المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1564)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1564)]
حَدَّثَنِي مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ فَخَطَبَا فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهِمَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا أَوْ قَالَ إِنَّ بَعْضَ الْبَيَانِ لَسِحْرٌ
( ش ) : قَوْلُهُ قَدِمَ رَجُلَانِ مِنْ الْمَشْرِقِ هُمَا عَمْرُو بْنُ الْأَصَمِّ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا ذَمٌّ لِلْبَيَانِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَذْهَبُ مَالِكٍ بِإِدْخَالِهِ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ مَا يُكْرَهُ مِنْ الْكَلَامِ بِغَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَمِّهِ بِأَنْ جَعَلَهُ جُزْءًا مِنْ السِّحْرِ أَوْ مِنْ جِنْسِ السِّحْرِ وَالسِّحْرُ مَذْمُومٌ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى إِنَّ الطَّلِقَ اللِّسَانُ لَا يَزَالُ صَاحِبُهُ يُكَلِّمُهُ حَتَّى يَأْخُذَ بِسَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَبَصَرِهِ كَمَا يَأْخُذُ السَّاحِرُ أَلَا تَرَى مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أَنَّهُ قَالَ مَا أُعْطِيَ الْعَبْدُ شَرًّا مِنْ طَلَاقَةِ اللِّسَانِ وَقَالَ قَوْمٌ خَرَجَ مَخْرَجَ الْمَدْحِ لِلْبَيَانِ ; لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ عَدَّدَ الْبَيَانَ فِي النِّعَمِ الَّتِي تَفَضَّلَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ فَقَالَ تَعَالَى خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم مِنْ أَبْلَغِ النَّاسِ وَأَفْضَلِهِمْ بَيَانًا وَبِذَلِكَ وَصَفَهُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ فَقَالَ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَالْعَرَبُ تَمْدَحُ بِذَلِكَ وَلَا تَذُمُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الَّذِي ذَهَبَ إِلَيْهِ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ لَهُ وَجْهٌ إِنْ كَانَ الْبَيَانُ بِمَعْنَى الْإِلْبَاسِ وَالتَّمْوِيهِ عَنْ حَقٍّ إِلَى بَاطِلٍ فَلَيْسَ يَكُونُ الْبَيَانُ حِينَئِذٍ فِي الْمَعَانِي وَإِنَّمَا يَكُونُ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي التَّمْوِيهِ وَالتَّلْبِيسِ فَيُسَمَّى بَيَانًا بِمَعْنَى أَنَّهُ أَتَى فِي ذَلِكَ بِأَبْلَغَ مَا يَكُونُ مِنْ بَابِهِ فَيَكُونُ فِي مِثْلِ هَذَا قَدْ سَحَرَهُ وَفَتَنَهُ فَيَكُونُ ذَلِكَ ذَمًّا وَأَمَّا الْبَيَانُ فِي الْمَعَانِي وَإِظْهَارِ الْحَقَائِقِ فَمَمْدُوحٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ , وَإِنْ وُصِفَ بِالسِّحْرِ فَإِنَّمَا يُوصَفُ بِذَلِكَ عَلَى مَعْنَى تَعَلُّقِهِ بِالنَّفْسِ وَتَلَبُّسِهِ بِهَا وَمَيْلِهَا إِلَيْهِ وَلَا يُشَكُّ أَنَّ مَا أَتَى بِهِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ عليه السلام أَبْيَنُ مِمَّا جَاءَتْ بِهِ السَّحَرَةُ وَأَوْضَحُ عَنْ الْحَقِيقَةِ , وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ أَنْ يَمْدَحَ الْإِنْسَانُ فَيُصَدَّقُ بِهِ حَتَّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إِلَى قَوْلِهِ ثُمَّ يَذُمَّهُ فَيُصَدَّقُ حَتَّى يَصْرِفَ الْقُلُوبَ إِلَى قَوْلِهِ الْآخَرِ فَكَأَنَّهُ سَحَرَ السَّامِعِينَ وَرُوِيَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَفْدٌ فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ الْأَصَمِّ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْثَمِ فَفَخَرَ الزِّبْرِقَانُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَا سَيِّدُ تَمِيمٍ وَالْمُطَاعُ فِيهِمْ وَالْمُجَابُ فِيهِمْ آخِذٌ لَهُمْ بِحُقُوقِهِمْ وَأَمْنَعُهُمْ مِنْ الظُّلْمِ وَهَذَا يَعْلَمُ ذَلِكَ يَعْنِي عَمْرَو بْنَ الْأَهْثَمِ فَقَالَ عَمْرٌو : إنَّهُ لَشَدِيدُ الْعَارِضَةِ مَانِعٌ لِجَانِبِهِ مُطَاعٌ فِي أَدَانِيهِ , فَقَالَ الزِّبْرِقَانُ : وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ كَذَبَ وَمَا مَنَعَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ إِلَّا الْحَسَدُ ; فَقَالَ عَمْرٌو : أَنَا أَحْسُدُك ! فَوَاَللَّهِ إنَّك لَلَئِيمُ الْخَالِ حَدِيثُ الْمَالِ أَحْمَقُ الْوَالِدِ مُبْغَضُ فِي الْعَشِيرِ , وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ صَدَقْت أَوَّلًا وَمَا كَذَبْت آخِرًا وَلَكِنِّي رَجُلٌ رَضِيت فَقُلْت أَحْسَنَ مَا عَلِمْت وَغَضِبْت فَقُلْت أَقْبَحَ مَا وَجَدْت ; فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم : إِنَّ مِنْ الْبَيَانِ لَسِحْرًا.



