المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1331)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1331)]
و حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ سُئِلَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبِتْعِ فَقَالَ كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ
( ش ) : قَوْلُهَا رَضِي اللَّهُ عَنْهَا سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ الْبِتْعِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانُوا يَسْتَفْهِمُونَهُ وَيَسْأَلُونَهُ عَمَّا يَشُكُّونَ مِنْ تَحْرِيمِ حَرَامٍ أَوْ تَحْلِيلِ حَلَالٍ أَوْ وُجُوبِ وَاجِبٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْبِتْعِ وَهُوَ شَرَابُ الْعَسَلِ وَذَلِكَ أَنَّهُ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَعَلِمُوا تَحْرِيمَهَا بِنَصِّ الْكِتَابِ فَسَأَلُوهُ عَمَّا يَقَعُ عَلَيْهِ هَذَا الِاسْمُ لِيَعْلَمُوا أَنَّ الَّذِي وَرَدَ مِنْ ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى عُمُومِهِ أَوْ مَخْصُوصٌ بِبَعْضِ مَا يَتَنَاوَلُهُ اللَّفْظُ فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ اسْمُ الْخَمْرِ يَقَعُ عَلَى الْبِتْعِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَشْرِبَةِ لَمَا سَأَلَتْ الْعَرَبُ إِذَا سَمِعَتْ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ عَنْ الْبِتْعِ لِأَنَّ الْبِتْعَ هُوَ الْخَمْرُ فَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ لَمْ يَبْلُغْهُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَإِنْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ النَّبِيذِ أَوْ بَلَغَهُ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ بِاسْمٍ خَاصٍّ مِثْلُ أَنْ يَبْلُغَهُ تَحْرِيمُ خَمْرِ الْعِنَبِ أَوْ تَحْرِيمُ خَمْرِ التَّمْرِ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَوْعٌ مِنْ الْخَمْرِ غَالِبًا عَلَى بَلَدٍ مِنْ الْبِلَادِ فَيَكُونُ خَمْرُ التَّمْرِ غَالِبًا عَلَى بَلَدٍ مَا وَخَمْرُ التَّمْرِ غَالِبٌ عَلَى بَلَدٍ آخَرَ وَخَمْرُ الذُّرَةِ أَغْلَبُ فِي بَلَدٍ آخَرَ فَيَكُونُ لَفْظُ الْخَمْرِ إِذَا أُطْلِقَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ كَانَ أَظْهَرَ فِيمَا هُوَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُمْ لِكَثْرَتِهِ وَكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ هَذَا الِاسْمِ فِيهِ دُونَ غَيْرِهِ مِمَّا هُوَ مَعْدُومٌ عِنْدَهُمْ فَيُسْأَلُ أَهْلُ كُلِّ بَلَدٍ عَنْ غَيْرِ مَا هُوَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُمْ لِتَجْوِيزِ أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ مَقْصُورًا عَلَى مَا هُوَ الْأَغْلَبُ عِنْدَهُمْ وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحُكْمُ وَرَدَ أَوَّلًا عَلَى سَبَبٍ فَظَنَّ هَذَا السَّائِلُ لَمَّا جُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَقْصُورًا عَلَى سَبَبِهِ وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ أَنْ يُسْأَلَ عَنْ ذَلِكَ مَنْ سَمِعَ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ فَجُوِّزَ عَلَيْهِ التَّخْصِيصُ فَسَأَلَ عَنْ الْبِتْعِ لِيَعْلَمَ إِنْ كَانَ حُكْمُ الْعُمُومِ جَازَ فِيهِ أَمْ لَا وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إِلَى الْيَمَنِ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ بِهَا أَشْرِبَةً يُقَالُ لَهَا الْبِتْعُ وَالْمِزْرُ قَالَ : وَمَا الْبِتْعُ ؟ قُلْت : شَرَابٌ يَكُونُ مِنْ الْعَسَلِ وَالْمِزْرُ يَكُونُ مِنْ الشَّعِيرِ فَقَالَ : كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ أَجَابَ عَنْ جِنْسِ الشَّرَابِ لَا عَنْ مِقْدَارِ مَا حَرُمَ مِنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْبِتْعِ وَلَمْ يُسْأَلْ عَنْ مِقْدَارٍ مِنْهُ فَلَمَّا جَاوَبَ عَنْ السُّؤَالِ اقْتَضَى ذَلِكَ جَوَابَهُ عَنْ الْجِنْسِ وَإِلَّا كَانَ عُدُولًا مِنْهُ عَمَّا سُئِلَ عَنْهُ وَذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ عَلَيْهِ وَإِذَا كَانَ جَوَابًا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ السُّؤَالِ وَكَانَ السُّؤَالُ يَقْتَضِي الْجِنْسَ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْجَوَابُ مِثْلَهُ وَإِنْ كَانَ أَعَمَّ مِنْهُ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ إنَّمَا سُئِلَ عَنْ جِنْسِ شَرَابٍ هَلْ هُوَ حَرَامٌ أَوْ حَلَالٌ وَلَوْ سُئِلَ عَنْ أَبْعَاضِهِ وَمَقَادِيرِهِ لَقَالَ مَا يَحِلُّ مِنْهُ وَمَا يَحْرُمُ فَلَمَّا كَانَ السُّؤَالُ عَنْ الْبِتْعِ يَقْتَضِي السُّؤَالَ عَنْ جَمِيعِهِ ثَبَتَ أَنَّهُ سُؤَالٌ عَنْ جِنْسِهِ وَجَوَابُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ يَقْتَضِي الْجَوَابَ عَنْ أَجْنَاسِ الشَّرَابِ لِيَكُونَ مُقَابِلًا لِلسُّؤَالِ وَلِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَلَّقَ الْحُكْمَ عَلَى الْجِنْسِ فَقَالَ : كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ حَرَامٌ فَكَانَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ وَلَوْ أَرَادَ الْإِخْبَارَ عَنْ أَبْعَاضِهِ وَإِنَّ بَعْضَ مَقَادِيرِهِ حَرَامٌ وَبَعْضَهَا حَلَالٌ لَقَالَ : كُلُّ مِقْدَارٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَقَالَ : كُلُّ مَا أَسْكَرَ مِنْهُ فَهُوَ حَرَامٌ وَلَاسْتَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ لَفْظَ الشَّرَابِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ اسْمَ الشَّرَابِ وَاقِعٌ عَلَى الْجِنْسِ دُونَ بَعْضِ مَقَادِيرِهِ فَإِذَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِالْجِنْسِ وَلَمْ يُعَلِّقْهُ بِالْقَدْرِ كَانَ الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ دُونَ الْقَدْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.



