المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (901)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (901)]
و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ أَتَتْ امْرَأَةٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَتْ إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ ابْنِي فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تَنْحَرِي ابْنَكِ وَكَفِّرِي عَنْ يَمِينِكِ فَقَالَ شَيْخٌ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَيْفَ يَكُونُ فِي هَذَا كَفَّارَةٌ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { وَالَّذِينَ يُظَاهِرُونَ } مِنْكُمْ { مِنْ نِسَائِهِمْ } ثُمَّ جَعَلَ فِيهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ مَا قَدْ رَأَيْتَ
( ش ) : قَوْلُ الْمَرْأَةِ الْمُسْتَفْتِيَةِ إنِّي نَذَرْت أَنْ أَنْحَرَ ابْنِي تُرِيدُ أَنَّهَا أَتَتْ بِذَلِكَ وَالْتَزَمَتْهُ عَلَى وَجْهِ النَّذْرِ وَالتَّقَرُّبِ لِلَّهِ تَعَالَى بِهِ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَا تَنْحَرِي ابْنَك وَكَفِّرِي عَنْ يَمِينِك فَمَنَعَهَا مِنْ النَّحْرِ الَّذِي عَلَّقَتْ بِهِ النَّذْرَ لِأَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لَا تَحِلُّ بِنَذْرٍ وَلَا غَيْرِهِ وَقَالَ لَهَا كفرى عَنْ يَمِينِك فَسَمَّاهُ يَمِينًا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا لَمَّا كَانَتْ كَفَّارَتُهُ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ كَفَّارَةَ يَمِينٍ سَمَّاهُ لِذَلِكَ يَمِينًا وَالثَّانِي أَنَّهُ لَعَلَّهُ فَهِمَ مِنْهَا أَنَّهَا أَتَتْ بِذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الْيَمِينِ مِثْلُ أَنْ تَقُولَ إِنْ دَخَلْت الدَّارَ فَلِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَ ابْنِي فَعَلَى هَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِقَوْلِهِ كفرى عَنْ يَمِينِك الْهَدْيَ أَوْ غَيْرَهُ مِمَّا يُوجِبُ عَلَيْهَا ذَلِكَ وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِيمَنْ قَالَ لِابْنِهِ أَوْ لِأَجْنَبِيٍّ فِي يَمِينٍ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَنْحَرَكَ فَحَنِثَ فَإِنَّهُ عَلَى ضَرْبَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يُعَلِّقَ ذَلِكَ مَكَانَ النَّحْرِ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ أَنَحْرُك عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ أَوْ عِنْدَ الْبَيْتِ أَوْ الْمَسْجِدِ أَوْ بِمِنًى أَوْ بِمَكَّةَ وَالثَّالِثُ أَنْ يَذْكُرَ مَوْضِعًا لَمْ يُشْرَعْ فِيهِ النَّحْرُ مِثْلَ أَنْ يَقُولَ بِالْبَصْرَةِ أَوْ بِالْكُوفَةِ فَأَمَّا الْأُولَى وَهُوَ أَنْ يُعَلِّقَ نَحْرَهُ بِمَوْضِعِ النَّحْرِ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ عَلَيْهِ الْهَدْيُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَمَّا أَخْرَجَهُ مَخْرَجَ النُّذُورِ وَعَلَّقَ ذَلِكَ بِمَوْضِعِ النَّذْرِ عُلِمَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْقُرْبَةَ وَلِهَذَا الْمَعْنَى تَعَلَّقَ بِالْقُرْبَةِ عَلَى وَجْهِ الْبَدَلِ لِمَا وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ إبْرَاهِيمَ عليه السلام وَمَا آلَ إِلَيْهِ حُكْمُهُ فِي نَحْرِ ابْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَزِمَهُ فِي ذَلِكَ الْهَدْيُ لِأَنَّ نَحْرَ ابْنِهِ لَا يَحِلُّ فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهِ النَّذْرُ وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ النَّذْرُ فِي ذَلِكَ بِمَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ الْهَدْيِ ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا إِذَا لَمْ يُسَمِّ شَيْئًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ لَهُ نِيَّةٌ أَوْ لَا نِيَّةَ لَهُ فَإِنْ كَانَ نَوَى الْهَدْيَ لَزِمَهُ لِمَا قَدَّمْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَنْوِ الْهَدْيَ فَعَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا لَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَالثَّانِيَةُ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ يَمِينٍ وَبِهَا قَالَ أَصْبَغُ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ نَذْرُ مَعْصِيَةٍ لَمْ يَقْرُنْ بِهَا مَا يَصْرِفُهَا إِلَى الْمَعْصِيَةِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ نَذْرُهُ كَمَا لَوْ نَذَرَ قَتْلَهُ وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا النَّذْرَ لَهُ جِهَةٌ مِنْ الْقُرْبَةِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ مُفَسَّرًا كَانَ كَالنَّذْرِ الْمُبْهَمِ فَلَزِمَهُ بِهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ مَنْ نَذَرَ ذَبْحَ ابْنِهِ فِي يَمِينٍ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْقُرْبَةِ فَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَإِنْ نَذَرَهُ نَذْرًا مُجَرَّدًا لَا يَقْصِدُ بِهِ الْقُرْبَةَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا أَرَادَ الْقُرْبَةَ فَإِنَّ لَهُ مَعْهُودًا فِي الشَّرْعِ وَهُوَ قِصَّةُ إبْرَاهِيمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَبْحِ ابْنِهِ وَفْدَاهُ اللَّهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَإِذَا لَمْ يَنْوِ قُرْبَةً فَقَدْ نَذَرَ مُجَرَّدَ الْمَعْصِيَةِ وَفَرَّقَ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ بَيْنَ الْيَمِينِ وَالنَّذْرِ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ يُوجِبُ الْهَدْيَ فِي الْيَمِينِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَلَعَلَّهُ قَصَدَ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْيَمِينَ آكَدُ لِأَنَّهُ الْتِزَامٌ مُعَلَّقٌ بِصِفَةٍ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِالْبَيْنِ ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ قَالَ شَيْخٌ عِنْدَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا كَفَّارَةً اسْتِفْهَامًا لِيُبَيِّنَ لَهُ وَجْهَ وُجُوبِ الْكَفَّارَةِ فِي يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ قَدْ قُيِّدَ بِفِعْلٍ وَذَلِكَ يَكُونُ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَدْ أَرَادَ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ كَيْفَ تَجِبُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فِي النَّذْرِ بِفِعْلٍ مُعَيَّنٍ لَيْسَ بِيَمِينٍ بِاللَّهِ وَلَا نَذْرٍ مُبْهَمٍ فَتَجِبُ فِيهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّمَا أَوْجَبَ فِيهِ كَفَّارَةً وَلَمْ يُعَيِّنْهَا فَقَالَ لَهُ الشَّيْخُ كَيْفَ يَجِبُ فِي مِثْلِ هَذَا كَفَّارَةٌ وَإِنَّمَا نَذَرْت مَعْصِيَةً فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ وَاَلَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ الْكَفَّارَةِ مَا رَأَيْت فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّ الْكَفَّارَةَ قَدْ يَجِبُ فِي نَذْرٍ وَيَمِينٍ يَتَعَلَّقُ بِالْمَحْظُورِ عَلَى وَجْهٍ مَا وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَ الرَّجُلِ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ كَظَهْرِ أُمِّي. مَحْظُورٌ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى وَإِنَّهُمْ لَيَقُولُونَ مُنْكَرًا مِنْ الْقَوْلِ وَزُورًا وَإِنَّ اللَّهَ لَعَفْوٌ غَفُورٌ ثُمَّ قَدْ أَوْجَبَ فِي ذَلِكَ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ فَكَذَلِكَ الَّتِي عَلَّقَتْ يَمِينَهَا بِنَحْرِ ابْنِهَا أَتَتْ بِمَحْظُورٍ مِنْ الْقَوْلِ وَتَجِبُ عَلَيْهَا فِي ذَلِكَ كَفَّارَةٌ وَتِلْكَ الْكَفَّارَةُ إمَّا هَدْيٌ أَوْ كَفَّارَةُ يَمِينٍ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى مِمَّا نُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إِذَا سُئِلَ عَنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَإِنْ كَانَ قَوْلُهَا أَنْ أَنْحَرَ ابْنِي لَيْسَ مِنْ بَابِ النُّذُورِ وَلَا مِنْ بَابِ الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى كَمَا تَجِبُ الْكَفَّارَةُ عَلَى الْمُظَاهِرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا أَتَى بِهِ مِنْ بَابِ النَّذْرِ وَلَا الْيَمِينِ بِاللَّهِ تَعَالَى.



