موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

لواقح الأنوار القدسية في مناقب الأخيار والصوفية

وهو كتاب الطبقات الكبرى

تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني

  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  


ومنهم سيد الطائفة أبو القاسم الجنيد بن محمد الزجاج (رضي الله عنه)

كان أبوه يبيع الزجاج فلذلك يقال له القواريري، أصله من نهاوند مولده ومنشؤه بالعراق وكان فقيهاً يفتي الناس على مذهب أبي ثور صاحب الإمام الشافعي وراوي مذهبه القديم.

صحب خاله السري السقطي والحارث المحاسبي ومحمد بن علي القصاب وكان من كبار أئمة القوم وسادتهم وكلامه مقبول على جميع الألسنة. مات رضي الله عنه يوم السبت سنة سبع وتسعين ومائتين وقبره ببغداد طاهر يزوره الخاص والعام.

ومن كلامه رضي الله عنه: إن الله يخلص إلى القلوب من بره على حسب ما تخلص إليه القلوب من ذكره فانظر ماذا خالط قلبك، وكان يقول: التصوف هو صفاء المعاملة مع

الله تعالى، وأصله الصرف عن الدنيا كما قال حارثة صرفت نفسي عن الدنيا فأسهرت ليلي وأظمأت نهاري وكان رضي الله عنه يقول: الغفلة عن الله تعالى أشد من دخول النار، وكان يقول: إذا رأيت الفقير فلا تبدأه بالعلم وأبدأه بالرفق فإن العلم يوحشه، والرفق يؤنسه، وكان يقول: كلام الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن حضور وكلام الصديقين إشارات عن مشاهدات، وكان يقول: من أشبار إلى الله تعالى وسكن إلى غيره ابتلاه بالمحن وحجب ذكره عن قلبه وأجراه على لسانه، فإن انتبه وانقطع إلى الله وحده كشف الله عنه المحن وإن دام على السكون إلى غيره نزع الله من قلوب الخلائق الرحمة عليه، وألبسه لباس الطمع فيهم فتزداد مطالبته منهم مع فقدان الرحمة من قلوبهم، فيصير حياته عجزاً وموته كمداً وآخرته أسفاً، ونحن نعوذ بالله من الركون إلى غير الله، وكان يقول: أكثر الناس علماً بالآفات أكثرهم آفات. وسئل رضي الله عنه عن العارف فقال: إن لون الماء لون إنائه أي هو بحكم وقته، وكان يقول: مكابدة العزلة أيسر من مداراة الخلطة، وسئل عن قرب الله تعالى؟ فقال: بعيد بلا اقتراب قريب بلا التزاق وكان يقول.: من أراد أن يسلم له دينه ويستريح بدنه وقلبه فلا يلق الناس فإن هذا زمان وحشة فالعاقل من اختار فيه العزلة، وجاءه رجل مرة بخمسمائة دينار فوضعها بين يديه وقال فرقها على جماعتك فقال: ألك مال غير هذا قال نعم قال: أتطلب زيادة على ما عندك قال: نعم فقال له الجنيد: خذها فإنك إليها أحوج منا ولم يقبلها، وكان رضي الله عنة يقول: السكر فيه علة لأن الشاكر طالب لنفسه به المزيد فهو واقف مع الله تعالى على حظ نفسه بالشكر، ولكن الشكر ألا ترى نفسك أهلاً للرحمة، وكان رضي الله عنه يقول: المريد الصادق غني عن علم العلماء وإذا أراد الله بالمريد خيراً أوقعه إلى الصوفية ومنعه صحبة القراء وكان يقول: التصوف أن تكون مع الله تعالى بلا علاقة وتارة يقول: هو عنوة لا صلح فيها، وتارة يقول: هم أهل بيت لا يدخل معهم غيرهم وكان رضي الله عنه يقول: إذا رأيت الصوفي يعبأ بظاهره فاعلم أن باطنه خراب وكان يقول: لقيت إبليس يمشي في السوق عرياناً وبيده كسرة خبز يأكلها فقلت له: أما تستحي من الناس فقال: يا أبا القاسم وهل بقي على وجه الأرض أحد يستحي منه من كان يستحي منهم تحت التراب قد أكلهم الثرى. وسئل رضي الله عنه مرة عن التوحيد الخالص فقال: أن يرجح العبد إلى قوله فيكون كما كان قبل أن يكون وكان يقول التوحيد الذي انفرد به الصوفية هو إفراد القدم عن الحدث والخروج عن الأوطان وقطع المحارب وترك ما علم وجهل ويكون الحق مكان الجميع، وكان رضي الله عنه يقول: علم التوحيد قد طوى بساطه منه عشرين سنة، والناس يتكلمون في حواشيه، وسئل عن الإنسان يكون هادئاً فإذا سمع السماع اضطرب فقال: إن الله تعالى لما خاطب الذرية في الميثاق الأول بقوله: " ألست بربكهم " " الأعراف: 172 " استقرأت عذوبة سماع كلام الأرواح فإذا سمعوا السماع حركهم ذكر ذلك وكان رضي الله عنه يقول: تنزل الرحمة على الفقراء في ثلاثة مواطن عند السماع فإنهم يسمعون إلا من حق، ولا يقومون إلا عن وجد وعند أكل الطعام فإنهم لا يأكلون إلا عن فاقة، وعند مجاراة العلم فإنهم لا يذكرون إلا أحوال الأولياء.

وكان رضي الله عنه يقول: دخلت يوماً على السري فوجدت عنده رجلاً مغشياً عليه فقلت له ماله فقال: سمع آية من كتاب الله تعالى فقلت له: يقرأ عليه الآية مرة أخرى فقرئت فأفاق الرجل فقال السري: من أين علمت هذا؟ فقلت له: إن قميص يوسف عليه السلام ذهب بسببه عينا يعقوب عليه السلام ثم عاد بصره به فاستحسن ذلك مني.

وكان يقول: مبنى التصوف على أخلاق ثمانية من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام: السخاء وهو لإبراهيم، والرضا وهو لإسحاق، والصبر وهو لأيوب والإشارة وهي لزكريا .والغربة وهي ليحيى، ولبس الصوف وهو لموسى، والسياحة وهي لعيسى، والفقر وهو لمحمد صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين.

وحكي أنه لما حضرته الوفاة أوصى أن يدفن معه جميع ما هو منسوب إليه من علمه فقيل له ولم ذلك فقال: أحببت أن لا يراني الله تعالى وقد تركت شيئاً منسوباً إلي وعلم رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أظهر الناس وكان يقول لا تصفو القلوب لعلم الآخرة إلا إذا تجردت من الدنيا فانظر في ابتداء أمرك على إخراج الدنيا من سرك واحذر أن لا يبقى عليك منها دفين هوى كامن فيك فيوقفك ذلك عن النفاذ والترقي ولا يقدر شيخك ينقلك عن ذلك خطوة ما دمت كذلك فاسمع له وأطع. وسئل رضي الله عنه عن المعرفة بالله هل هي كسب ضرورة فقال رضي الله عنه: رأيت الأشياء تدرك بشيئين فما كان منها حاضراً فبالحسن، وما كان منها غائباً فبالدليل، ولما كان الحق تعالى غير باد لحواسنا كانت معرفته بالدليل والفحص إذ كنا لا نعلم الغيب والغائب إلا بالدليل ولا نعلم الحاضر إلا بالحس، وكان رضي الله عنه يقول: ما رأيت أحداً عظم الدنيا فقرت عينه فيها أبداً إنما تقر فيها عين من حقرها، وأعرض عنها، وكان يقول: من فتح على نفسه باب نية حسنة فتح الله عليه سبعين باباً من التوفيق، ومن فتح على نفسه باب نية سيئة، فتح الله عليه سبعين باباً من الخذلان من حيث لا يشعر، وكان رضي الله عنه يقول: ما احتشم صاحب من صاحبه أن يسأله حاجة إلا لنقص في أحدهما وكان يقول: إن للعلم ثمناً فلا تعطوه حتى تأخذوا ثمنه قيل له وما ثمنه قال: وضعه عند من يحسن حمله ولا يضيعه. وقيل له مرة ما بال أصحابك يأكلون كثيراً فقال: لأنهم يجوعون كثيراً قيل له: فما بالهم لا تهمهم قوة شهوة فقال: لأنهم لم يذوقوا طعم الزنا ويأكلون الحلال قيل له: فما بالهم إذا سمعوا القرآن لا يطربون قال: وأي شيء في القرآن يطرب في الدنيا القرآن حق نزل من عند حق لا يليق بصفات الخلق عند كل حرف منه على الخلق واجب لا يخرجهم منه إلا الوفاء لله عز وجل به، فإذا سمعوه في الآخرة من قائله أطربهم قيل له: فما بالهم يسمعون القصائد والأشعار والغناء فيطربون، فقال: لأنها مما عملت أيديهم ولأنه كلام المحبين قيل له: فما بالهم محرومين من أموال الناس فقال: لأن الله تعالى لا يرضى لهم ما في أيدي الناس لئلا يميلوا إلى الخلق فيقطعوا عن الحق تعالى فأفرد القصد منهم إليه اعتناء بهم.

ولما حضرته الوفاة دخل عليه أبو محمد الجريري رضي الله عنه فقال: ألك حاجة قال: نعم إذا مت فغسلني وكفني وصل علي فبكى الجريري وبكى الناس معه ثم قال له الجنيد وحاجة أخرى فقال: وما هي فقال: تتخذ لأصحابنا طعام الوليمة، فإذا انصرفوا من الجنازة رجعوا إلى ذلك حتى لا يقع لهم تشتيت، فبكى الجريري ثم قال والله لئن فقدنا هاتين العينين ما اجتمع منا اثنان أبداً قال أبو جعفر الفرغاني فكان والله كذلك الأمر بعد وفاة الجنيد وإنما كان كذلك الاجتماع ببركة الشيخ ورؤيته رضي الله عنه. قال الجريري وكان في جوار الجنيد رجل مصاب في خربة فلما مات الجنيد رحمه الله تعالى ودفناه ورجعنا من جنازته تقدمنا ذلك المصاب فصعد موضعاً عالياً وقال يا أبا محمد أتراني أرجع إلى تلك الخربة وقد فقدت ذلك السيد ثم أنشأ يقول:

واأسفي من فراق قوم ... هم المصابيح والحصون

والمدن والمزن والرواسي ... والخير والأمن والسكون

لم تتغير لنا الليالي ... حتى توفتهم المنون

فكل جمر لنا قلوب ... وكل ماء لنا عيون

قال ثم غاب عنا فكان ذلك آخر العهد به رضي الله تعالى عنه.


  الصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  

البحث في نص الكتاب



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!