المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1376)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1376)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ قَطَنِ بْنِ وَهْبِ بْنِ عُمَيْرِ بْنِ الْأَجْدَعِ أَنَّ يُحَنَّسَ مَوْلَى الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَخْبَرَهُ أَنَّهُ كَانَ جَالِسًا عِنْدَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْفِتْنَةِ فَأَتَتْهُ مَوْلَاةٌ لَهُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ فَقَالَتْ إِنِّي أَرَدْتُ الْخُرُوجَ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ اشْتَدَّ عَلَيْنَا الزَّمَانُ فَقَالَ لَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ اقْعُدِي لُكَعُ فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ إِلَّا كُنْتُ لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ
( ش ) : قَوْلُ الْمَرْأَةِ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ : إنِّي أَرَدْت الْخُرُوجَ تُرِيدُ مِنْ الْمَدِينَةِ , وَقَوْلُهَا اشْتَدَّ عَلَيْهَا الزَّمَانُ تُرِيدُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ لِقِلَّةِ الْأَقْوَاتِ وَلِضِيقِ التَّصَرُّفِ بِهَا مِنْ أَجْلِ الْفِتْنَةِ , وَلَعَلَّهُ قَدْ اقْتَرَنَ بِذَلِكَ مِنْ مَنْعِ جَلْبِ الْأَقْوَاتِ إلَيْهَا مَا أَغْلَى الْأَقْوَاتِ بِهَا. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ اُقْعُدِي لُكَعُ عَلَى وَجْهِ الْإِنْكَارِ عَلَيْهَا وَالتَّبَسُّطِ بِالسَّبِّ عَلَى وَجْهِ النُّصْحِ لَهَا وَالْإِشْفَاقِ عَلَيْهَا لِخَطَئِهَا فِيمَا تُرِيدُ مِنْ الِانْتِقَالِ عَنْ الْمَدِينَةِ مَا فِي مُلَازَمَتِهَا وَالصَّبْرِ عَلَى شِدَّتِهَا مِنْ الْأَجْرِ الْجَزِيلِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم لَا يَصْبِرُ عَلَى لَأْوَائِهَا وَشِدَّتِهَا أَحَدٌ اللَّأْوَاءُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ هُوَ الْجُوعُ وَتَعَذُّرُ التَّكَسُّبِ وَالشِّدَّةُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا اللَّأْوَاءَ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهَا كُلَّ مَا يَشْتَدُّ بِهِ سُكْنَاهَا , وَتَعْظُمُ مَضَرَّتُهُ , وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : إِلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا أَوْ شَهِيدًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنْ ابْنِ عُمَرَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنْ الرَّاوِي عَنْهُ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ : هُوَ شَكٌّ مِنْ الْمُحَدِّثِ وَقَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَالشَّفَاعَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ , وَهِيَ شَفَاعَةٌ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ لِمَنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ , وَشَفَاعَةٌ فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ خَاصَّةً , وَقَدْ تَظَاهَرَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم بِشَفَاعَتِهِ لِمُذْنِبِي أُمَّتِهِ وَخُرُوجِهِمْ مِنْ النَّارِ بِشَفَاعَتِهِ , وَلَمْ يَخْتَلِفْ فِي هَذِهِ الشَّفَاعَةِ أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنْ كَانَ لَفْظُ الْحَدِيثِ كُنْت لَهُ شَفِيعًا , فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الشَّفَاعَةَ لِمُذْنِبِهِمْ فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ , وَالشَّفَاعَةَ لِمُحْسِنِهِمْ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ , فَيَكُونُ مَعْنَاهُ إِلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا مِنْ النَّارِ إِنْ اُمْتُحِنَ بِهَا , أَوْ شَفِيعًا فِي زِيَادَةِ دَرَجَاتِهِ فِي الْجَنَّةِ إِنْ سَلِمَ مِنْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ إِلَّا كُنْت لَهُ شَفِيعًا فِي الْخُرُوجِ مِنْ النَّارِ إِنْ احْتَاجَ ذَلِكَ فَتَخْتَصُّ شَفَاعَتُهُ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ بِالْمُذْنِبِينَ , وَالْأَوَّلُ أَعَمُّ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا أَرَادَ , وَقَوْلُهُ أَوْ شَهِيدًا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ شَهِيدٌ لَهُ بِالْمَقَامِ الَّذِي فِيهِ الْأَجْرُ , وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ لِشَهَادَتِهِ فَضْلًا فِي الْأَجْرِ وَإِحْبَاطًا لِلْوِزْرِ , فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ سُكْنَاهُ فِي الْمَدِينَةِ يَثْبُتُ وَيُوجَدُ ثَابِتًا فِي جُمْلَةِ حَسَنَاتِهِ إِلَّا أَنَّ لِشَهَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم زِيَادَةَ أَجْرٍ وَمَزِيَّةً , وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فِي قَتْلَى أُحُدٍ هَؤُلَاءِ أَنَا شَهِيدٌ عَلَيْهِمْ , وَاللَّهُ أَعْلَمُ , وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي أَنَّ فَضِيلَةَ اسْتِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَالْبَقَاءِ بِهَا بَاقِيَةٌ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم.


