الصفحة 31
سرى البيت نحو البيت يبغي وصاله *** وطهر بالتحقيق من دنس اللبس
فيا حسرتي يوما ببطن محسر *** وقد دلّني الوادي على سقر الرّجس1
تجرّعت بالجرعاء كأس ندامة *** على مشهد قد كان مني بالأمس2
وما خفت بالخيف ارتحالي وإنما *** أخاف على ذي النفس من ظلمة الرّمس3
لمزدلف الحجاج أعملت ناقتي *** لأنعم بالزّلفى وألحق بالجنس4
جمعت بجمع بين عيني وشاهدي *** بوترين لم أشهد به رتبة النفس
خلعت الأماني بعد ما كنت في منى *** وطوّفتها فانظره بالطرد والعكس
ففي الجمرات الغرّ في رونق الضحى *** حصبت عدوّ الجهل فارتدّ في نكس
ركنت إلى الركن اليماني لأن في اس *** تلام اليماني اليمن في جنة القدس
صفيت على حكم الصفا عن حقيقتي *** فما أنا من عرب فصاح ولا فرس
أقمت أناجي بالمقام مهيمنا *** تعالى عن التحديد بالفصل والجنس
فشاهدته في بيعة الحجر الذي *** تسوّد من نكث العهود لذي اللمس5
وبالحجر حجرت الوجود وكونه *** عليّ فلا يغدو الزمان ولا يمسي
وفي رمضان قال لي تعرف الذي *** تشاهده بين المهابة والأنس
فلما قضيت الحج أعلنت منشدا *** بسيري بين الجهر للذات والهمس
سفينة إحساسي ركبت فلم تزل *** تسيرها أرواح أفكاره الخرس
فلما عدت بحر الوجود وعاينت *** بسيف النهي من جلّ عن رتبة الأنس6
دعاني به عبدي فلبّيت طائعا *** تأمل فهذا القطف فوق جنى الغرس
فعاينت موجودا بلا عين مبصر *** وسرّح عيني فانطلقت من الحبس
فكنت كموسى حين قال لربّه *** أريد أرى ذاتا تعالت عن الحسّ
فدكّ الجبال الراسيات جلاله *** وأصعق موسى فاختفى العرش في الكرسي
وكنت كخفّاش أراد تمتعا *** بشمس الضحى فانهدّ من لمحة الشمس
فلا ذاته أبقى ولا أدرك المنى *** وغودر في الأموات جسما بلا نفس
ولكنني أدعي على القرب والنوى *** بلا كيف بالبعل الكريم وبالعرس
حواشي الطبعة
1) سقر: جهنم. الرجس: القذر.2) الجرعاء: الرملة الطيبة المنبت لا وعوثة فيها.3) الخيف: الناحية، وموضع. الرمس: القبر.4) الزّلفى: القربى.
5) نكث العهد: نقضه.6) النّهى: العقل.
الطبعة والمصدر
تُعرض النصوص وفق المصادر المعتمدة في الموقع دون إعادة تحرير.

