المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (909)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (909)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ لَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ
( ش ) : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ تَخْصِيصَانِ لِلنَّهْيِ بِالْحَلِفِ بِالْآبَاءِ أَحَدُهُمَا لِكَثْرَةِ اسْتِعْمَالِ الْعَرَبِ لَهُ فَقَصَدَ إِلَى النَّهْيِ عَنْهُ وَالثَّانِي أَنَّهُ هُوَ الَّذِي سَمِعَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ مِمَّا لَا يَجُوزُ فَقَصَدَهُ بِالنَّهْيِ ثُمَّ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ النَّهْيَ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ وَقَصَرَ الْحَلِفَ عَلَيْهِ تَعَالَى فَقَالَ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ فَخَيَّرَ بَيْنَ الْحَلِفِ وَالصَّمْتِ وَذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الْمَنْعَ مِنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحِ الَّذِي هُوَ خَيَّرَ فِيهِ بَلْ مَا تَقَدَّمَهُ عَنْ أَنْ يَحْلِفَ حَالِفٌ بِأَبِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُبِحْ غَيْرَ مَا خَيَّرَ فِيهِ مِنْ الْحَلِفِ بِاللَّهِ خَاصَّةً فَمَنْ تَعَدَّاهُ فَلَا يَتَعَدَّاهُ إِلَّا إِلَى الصَّمْتِ وَعَلَى هَذَا جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ امْتِثَالًا لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَحْلِفَ بِالشَّمْسِ وَلَا بِالْقَمَرِ وَلَا بِالنُّجُومِ وَلَا بِالسَّمَاءِ وَلَا بِالْأَرْضِ وَلَا بِشَيْءٍ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ وَمَنْ حَلَفَ بِذَلِكَ فَقَدْ أَثِمَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَحْلِفُ بِاللَّهِ فَآثَمُ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُظَاهِرَ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ لَأَنْ أَحْلِفَ بِاللَّهِ كَاذِبًا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ صَادِقًا فَإِنْ اعْتَرَضَ مُعْتَرِضٌ بِمَا جَاءَ مِنْ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ قوله تعالى وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى وَبِغَيْرِ ذَلِكَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ تَقْدِيرَ ذَلِكَ وَرَبِّ الشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَرَبِّ السَّمَاءِ وَالطَّارِقِ وَالثَّانِي أَنَّهُ تَعَالَى يُخْتَصُّ بِذَلِكَ لِأَنَّ لَهُ أَنْ يُقْسِمَ بِمَا شَاءَ لِأَنَّهُ مَعْبُودٌ وَقَدْ أَعْلَمَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ ذَلِكَ مَحْظُورٌ عَلَيْنَا فَلَا يَجُوزُ لَنَا الْقَسَمُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ( مَسْأَلَةٌ ) وَمَنْ حَلَفَ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى أَوْ بِالطَّوَاغِيتِ فَقَدْ أَثِمَ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ إِنْ حَنِثَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ عَلَيْهِ كَفَّارَةُ يَمِينٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رَوَى حُمَيْدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي يَمِينِهِ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَمَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ تَعَالَى أُقَامِرُك فَلْيَتَصَدَّقْ وَمَا رَوَى أَبُو قِلَابَةَ عَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ حَلَفَ عَلَى مِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ كَمَا قَالَ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مُعْتَقِدًا لِذَلِكَ وَلِذَلِكَ أَمَرَ مَنْ حَلَفَ بِاَللَّاتِي وَالْعُزَّى وَأَظْهَرَ حَلِفًا ظَاهِرُهُ الْكُفْرُ أَنْ يُعَاوِدَ بِالتَّهْلِيلِ وَلَفْظِ التَّوْحِيدِ الَّذِي يَنْفِي الْكُفْرَ وَالظَّاهِرُ مِنْ هَذَا مُوجِبُ قَوْلِهِ دُونَ غَيْرِهِ لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ لَقَرَنَ الْأَمْرَ بِهَا بِالْأَمْرِ بِكَلِمَةِ التَّوْحِيدِ ( ش ) : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا وَمُقَلِّبِ الْقُلُوبِ عَلَى سَبِيلِ الْقَسَمِ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ يُكْثِرُ الْقَسَمَ بِهِ وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى مَا يَنْفَرِدُ بِهِ تَعَالَى مِنْ تَقْلِيبِ الْقُلُوبِ مِنْ الرِّضَا بِالشَّيْءِ إِلَى الْكَرَاهِيَةِ وَمِنْ الْعَزْمِ عَلَى الْفِعْلِ إِلَى الْعَزْمِ عَلَى التَّرْكِ وَفِي ذَلِكَ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ يَجُوزُ الْحَلِفُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ وَأَوْصَافِهِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَيَجُوزُ أَنْ يَحْلِفَ الْحَالِفُ فَيَقُولُ لَا وَخَالِقِ الْخَلْقِ وَبَاسِطِ الرِّزْقِ وَمُدَبِّرِ الْأُمُورِ وَفَالِقِ الْإِصْبَاحِ وَجَاعِلِ اللَّيْلِ سَكَنًا وَمَا جَرَى مَجْرَى ذَلِكَ.



