موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (929)]

البخاري
مسلم
أبو داود
الترمذي
النسائي
ابن ماجة
الدارمي
الموطأ
المسند

(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (929)]

‏ ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِك ‏ ‏عَنْ ‏ ‏ثَوْرِ بْنِ زَيْدٍ الدِّيلِيِّ ‏ ‏عَنْ ‏ ‏عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ‏ ‏أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَبَائِحِ ‏ ‏نَصَارَى الْعَرَبِ ‏ ‏فَقَالَ ‏ ‏لَا بَأْسَ بِهَا وَتَلَا هَذِهِ الْآيَةَ ‏ { ‏وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ‏} ‏و حَدَّثَنِي ‏ ‏عَنْ ‏ ‏مَالِك ‏ ‏أَنَّهُ بَلَغَهُ ‏ ‏أَنَّ ‏ ‏عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ ‏ ‏كَانَ يَقُولُ ‏ ‏مَا ‏ ‏فَرَى ‏ ‏الْأَوْدَاجَ ‏ ‏فَكُلُوهُ


( ش ) : قَوْلُهُ فِي ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ لَا بَأْسَ بِهَا أَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ مَجْرَى نَصَارَى الْعَجَمِ فَإِنَّ ذَبَائِحَ النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مُبَاحَةٌ لَنَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ فَاعْلَمْ أَنَّ ذَبَائِحَ نَصَارَى الْعَرَبِ مُبَاحَةٌ أَيْضًا وَلَمْ يَتَعَلَّقْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ إمَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ أَوْ لِأَنَّهَا عَامَّةٌ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ عَامَّةً فِي جَمِيعِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ خَاصَّةً فِي الْعَجَمِ وَإِنْ كَانَ الْأَظْهَرُ عُمُومَهَا فَأَظْهَرَ التَّعَلُّقَ بِمَا هُوَ خَاصٌّ فِي الْعَرَبِ أَوْ فِيمَنْ خُوطِبَ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَهُمْ الْمُنَافِقُونَ وَكَانُوا عَرَبًا وَمُقْتَضَى الْآيَةِ أَنَّهُ مَنْ يَتَوَلَّى أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ لِأَنَّ الْمُتَوَلِّيَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ الْمُخَاطَبِينَ بِهَذِهِ الْآيَةِ يَجِبُ أَنْ يَكُونُوا غَيْرَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ مِنْ الْعَجَمِ فَحَكَمَ تَعَالَى بِأَنَّهُ مِنْهُمْ وَذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الذَّبَائِحِ وَغَيْرِهَا فَإِذَا كَانَتْ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَجَمِ مُبَاحَةً فَكَذَلِكَ ذَبَائِحُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الْعَرَبِ لِأَنَّ الْأَنْسَابَ لَا تُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا تُؤَثِّرُ فِيهِ الْأَدْيَانُ. ‏ ‏( مَسْأَلَةٌ ) وَإِذَا عَلِمْت أَنَّ مَنْ دِينُهُ النَّصْرَانِيَّةُ مِمَّنْ يَسْتَبِيحُ الْمَيْتَةَ فَلَا تَأْكُلُ مِنْ ذَبِيحَتِهِ إِلَّا مَا شَاهَدْت ذَبْحَهُ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَبَاحُ مِنْ ذَبِيحَتِهِ مَا وَقَعَ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ وَالْمُسْلِمُ أَصَحُّ ذَبِيحَةً وَهَذَا حُكْمُهُ فَإِذَا عُلِمَ أَنَّهُ رُبَّمَا قَتَلَ الْحَيَوَانَ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي لَا يُبِيحُ أَكْلَهُ وَجَبَ الِامْتِنَاعُ مِنْ أَكْلِ مَا مَاتَ عَلَى يَدِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ ذَكَاتَهُ وُجِدَتْ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الصِّحَّةِ لِمَا يَتَوَقَّعُ أَنْ يَكُونَ حُلُولُ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى وَجْهِ الْقَتْلِ الْمُنَافِي لِلْإِبَاحَةِ قَالَ مَالِكٌ : سَوَاءٌ كَانَ ذِمِّيًّا أَوْ حَرْبِيًّا. ‏ ‏( فَرْعٌ ) قَالَ مُحَمَّدٌ : وَكَرِهَ مَالِكٌ مَا ذَبَحُوا لِلْكِتَابِيِّينَ أَوْ لِعِيسَى أَوْ لِجِبْرِيلَ أَوْ لِأَعْيَادِهِمْ زَادَ ابْنُ حَبِيبٍ أَوْ الصَّلِيبِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَأَمَّا مَا ذُبِحَ لِلْأَصْنَامِ فَيَحْرُمُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : فِي أَكْلِ مَا ذُبِحَ لِأَعْيَادِهِمْ وَكَنَائِسِهِمْ تَعْظِيمٌ لِشِرْكِهِمْ قَالَ : وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي النَّصْرَانِيِّ يُوصِي بِشَيْءٍ مِنْ مَالِهِ لِلْكَنِيسَةِ فَيُبَاعُ لَا يَحِلُّ لِلْمُسْلِمِ شِرَاؤُهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ شَرَائِعِهِمْ وَمُشْتَرِيهِ بِهِ مُسْلِمُ سُوءٍ. ‏ ‏( مَسْأَلَةٌ ) وَمَا ذَبَحَهُ الْيَهُودُ مِمَّا لَا يَسْتَبِيحُونَ أَكْلَهُ مِمَّا ذُكِرَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ مِنْ قوله تعالى وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : هَلْ الْإِبِلُ وَحُمُرُ الْوَحْشِ وَالنَّعَمُ وَالْإِوَزُّ وَمَا لَيْسَ مَشْقُوقَ الْخُفِّ وَلَا مُنْفَرِجَ الْقَائِمَةِ فَهَذَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ بِذَبْحِهِمْ وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ الذَّكَاةَ مُفْتَقِرَةٌ إِلَى النِّيَّةِ وَالْقَصْدِ وَهُمْ لَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُمْ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ لَا يُسْتَبَاحُ بِالذَّكَاةِ. ‏ ‏( مَسْأَلَةٌ ) وَمَا حَرُمَ عَلَيْهِمْ مِنْ شُحُومِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَسْتَبِيحُونَهُ وَذَلِكَ قوله تعالى فِي الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : هِيَ الشُّحُومُ الْمُجْمَلَةُ الْخَالِصَةُ مِثْلُ الثُّرُوبِ وَالْكَشَاءِ وَهُوَ شَحْمُ الْكُلَى وَمَا لَصِقَ بالغطنة وَشَبَهِهَا مِنْ الشُّحُومِ الْمَحْضَةِ الَّتِي لَمْ تَخْتَلِطْ بِعَظْمٍ وَلَا لَحْمٍ وَأَمَّا قوله تعالى إِلَّا مَا حُمِلَتْ ظُهُورُهُمَا مَا يَغْشَى اللَّحْمَ مِنْ الشَّحْمِ عَلَى الظَّهْرِ وَسَائِرِ الْجَسَدِ وَمَا اخْتَلَطَ مِنْهُ بِلَحْمٍ أَوْ عَظْمٍ وَأَمَّا الْحَوَايَا فَهِيَ الْمَبَاعِرُ وَيُقَالُ لَهَا بَنَاتُ اللَّبَنِ وَالْعَرَبُ تُسَمِّيهَا المرائم فَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ الشَّحْمِ دَاخِلٌ فِي الِاسْتِثْنَاءِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : مَا كَانَ مِنْ هَذَا مُحَرَّمًا بِنَصِّ التَّنْزِيلِ فَلَا يَحِلُّ لَنَا أَكْلُهُ بِعَيْنِهِ وَلَا أَكْلُ ثَمَنِهِ وَمَا لَمْ يَكُنْ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ فِي التَّنْزِيلِ مِثْلُ الطَّرِيفِ وَشَبَهِهِ فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ أَكْلُهُ وَأَكْلُ ثَمَنِهِ قَالَ : وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ شُحُومَ الْيَهُودِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِمْ مَكْرُوهَةٌ عِنْدَ مَالِكٍ وَمُحَرَّمَةٌ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : هِيَ مُبَاحَةٌ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ , وَجْهُ رِوَايَةِ التَّحْرِيمِ أَنَّ هَذِهِ ذَكَاةٌ يَعْتَقِدُ مُبَاشِرُهَا تَحْرِيمَ بَعْضِهَا وَتَحْلِيلَ بَعْضِهَا فَوَجَبَ أَنْ يُسْتَبَاحَ بِهَا مَا يَعْتَقِدُ تَحْلِيلَهُ دُونَ مَا يَعْتَقِدُ تَحْرِيمَهُ كَالْمُسْلِمِ يَعْتَقِدُ اسْتِبَاحَةَ اللَّحْمِ دُونَ الدَّمِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ مَنْعِ التَّحْرِيمِ أَنَّ هَذَا مُذَكًّى يَجُوزُ أَكْلُ لَحْمِهِ مَا ذُكِّيَ فَجَازَ أَكْلُ لَحْمِهِ كَالْمُسْلِمِ وَأَمَّا الطَّرِيفُ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ كَانَ مَالِكٌ يُجِيزُ أَكْلَهُ ثُمَّ كَرِهَهُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَأَرَى أَنْ لَا يُؤْكَلَ فَظَاهِرُ لَفْظِ ابْنِ الْقَاسِمِ الْمَنْعُ جُمْلَةً وَلَوْ حُمِلَ عَلَى التَّحْرِيمِ لَمَا بَعْدُ وَوَجْهُ جَوَازِ ذَلِكَ أَنَّهُ قَصَدَ إِلَى اسْتِبَاحَةِ أَكْلِهِ لِأَنَّ مَا نَجِدُهُ عَلَيْهِ مِنْ الْوَجْهِ الْمَانِعِ لَهُ مِنْ أَكْلِهِ لَا يَظْهَرُ إِلَّا بَعْدَ تَمَامِ الذَّكَاةِ فَصَحَّ قَصْدُهُ إِلَى إبَاحَتِهِ وَوَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ أَنَّ هَذِهِ ذَبِيحَةٌ مُنِعَ مِنْهَا الذَّابِحُ بِالشَّرْعِ فَمُنِعَ مِنْهَا غَيْرُهُ كَالْمُحَرَّمِ قَالَ مَالِكٌ : وَتُؤْكَلُ ذَبِيحَةُ السَّامِرِيَّةِ صِنْفٌ مِنْ الْيَهُودِ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْبَعْثِ. ‏ ‏( فَرْعٌ ) وَنُهِيَ الْمُسْلِمُونَ عَنْ الشِّرَاءِ مِنْ جَزَّارِي الْيَهُودِ وَنُهِيَ الْيَهُودُ عَنْ الْبَيْعِ مِنْهُمْ فَمَنْ اشْتَرَى مِنْهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ رَجُلُ سُوءٍ وَلَا يُفْسَخُ شِرَاؤُهُ إِلَّا أَنْ يَشْتَرِيَ مِنْ الْيَهُودِ مِثْلَ الطَّرِيفِ وَشَبَهِهِ مِمَّا لَا يَأْكُلُونَهُ فَيُفْسَخُ عَلَى كُلِّ حَالٍ رَوَاهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ. ‏ ‏( مَسْأَلَةٌ ) وَلَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ الصَّابِئِينَ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ كَتَحْرِيمِ ذَبَائِحِ الْمَجُوسِ وَقَدْ حَرَّمَ الْحَسَنُ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ذَبَائِحَهُمْ وَنِكَاحَ نِسَائِهِمْ وَقِيلَ : إنَّهُمْ بَيْنَ الْمَجُوسِيَّةِ والنصرانية. ‏ ‏( مَسْأَلَةٌ ) لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُ الْمَجُوسِ وَلَيْسُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَلَوْ وَلَّى مُسْلِمًا ذَبِيحَتَهُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهَا فَأَجَازَهَا ابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ قَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ : إنَّمَا يُكْرَهُ أَكْلُهَا إِذَا قَالَ لِلْمُسْلِمِ : اذْبَحْهَا لِنَارِنَا أَوْ لِصَنَمِنَا فَأَمَّا لَوْ تَضَيَّفَ بِهِ مُسْلِمٌ فَأَمَرَهُ بِذَبْحِهَا لِيَأْكُلَ مِنْهَا فَذَلِكَ جَائِزٌ وَإِنْ أَعَدَّهَا لِغَيْرِهِ ‏ ‏( ش ) : قَوْلُهُ مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا صِفَةُ الْآلَةِ الَّتِي يُذْبَحُ بِهَا فَيَقُولُ : إِنَّ مَا كَانَ مِنْ الْآلَاتِ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَجَبَ أَنْ تُسْتَبَاحَ بِهِ الذَّكَاةُ وَهَذَا ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا بَلَغَ مِنْ ذَكَاتِهِ إِلَى فَرْيِ الْأَوْدَاجِ فَإِنَّهُ قَدْ كَمُلَتْ ذَكَاتُهُ وَحَصَلَتْ إبَاحَتُهُ وَلَعَلَّهُ قَدْ تَرَكَ ذِكْرَ الْحُلْقُومِ لَمَّا كَانَ الْمَعْلُومُ فِي الْأَغْلَبِ لَا تُفْرَى الْأَوْدَاجُ إِلَّا بَعْدَ فَرْيِ الْحُلْقُومِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ : إِنَّ الذَّكَاةَ تَفْرِي الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ فَإِنْ قَطَعَ الْوَدَجَيْنِ دُونَ الْحُلْقُومِ أَوْ الْحُلْقُومَ دُونَ الْوَدَجَيْنِ لَمْ تَتِمَّ الذَّكَاةُ هَذَا حَقِيقَةُ الْمَذْهَبِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِي الذَّكَاةِ تَقْطَعُ الْحُلْقُومَ وَالْمَرِيءَ وَهُوَ الْبُلْعُومُ وَالِاعْتِبَارُ بِالْوَدَجَيْنِ وَالدَّلِيلُ عَلَى مَا نَقُولُهُ مَا رُوِيَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ فَكُلْ وَإِنْهَارُ الدَّمِ إجْرَاؤُهُ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إِلَّا بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ لِأَنَّهَا مَجْرَى الدَّمِ وَأَمَّا الْمَرِيءُ فَلَيْسَ بِمَجْرَى الدَّمِ وَإِنَّمَا هُوَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الدَّمِ إِلَّا الْيَسِيرُ الَّذِي لَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِنْهَارُ وَدَلِيلُنَا أَيْضًا مَا رُوِيَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ قَالَ بِاعْتِبَارِ الْوَدَجَيْنِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْهُمْ قَالَ بِاعْتِبَارِ الْمَرِيءِ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ الذَّكَاةَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى فَرْيِ مَا كَانَ فَرْيُهُ أَسْرَعَ مَوْتًا لِأَنَّهُ أَخَفُّ عَلَى الْحَيَوَانِ وَالْوَدَجَانِ أَسْرَعُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَرِيءِ لِأَنَّ الْمَرِيءَ مَدْخَلُ الطَّعَامِ وَيُفْضِي إِلَى الْفَمِ بِقَطْعِهِ إحْدَاثُ مَدْخَلٍ آخَرَ لَهُ بِقُرْبِ الْأَوَّلِ فَلَيْسَ بِمَقْتَلٍ فِي نَفْسِهِ وَأَمَّا الْوَدَجَانِ فَإِنَّ نِهَايَتَهُمَا مُتَّصِلَةٌ بِالْجِسْمِ وَهُمَا مَجْرَى الدَّمِ لَا يَتَّصِلُ بَعْدَ انْقِطَاعِهِمَا فَقَطْعُهُمَا مَقْتَلٌ وَلِذَلِكَ يُقَالُ فِي الذَّبِيحَةِ تَشْخَبُ أَوْدَاجُهَا دَمًا وَلَا ذِكْرَ لِلْمَرِيءِ فِي ذَلِكَ فَكَانَ مَا قُلْنَاهُ أَوْلَى اتِّبَاعًا وَنَظَرًا. ‏ ‏( فَرْعٌ ) وَأَمَّا الْحُلْقُومُ فَمَجْرَى النَّفَسِ وَهُوَ مِنْ الْمَذْبَحِ فَإِنْ قَطَعَ جَمِيعَهُ مَعَ الْوَدَجَيْنِ تَمَّتْ الذَّكَاةُ فِيهِ وَإِنْ قَطَعَ بَعْضَهُ فَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ يَحْيَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الدَّجَاجَةِ وَالْعُصْفُورِ وَالْحَمَامِ إِذَا أُجْهِزَ عَلَى أَوْدَاجِهِ وَحَلْقِهِ أَوْ ثُلُثَيْهِ فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَقَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَزَادَ : وَإِنْ لَمْ يُقْطَعْ مِنْهُ إِلَّا الْيَسِيرُ فَلَا يَجُوزُ وَقَالَ سَحْنُونٌ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ حَتَّى يُجْهَزَ عَلَى جَمِيعِ الْحُلْقُومِ وَالْأَوْدَاجِ وَجْهُ قَوْلِ سَحْنُونٍ أَنَّ هَذَا مَعْنًى تَتَعَلَّقُ بِهِ الذَّكَاةُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهُ الِاسْتِيعَابَ كَالْوَدَجَيْنِ وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الذَّكَاةَ مَحَلُّهَا الْوَدَجَانِ وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ بِالْحُلْقُومِ عَلَى مَعْنَى التَّبَعِ فَإِذَا قُطِعَ أَكْثَرُهُ مَعَ اسْتِيعَابِ الْوَدَجَيْنِ فَقَدْ كَمُلَتْ الذَّكَاةُ. ‏ ‏( فَرْعٌ ) وَلَوْ قُطِعَ الْحُلْقُومُ وَأَحَدُ الْوَدَجَيْنِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا تُؤْكَلُ وَظَاهِرُ لَفْظِ الْمُدَوَّنَةِ يَقْتَضِي أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ لِأَنَّهُ قَالَ : لَا تُؤْكَلُ حَتَّى يَقْطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ : إِنْ بَقِيَ شَيْءٌ مِنْ الْوَدَجَيْنِ لَمْ تُؤْكَلْ وَوَجْهُ ذَلِكَ تَعَلُّقُ الذَّكَاةِ بِهِمَا فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ اسْتِيعَابِهِمَا. ‏ ‏( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ فَكُلُوهُ تَبْيِينٌ أَنَّ قَوْلَهُ مَا فَرَى الْأَوْدَاجَ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ الْفِعْلَ دُونَ الْآلَةِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : كُلُّ ذَبْحٍ أَوْ ذَكَاةٍ تَبْلُغُ فَرْيَ الْأَوْدَاجِ فَإِنَّهُ قَدْ أَبَاحَ أَكْلَ مَا ذُكِّيَ بِهِ وَفِي الْكَلَامِ تَجَوُّزٌ لِرُجُوعِ ضَمِيرِ الْمَأْكُولِ عَلَى الْفِعْلِ وَالْمَعْنَى مَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ‏ ‏( فَرْعٌ ) وَمَنْ نَخَعَ الذَّبِيحَةَ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَقْطَعَ نُخَاعَهَا عِنْدَ ذَبْحِهَا فَقَدْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إِنْ فَعَلَ أَيْ أَكْمَلَ ذَبْحَهَا يُرِيدُ أَنَّهُ فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ ذَبَحَهَا فَقَدْ أَسَاءَ وَهِيَ تُؤْكَلُ وَإِنْ كَانَ نَخَعَهَا فِي ذَبْحِهِ يُرِيدُ لِمَنْ يَفْصِلُ بَيْنَهُمَا فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَدٍ سَبَقَتْ فَهِيَ تُؤْكَلُ قَالَهُ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ وَإِنْ تَعَمَّدَ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ جَهْلٍ فَقَدْ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ : لَا تُؤْكَلُ وَقَالَ أَصْبَغُ وَابْنُ الْقَاسِمِ : تُؤْكَلُ فِي الْعَامِدِ وَالْجَاهِلِ وَلَا أَقُولُ بِقَوْلِهِمَا , وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ أَنَّهُ تَرَكَ سُنَّةَ الذَّبْحِ فَهُوَ كَالْعَابِثِ بِذَبِيحَتِهِ وَوَجْهُ الْقَوْلِ الثَّانِي أَنَّ مَا زَادَ مِنْ النَّخْعِ إنَّمَا وُجِدَ بَعْدَ تَمَامِ الذَّكَاةِ الْمُبِيحَةِ كَمَا لَوْ تَعَمَّدَ سَلْخَهَا وَقَطْعَ أَعْضَائِهَا بَعْدَ أَنْ أَكْمَلَ ذَكَاتَهَا وَقَبْلَ أَنْ يُزْهِقَ نَفْسَهَا. ‏



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!