لواقح الأنوار القدسية في مناقب الأخيار والصوفية
وهو كتاب الطبقات الكبرى
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
ومنهم أبو الخير الأقطع التيناتي رحمه الله تعالى
أصله من المغرب، وسكن التينات، وله آيات، وكرامات يطول شرحها. صحب أبا عبد الله بن الجلاء، وغيره من المشايخ رحمهما الله تعالى، وكان أوحد أهل زمانه في التوكل كانت السباع، والهوام تأنس به وله فراسة حادة. مات بمصر سنة نيف وأربعين، وثلاثمائة، ودفن بجنب منارة الديلمية بالقرافة الصغرى رضي الله عنه كان رضي الله عنه يقول: أتيت قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأنا جائع فقلت أنا ضيفك يا رسول الله، وتنحيت، ونمت خلف المنبر فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم فقبلت ما بين عينيه فدفع لي رغيفاً فأكلت نصفه، وانتبهت، وبيدي النصف الآخر، وكتب إلى أبي جعفر الخلدي قد جهل الفقراء عليكم في هذا الزمان، وأصل ذلك منكم لأنكم تصدرتم للمشيخة قبل الكمال فاشتغلتم بتأديب نفوسكم عن تأديبهم، وكان يقول: الذاكر لله لا يقوم له في ذكره عوض فإذا قام له عوض خرج عن ذكره.
ودخل عليه جماعة من البغداديين يتكلمون بشطحهم فضاق صدره من كلامهم فخرج عنهم فجاء السبع فدخل البيت فانضم بعضهم إلى بعض، وسكتوا وتغيرت أحوالهم، وألوانهم وخافوا منه خوفاً شديداً فدخل عليهم أبو الخير، وقال يا إخواني أين تلك الدعاوى ثم طرد السبع عنهم، وكان إبراهيم الرقي يقول قصدت أبا الخير التيناتي مسلماً عليه فصلى المغرب فما قرأ الفاتحة مستوياً فقلت في نفسي ضاعت سفرتي فلما سلمت خرجت للطهارة فقصدني السبع فعدت إليه، وقلت له: إن الأسد قصدني فخرج، وصاح عليه، وقال: ألم أقل لك لا تتعرض لضيفاني فتنحى الأسد، ومضيت أنا، وتطهرت فلما رجعت قال لي اشتغلتم بتقويم الظواهر فخفتم الأسد واشتغلنا بتقويم البواطن فخافنا الأسد، وكان يقول: إياك أن تطلب من الله أن يصبرك، ولكن اسأل الله اللطف بك فهو أولى لأن تجرع مرارات الصبر شديد على أمثالنا، ولما هرب السيد زكريا عليه الصلاة والسلام من اليهود، ونادته الشجرة إلي يا زكريا، وانفرجت له، ودخل في جوفها، وانطبقت عليه لحقه العدو، فتعلق بعباءته، وناداهم إن هذا زكريا فأخرجوا المنشار فنشروه مع الشجرة فلما بلغ المنشار إلى زكريا عليه السلام أن منه أنة فأوحى الله إليه يا زكريا، وعزتي، وجلالي لئن صعدت منك أنة ثانية لأمحونك من ديوان النبوة فعض زكريا على الصبر حتى قطع شطرين.
وكان سبب قطع يده أنه عقد مع الله عقداً أن لا يمد يده إلى شيء مما تنبت الأرض بشهوة فنسي، وتناول عنقوداً من شجرة البطم فبينما هو يلوكه إذ تذكر العقد فرمى بالعنقود وبقي ما في فمه فبصقه، وجلس نادماً قال فما استقر بي الجلوس حتى دار بي فرسان، ورجال وقالوا قم فساقوني إلى أن أخرجوني إلى ساحل بحر الإسكندرية فرأيت هناك أميراً، وبين يديه سودان قد قطعوا الطريق فوجدوني أسود اللون، ومعي ترس، وحربة، وةف فقالوا: هذا منهم بلا شك فقطع أيديهم، وأرجلهم إلى أن وصل إلي فقال لي: قدم يدك فمددتها فقطعها فقال: مد رجلك فمددتها، ثم رفعت رأسي، وقلت إلهي، وسيدي، ومولاي يدي جنت فرجلي ماذا صنعت فدخل عليه فارس، ورمى بنفسه على الأمير وقال: هذا رجل صالح يعرف بأبي الخير التيناتي فرمى الأمير نفسه إلى الأرض، وأخذ يدي المقطوعة من الأرض يقبلها، وتعلق بي يبكي، ويعتذر إلي فقلت له: جعلتك في حل من أول ما قطعتها، وقلت: يد جنت فقطعت رضي الله عنهم أجمعين.
![]() |
![]() |






