المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (536)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (536)]
و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ شَرِبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ فَسَأَلَ الَّذِي سَقَاهُ مِنْ أَيْنَ هَذَا اللَّبَنُ فَأَخْبَرَهُ أَنَّهُ وَرَدَ عَلَى مَاءٍ قَدْ سَمَّاهُ فَإِذَا نَعَمٌ مِنْ نَعَمْ الصَّدَقَةِ وَهُمْ يَسْقُونَ فَحَلَبُوا لِي مِنْ أَلْبَانِهَا فَجَعَلْتُهُ فِي سِقَائِي فَهُوَ هَذَا فَأَدْخَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ
( ش ) : قَوْلُهُ إنَّهُ شَرِبَ لَبَنًا فَأَعْجَبَهُ يُرِيدُ اسْتَطَابَهُ فَسَأَلَ مَنْ سَقَاهُ إِيَّاهُ فَذَكَرَ أَنَّهُ مِنْ نَعَمِ الصَّدَقَةِ وَأَنَّهُ أَخَذَهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَأَدْخَلَ عُمَرُ يَدَهُ فَاسْتَقَاءَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّبَنَ كَانَ مِنْ الصَّدَقَاتِ وَلَعَلَّهَا لَمْ تَبْلُغْ مَحِلَّهَا ; لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا اللَّبَنُ أُعْطِيَ لِمَنْ لَيْسَ مِنْ أَصْنَافِ الصَّدَقَةِ مِثْلُ أَنْ يَكُونَ غَنِيًّا أَوْ مَمْلُوكًا فَلِذَلِكَ استقاءه عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , وَإِنَّمَا استقاءه لِئَلَّا يَنْتَفِعَ بِهِ وَهُوَ لَا يَسْتَدِيمُ لَذَّتَهُ وَلَا يُسَوِّغُ نَفْسَهُ لَذَّةً أَصْلُهَا مَحْظُورٌ , وَإِنْ لَمْ يَأْتِهَا قَصْدًا وَهَذَا نِهَايَةٌ فِي الْوَرَعِ وَالتَّوَقِّي , وَإِنْ كَانَ الَّذِي سَقَاهُ إِيَّاهُ عَبْدُهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ أَخْرَجَ قِيمَتَهُ مَعَ ذَلِكَ وَأَوْصَلَهَا إِلَى الْمَسَاكِينِ وَلَوْ كَانَ الَّذِي حَلَبَ لَهُ هَذَا اللَّبَنَ مُسْتَحِقًّا لِلصَّدَقَةِ لَمَا حَرُمَ عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْقَصْدُ إِلَى شُرْبِهِ وَلَجَازَ لَهُ ذَلِكَ كَمَا جَازَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أَكْلُ اللَّحْمِ الَّذِي تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ , وَقَالَ هُوَ لَهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيَّةٌ وَهَذَا الَّذِي فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِ ; لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَهْلَكَهُ بِالشُّرْبِ وَلَا فَائِدَةَ فِي أَكْثَرَ مِمَّا ذَكَرْنَا مِنْ تَرْكِ الِانْتِفَاعِ بِهِ تَوَرُّعًا. وَقَدْ سَأَلَ يَحْيَى بْنُ مُزَيْنٍ عِيسَى بْنَ دِينَارٍ فَقَالَ لَهُ أَرَأَيْت لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَهُ مِثْلُ هَذَا أَكَانَ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَالَ عِيسَى نَعَمْ مَا أَحْسَنَ ذَلِكَ , وَإِنَّمَا أَرَادَ التَّنَاهِي فِي الْوَرَعِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ هُوَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِ اللَّازِمُ لَهُ.



