المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (836)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (836)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ أَيُّوبَ بْنِ أَبِي تَمِيمَةَ السَّخْتِيَانِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ مَنْ نَسِيَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ تَرَكَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا قَالَ أَيُّوبُ لَا أَدْرِي قَالَ تَرَكَ أَوْ نَسِيَ قَالَ مَالِك مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ هَدْيًا فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ نُسُكًا فَهُوَ يَكُونُ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُ النُّسُكِ
( ش ) : قَوْلُهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُهْرِقْ دَمًا يُرِيدُ مِمَّا هُوَ مَشْرُوعٌ فِي نُسُكِهِ وَذَلِكَ أَنَّ النُّسُكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَضْرُبٍ : ضَرْبٌ هُوَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ وَهُوَ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ فِي الْعُمْرَةِ , وَفِي الْحَجِّ الْإِحْرَامُ وَالطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ هَذَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَزَادَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ رَمْيَ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ فَهَذَا مَنْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْهُ لَمْ يَصِحَّ نُسُكُهُ وَكَانَ عَلَيْهِ إتْمَامُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ عَنْهُ دَمٌ وَلَا غَيْرُهُ وَضَرْبٌ ثَانٍ وَهُوَ مُوجِبَاتُ الْحَجِّ وَلَيْسَ بِرُكْنٍ مِنْ أَرْكَانِهِ كَالْإِحْرَامِ مِنْ الْمِيقَاتِ لِمَنْ مَرَّ بِهِ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ وَطَوَافِ الْوُرُودِ لِغَيْرِ الْمُرَاهِقِ وَالْمَبِيتِ بِالْمُزْدَلِفَةِ لِلْحَاجِّ وَرَمْيِ الْجِمَارِ كُلِّهَا عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْمَذْهَبِ أَوْ رَمْيِ الْجِمَارِ فِي أَيَّامِ التَّشْرِيقِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ مَذْهَبِ ابْنِ الْمَاجِشُونِ وَالْمَبِيتِ بِمِنًى لَيَالِي مِنًى فَهَذِهِ الَّتِي أَرَادَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ تَأَوَّلَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ وَفِيمَا يُوجِبُ الْفِدْيَةَ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَمَا يَجْرِي مَجْرَى ذَلِكَ مِمَّا سَيَأْتِي بَيَانُهُ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ لَيْسَتْ مِنْ وَاجِبَاتِ الْحَجِّ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ أَحْكَامِهِ الْمَشْرُوعَةِ فِيهِ عَلَى وَجْهِ النَّدْبِ وَالِاسْتِحْبَابِ كَالْخُرُوجِ إِلَى مِنًى يَوْمَ التَّرْوِيَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَصَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِهَا وَصَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالْمَبِيتِ بِهَا ثُمَّ صَلَاةِ الصُّبْحِ بِهَا يَوْمَ عَرَفَةَ وَالْمُقَامِ بِالْمُزْدَلِفَةِ حَتَّى يُصْبِحَ وَتَقْدِيمِ الرَّمْيِ عَلَى الذَّبْحِ وَتَقْدِيمِ الذَّبْحِ عَلَى الْحِلَاقِ وَرَمْيِ الْجَمْرَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ أَعْلَاهُمَا وَالْوُقُوفِ عِنْدَهُمَا وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ فَهَذِهِ كُلُّهَا مَشْرُوعٌ الْإِتْيَانُ بِهَا مَنْدُوبٌ إلَيْهَا فَمَنْ تَرَكَهَا أَوْ نَسِيَهَا فَقَدْ تَرَكَ الْأَفْضَلَ وَلَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ دَمٌ وَلَا غَيْرُهُ. ( ش ) : قَوْلُهُ مَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ هَدْيًا يُرِيدُ أَنَّ مَا يَلْزَمُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مِنْ الْهَدْيِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ تَفْسِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ هَذَا فَلَا يَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ لِأَنَّ الْهَدَايَا لَا تَكُونُ إِلَّا بِمَكَّةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيًا إِلَّا بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ وَمَا كَانَ مِنْ ذَلِكَ نُسُكًا فَهُوَ يَكُونُ حَيْثُ أَحَبَّ صَاحِبُ النُّسُكِ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ هَاهُنَا النُّسُكُ فِدْيَةُ الْأَذَى لِأَنَّهُ الَّذِي لِصَاحِبِهِ أَنْ يَذْبَحَهُ حَيْثُ شَاءَ إِذَا لَمْ يَثْبُتْ لَهُ حُكْمُ الْهَدْيِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ وَاسْمُ النُّسُكِ يَصِحُّ أَنْ يَقَعَ عَلَى فِدْيَةِ الْأَذَى وَعَلَى الْهَدْيِ وَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ أَعْمَالِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَيَقَعُ عَلَى جُمْلَةِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ لَكِنَّ الْمُرَادَ بِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إرَاقَةُ الدَّمِ عَلَى وَجْهِ الْفِدْيَةِ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِمَّا ذَكَرْنَا أَنَّهُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ النُّسُكِ اسْمٌ مُخْتَصٌّ بِهِ وَإِنْ كَانَ اسْمُ النُّسُكِ يَعُمُّ ذَلِكَ كُلَّهُ فَمَا يُهْدِي اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ الْهَدْيُ وَلِمَا يَخْرُجُ عَلَى وَجْهِ الْفِدْيَةِ اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ الْفِدْيَةُ وَلِسَائِرِ الْأَفْعَالِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا اسْمٌ يَخْتَصُّ بِهَا مِنْ رَمْيِ جِمَارٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِالنُّسُكِ هَاهُنَا دَمَ الْفِدْيَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ : إِنَّ لَهُ أَنْ يَجْعَلَهُ حَيْثُ شَاءَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْلَهُ مَنْ تَرَكَ مِنْ نُسُكِهِ شَيْئًا أَرَادَ بِهِ تَرْكَ شَيْءٍ مِنْ الْمَنَاسِكِ أَوْ فِعْلَ شَيْءٍ مِنْ أَفْعَالِ الْحَجِّ أَوْ تَرْكَ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْإِحْرَامِ وَهِيَ الِامْتِنَاعُ مِنْ اللِّبَاسِ وَالطِّيبِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ مَحْظُورَاتِ الْإِحْرَامِ الَّتِي تَجِبُ بِهَا الْفِدْيَةُ وَكَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ مَنْ نَسِيَ شَيْئًا مِنْ نُسُكِهِ فَأَخَلَّ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ إحْرَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَحْكَمُ.



