مَا تَعَلَّقُوا بِهِ مِمَّا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ رَجُلًا دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنِّي فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ نُعَيْمُ بْنُ النَّحَّامِ بِثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ قَالُوا وَهَذَا هُوَ أَبُو مَذْكُورٍ الْعَرَبِيُّ دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ يُقَالُ لَهُ يَعْفُورٌ فَبَاعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَلَيْسَ فِيمَا ادَّعَوْهُ حُجَّةٌ ; لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ دَيْنٌ قَبْلَ التَّدْبِيرِ فَبَاعَهُ لِأَدَاءِ ذَلِكَ الدَّيْنِ وَهَذَا عِنْدَنَا جَائِزٌ وَبَيِّنٌ. وَجْهُ هَذَا التَّأْوِيلِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ وَعَلَى أَصْلِهِمْ لَا تَأْثِيرَ لِقَوْلِهِ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ فِي الْحُكْمِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ , أَوْ لَا يَكُونُ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ وَعَلَى مَا نَقُولُهُ فَهُوَ مُدَبَّرٌ ; لِأَنَّهُ إِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ لَمْ يُبَعْ فِي دَيْنٍ مُتَقَدَّمٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرَهُ يَتَأَدَّى مِنْهُ الدَّيْنُ بِيعَ حِينَئِذٍ لِأَدَاءِ الدَّيْنِ وَيُبَيِّنُ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم هُوَ بَاشَرَ الْبَيْعَ وَأَمَرَ بِهِ عَلَى وَجْهِ الْحُكْمِ عَلَيْهِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ ثَمَّ دَيْنٌ يُبَاعُ مِنْ أَجْلِهِ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَإِنَّمَا بَيْعُهُ هُوَ عِنْدَهُمْ بِاخْتِيَارِهِ وَقَدْ قَالَ نَحْوَ هَذَا ابْنُ سَحْنُونٍ وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَوِيِّ أَعْتَقَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ غُلَامًا لَهُ عَنْ دُبُرٍ وَكَانَ مُحْتَاجًا وَكَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَبَاعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَهَذَا يُقَوِّي مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إِنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَقَدْ رَأَيْته لِابْنِ سَحْنُونٍ وَقَالَ قَوْمٌ إِنْ بَاعَ خَدَمَتَهُ فَذَلِكَ مُحْتَمَلٌ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِهِ أَنْ يُعْطِيَهُ مَالًا عَلَى تَعْجِيلِ عِتْقِهِ وَذَلِكَ جَائِزٌ كَمَا يَجُوزُ فِي أُمِّ الْوَلَدِ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَيْعٍ فِي رَقَبَتِهَا.


