المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (408)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (408)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حَبَّانَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّ أُنَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْتَ عَلَى حَاجَتِكَ فَلَا تَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لَقَدْ ارْتَقَيْتُ عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّكَ مِنْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ قَالَ قُلْتُ لَا أَدْرِي وَاللَّهِ قَالَ مَالِك يَعْنِي الَّذِي يَسْجُدُ وَلَا يَرْتَفِعُ عَلَى الْأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ
( ش ) : قَوْلُهُ كَانَ يَقُولُ إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْت عَلَى حَاجَتِك فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْكَرَ مِنْ ذَلِكَ قَوْلَ مَنْ يَحْمِلُهُ عَلَى عُمُومِهِ وَرَأَى عَبْدُ اللَّهِأَنَّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِي الصَّحَارِي دُونَ الْبُنْيَانِ وَبِذَلِكَ أَوْرَدَ الْحُجَّةَ فِي إبَاحَتِهِ فَقَالَ لَقَدْ رَقِيت عَلَى ظَهْرِ بَيْتٍ لَنَا فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى لَبِنَتَيْنِ مُسْتَقْبِلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ارْتَقَى مِنْ ظَهْرِ بَيْتِهِ مَوْضِعًا يَطَّلِعُ مِنْهُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي خَلَاءٍ وَلَا يَجُوزُ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنْ يَطَّلِعَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ غَيْرِ إذْنٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَأْذُونًا لَهُ فِي الِاطِّلَاعِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَوْضِعُ فِي دَارٍ عَهِدَهَا ابْنُ عُمَرَ غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فَدَخَلَ فِيهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى هَذِهِ الْحَالِ وَقَدْ رَوَى فِي الْمَبْسُوطِ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ حَانَتْ مِنِّي لَفْتَةٌ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَخْدَعِ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَلَمْ يَقْصِدْ النَّظَرَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى تِلْكَ الْحَالِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ مُسْتَقْبِلُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِحَاجَتِهِ يَقْتَضِي أَنَّهُكَانَ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ وَكَذَلِكَ رَوَى عُبَيْدُ اللَّهِ ابْنُ عُمَرَ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ مُسْتَقْبِلَ الشَّامِ عَلَى أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَذَكَرَ عُمَرُ الْمَنْعَ فِيهِمَا جَمِيعًا فَقَالَ إِنَّ نَاسًا يَقُولُونَ إِذَا قَعَدْت عَلَى حَاجَتِك فَلَا تَسْتَقْبِلِ الْقِبْلَةَ وَلَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَإِنَّمَا فَرَّقَ بَيْنَ الْبُنْيَانِ وَالصَّحَارِي لِأَنَّ الْبُنْيَانَ مَوْضِعُ ضَرُورَةٍ وَضِيقٍ لَيْسَ كُلُّ مَنْ بَنَى خَلَاءً يُمْكِنُ أَنْ يَصْرِفَهُ عَنْ الْقِبْلَةِ , وَالصَّحَارِي مَوْضِعُ اتِّسَاعٍ وَتَمَكُّنٍ وَيُمْكِنُهُ فِي الْأَغْلَبِ أَنْ يَنْحَرِفَ فِي جُلُوسِهِ عَنْ الْقِبْلَةِ إذْ لَيْسَ هُنَاكَ مَانِعٌ يَمْنَعُهُ. ( فَرْعٌ ) إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي الْوَطْءِ وَهُوَ مُسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةِ فَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ إبَاحَتَهُ وَعَنْ ابْنِ حَبِيبٍ كَرَاهِيَتَهُ وَاَلَّذِي فِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ سُئِلَ أَيُجَامِعُ الرَّجُلُ إِلَى الْقِبْلَةِ فَقَالَ لَا أَحْفَظُ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْئًا وَأَرَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنَّهُ لَا يَرَى بِالْمَرَاحِيضِ بَأْسًا فِي الْمُدُنِ وَهَذَا يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ جَوَابَهُ إنَّمَا كَانَ فِي الْبُنْيَانِ , وَأَمَّا فِي الصَّحَارِيِ فَلَمْ يَجِبُ عَنْهَا , وَالْوَجْهُ الثَّانِي مَا تَأَوَّلَهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْمَنْعَ إنَّمَا كَانَ لِاسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بِالْغَائِطِ وَالْبَوْلِ فِي الصَّحَارِي إكْرَامًا لِلْقِبْلَةِ لِعَدَمِ السُّتْرَةِ فَإِذَا سَتَرَ الْبُنْيَانُ الْقِبْلَةَ جَازَ ذَلِكَ وَإِذَا كَانَ الْوَطْءُ الْمُبَاحُ لَا يَكُونُ إِلَّا تَحْتَ سُتْرَةٍ لَمْ يَكُنْ فِيهِ اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ بِفَرْجٍ فَجَازَ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ رضي الله عنه وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَظْهَرُ عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ لَعَلَّك مِنْ الَّذِينَ يُصَلُّونَ عَلَى أَوْرَاكِهِمْ عَلَى وَجْهِ التَّحْذِيرِ لَهُ مِنْ الصَّلَاةِ عَلَيْهَا وَالْعَيْبُ عَلَى مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَمَعْنَى الصَّلَاةِ عَلَىالْأَوْرَاكِ أَنْ لَا يَرْتَفِعَ فِي سُجُودِهِ عَنْ الْأَرْضِ يَسْجُدُ وَهُوَ لَاصِقٌ بِالْأَرْضِ وَلَا يُقِيمُ وِرْكَهُ وَإِنَّمَا يَفْتَحُ رُكْبَتَيْهِ وَيُفَرِّجُهُمَا حَتَّى يَصِيرَ كَالْمُعْتَمِدِ عَلَى وِرْكَيْهِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ يَعْنِي الَّذِي يَسْجُدُ وَلَا يَرْتَفِعُ إِلَى آخَرِ الْكَلَامِ مِنْ لَفْظِ مَالِكٍ فَسَرَدَ ذَلِكَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ فِي رِوَايَتِهِ عَنْهُ وَأَدْخَلَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الرُّخْصَةِ فِي اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَإِنَّمَا فِي الْحَدِيثِ اسْتِقْبَالُ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ الِاسْتِقْبَالَ وَالِاسْتِدْبَارَ فَإِذَا اسْتَقْبَلَ بِالْمَدِينَةِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَقَدْ اسْتَدْبَرَ مَكَّةَ فَشَمَلَ النَّهْيُ عَنْهُ الِاسْتِدْبَارَ فَرَاعَى مَالِكٌ الْمَعْنَى دُونَ اللَّفْظِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْقِبْلَةِمَكَّةَ دُونَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحَارِي يَتَعَلَّقُ بِمَكَّةَ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ تَكُونَ الْقِبْلَةُ فِي التَّرْجَمَةِ بَيْتَ الْمَقْدِسِ لِأَنَّهَا قَدْ كَانَتْ قِبْلَةً وَإِنْ نُسِخَتْ الصَّلَاةُ إلَيْهَا فَإِنَّ سَائِرَ أَحْكَامِهَا بَاقِيَةٌ وَحُرْمَتَهَا ثَابِتَةٌ عَلَى حَسْبِ مَا كَانَتْ عَلَيْهِ قَبْلَ النَّسْخِ فَيَكُونُ الْمَنْعُ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ مَنْعًا مِنْ اسْتِقْبَالِ مَكَّةَوَمِنْ اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ كَانَ قِبْلَةً وَعَلَى هَذَا فَالْمَنْعُ بَاقٍ فِي اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ لِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ فِي الصَّحَارِيِ عَلَى حَسْبِ مَا هُوَ فِي اسْتِقْبَالِ مَكَّةَ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم نَهَى أَنْ تُسْتَقْبَلَ وَاحِدَةٌ مِنْ الْقِبْلَتَيْنِ لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إسْنَادُهُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ إِلَى الْكَعْبَةِفَيَقْتَضِي ذَلِكَ الْمَنْعَ مِنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ بَعْدَ النَّسْخِ وَأَنْ يَكُونَ حُرْمَةُ بَيْتِ الْمُقَدَّسِ بَاقِيَةً فِي هَذَا الْبَابِ بَعْدَ النَّسْخِ , وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنْ يَكُونَ نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ حِينَ كَانَتْ تُسْتَقْبَلُ بِالصَّلَاةِ ثُمَّ نَهَى عَنْ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ حِينَ صُرِفَتْ الْقِبْلَةُ إلَيْهَا فَيَعْلَمُ بِذَلِكَ أَنَّ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ مَمْنُوعٌ بَعْدَ النَّسْخِ وَيَنْظُرُ فِي اسْتِقْبَالِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إِلَى مَا يَقْتَضِي غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.



