المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (915)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (915)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بُشَيْرِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ ذَبَحَ ضَحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَعُودَ بِضَحِيَّةٍ أُخْرَى قَالَ أَبُو بُرْدَةَ لَا أَجِدُ إِلَّا جَذَعًا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِنْ لَمْ تَجِدْ إِلَّا جَذَعًا فَاذْبَحْ
( ش ) : قَوْلُهُ إِنَّ أَبَا بُرْدَةَ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْأَضْحَى فَزَعَمَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ذَبْحُهُ الَّذِي يُجْزِيهِ بَعْدَ ذَبْحِ الْإِمَامِ وَيَلْزَمُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَلْزَمَ وَقْتَ ذَبْحِ الْإِمَامِ لِيَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ ذَبْحُ النَّاسِ فَأَمَّا وَقْتُ ذَبْحِ الْإِمَامِ فَهُوَ بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ صَلَاةِ الْعِيدِ يَوْمَ الْأَضْحَى فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصَّلَاةِ لَمْ يُجْزِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إِذَا ذَهَبَ مِنْ الْوَقْتِ بِمِقْدَارِ مَا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ بِقِرَاءَتِهِمَا وَتَمَامِهَا لِلْعِيدِ فَقَدْ جَازَ الذَّبْحُ فَمَنْ ذَبَحَ حِينَئِذٍ قَبْلَ الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ : أَوَّلُ مَا نَبْدَأُ بِهِ فِي يَوْمِنَا هَذَا أَنْ نُصَلِّيَ ثُمَّ نَرْجِعَ فَنَنْحَرَ فَمَنْ فَعَلَ هَذَا فَقَدْ أَصَابَ سُنَّتَنَا وَمَنْ نَحَرَ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا هُوَ لَحْمٌ يُقَدِّمُهُ لِأَهْلِهِ لَيْسَ مِنْ النُّسُكِ فِي شَيْءٍ فَقَالَ أَبُو بُرْدَةَ : ذَبَحْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُصَلِّيَ وَعِنْدِي جَذَعَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُسِنَّةٍ فَقَالَ : اجْعَلْهَا مَكَانَهَا وَلَنْ تُجْزِئَ أَوْ تُوفِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك وَهَذَا بَيِّنٌ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَوَجْهُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّنَا قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ لَا يَذْبَحُ إِلَّا بَعْدَ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ الْوَقْتِ بِقَدْرِ فِعْلِ الصَّلَاةِ فَوَجَبَ أَنْ يُعْتَبَرَ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ لَا بِمِقْدَارِ فِعْلِهَا أَصْلُ ذَلِكَ السَّعْيُ لِمَا رَتَّبْنَاهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ كَانَ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِفِعْلِ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ لَا بِمِقْدَارِ فِعْلِهَا مِنْ الْوَقْتِ.. ( مَسْأَلَةٌ ) إِذَا ثَبَتَ أَنَّ الذَّبْحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَإِنَّ الْإِمَامَ يَذْبَحُ أَوَّلًا ثُمَّ يَذْبَحُ النَّاسُ بَعْدَهُ فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الْإِمَامِ لَمْ يُجْزِهِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَنْ ذَبَحَ بَعْدَ الصَّلَاةِ وَقَبْلَ الْإِمَامِ أَجْزَأَهُ وَدَلِيلُنَا الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ وَهُوَ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ ذَبَحَ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يَذْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعِيدَ بِأُضْحِيَّةٍ أُخْرَى وَدَلِيلُنَا مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ يَوْمَ النَّحْرِ بِالْمَدِينَةِ فَسَبَقَهُمْ رِجَالٌ فَنَحَرُوا وَظَنُّوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ نَحَرَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ نَحَرَ قَبْلَهُ أَنْ يُعِيدَ بِنَحْرٍ آخَرَ وَلَا يَنْحَرُ حَتَّى يَنْحَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.. ( فَرْعٌ ) الْمُضَحُّونَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : أَحَدُهُمَا بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ حَضْرَتِهِ فَأَمَّا مَنْ كَانَ بِحَضْرَةِ الْإِمَامِ فَلَا يَخْلُو إمَامُهُ مِنْ أَنْ يُظْهِرَ نَحْرَ أُضْحِيَّتِهِ أَوْ لَا يُظْهِرُ ذَلِكَ فَإِنْ أَظْهَرَ ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ بِإِثْرِ الصَّلَاةِ فَمَنْ ذَبَحَ قَبْلَهُ فَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ. وَأَمَّا مَنْ لَمْ يُظْهِرْ ذَبْحَ أُضْحِيَّتِهِ فَفِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إِنْ ذَبَحَ رَجُلٌ أُضْحِيَّتَهُ قَبْلَهُ فِي وَقْتٍ لَوْ ذَبَحَ الْإِمَامُ بِالْمُصَلَّى لَكَانَ هَذَا قَدْ ذَبَحَ بَعْدَهُ لَمْ يُجْزِهِ وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : إِذَا تَرَكَ الْإِمَامُ الذَّبْحَ بِالْمُصَلَّى فَمَنْ ذَبَحَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ جَائِزٌ وَأَمَّا مَنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَيْسَ بِهِ إمَامٌ مِثْلُ أَهْلِ الْقُرَى الَّذِينَ لَا يُصَلُّونَ صَلَاةَ عِيدٍ بِخُطْبَةٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يَتَحَرَّوْنَ صَلَاةَ أَقْرَبِ الْأَئِمَّةِ إِلَيْهِمْ وَذَبْحَهُ فَمَنْ تَحَرَّى ذَلِكَ فَأَخْطَأَ فَذَبَحَ قَبْلَ ذَبْحِهِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ يُجْزِيهِ وَرَوَاهُ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ عَنْ مَالِكٍ وَأَنْكَرَ ذَلِكَ ابْنُ الْمَوَّازِ فِي كِتَابِهِ فَقَالَ : قَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ خِلَافَهُ وَنَقَلَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي نَوَادِرِهِ فَقَالَ : وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ لَا يُجْزِيهِمْ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيْنَا وَقَدْ قِيلَ : إِنَّ رِوَايَةَ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ إنَّمَا هِيَ فِيمَنْ ذَبَحَ عَلَى عِلْمِ أَنَّهُ قَدْ ذَبَحَ الْإِمَامُ وَرِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ فِيمَنْ تَحَرَّى أَنْ يَذْبَحَ بَعْدَهُ فَأَخْطَأَ فَذَبَحَ قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. وَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ فَرْضَهُمْ الِاجْتِهَادُ وَالتَّحَرِّي فِي أَمْرٍ غَائِبٍ عَنْهُمْ لَا يُمْكِنُهُمْ تَيَقُّنُهُ فَكَانَ الْخَطَأُ مَوْضُوعًا عَنْهُمْ كَالْخَطَأِ فِي الْقِبْلَةِ عِنْدَ الِاشْتِبَاهِ فِي إعْلَامِهَا وَوَجْهُ قَوْلِ أَشْهَبَ أَنَّهُمْ غَيْرُ مَعْذُورِينَ لِأَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَى التَّأْخِيرِ الَّذِي لَوْ أَخَّرَ الْإِمَامُ إِلَيْهِ لَجَازَ لِأَهْلِ بَلَدِهِ الذَّبْحُ قَبْلَهُ وَمَا كَانَ مِثْلُ هَذَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ التَّحَرِّي كَالْوَقْتِ فِي الصِّيَامِ وَالصَّلَاةِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُ أَبِي بُرْدَةَ لَا أَجِدُ إِلَّا جَذَعًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّ الْجَذَعَ يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمُ الْمَنْعِ إمَّا لِأَنَّ غَيْرَهُ يُجْزِي دُونَهُ أَوْ لِأَنَّ غَيْرَهُ أَفْضَلُ مِنْهُ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنَّهُ قَالَ : إنَّهَا كَانَتْ جَذَعَةً مِنْ الْمَعْزِ وَلِلْإِنْسَانِ تَعَلُّقٌ بِالْإِجْزَاءِ وَتَأْثِيرٌ فِيهِ لِأَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ السَّخْلَةُ وَلَا الْفَصِيلُ وَاَلَّذِي يُجْزِي عَنْ الْإِنْسَانِ فِي الضَّحَايَا مِنْ الضَّأْنِ الْجَذَعُ فَمَا فَوْقَهُ وَمِنْ الْمَعْزِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ الثَّنِيُّ فَمَا فَوْقَهُ وَالدَّلِيلُ عَلَى إجْزَاءِ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ مَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا تَذْبَحُوا إِلَّا مُسِنَّةً إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَتَذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الْمَعْزِ لَا يُجْزِي مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ أَبَا بُرْدَةَ بْنَ نِيَارٍ قَالَ : إِنَّ عِنْدِي عَنَاقَ جَذَعَةٍ وَهِيَ خَيْرٌ مِنْ شَاتَيْ لَحْمٍ فَهَلْ تُجْزِي عَنِّي ؟ قَالَ : نَعَمْ وَلَنْ تُجْزِي عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ الضَّأْنِ وَغَيْرِهَا قِيلَ لَهُ : الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا نَصُّ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ وَلَا فَرْقَ أَصَحُّ مِنْهُ وَوَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ قَدْ رَوَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إِنَّ الْمَعْزَ وَالْبَقَرَ وَالْإِبِلَ لَا تُضْرَبُ فُحُولَتُهَا إِلَّا بَعْدَ أَنْ تُثْنِيَ وَالضَّأْنُ تُضْرَبُ فُحُولَتُهَا إِذَا أَجْذَعَتْ. ( فَرْعٌ ) إِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ فَالثَّنِيُّ مِنْ الضَّأْنِ أَحَبُّ إِلَى مَالِكٍ مِنْ الْجَذَعِ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ مَالِكٍ وَوَجْهُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : لَا تَذْبَحُوا الْمُسِنَّةَ إِلَّا أَنْ يَعْسُرَ عَلَيْكُمْ فَاذْبَحُوا جَذَعَةً مِنْ الضَّأْنِ وَمِنْ وُجْهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ فِي ذَلِكَ خُرُوجًا عَنْ الْخِلَافِ الْمَرْوِيِّ وَفِي الثَّنِيِّ أَيْضًا مِنْ تَمَامِ الْجِسْمِ وَكَمَالِهِ مَا يُفَضَّلُ بِهِ الْجَذَعُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.



