لواقح الأنوار القدسية في مناقب الأخيار والصوفية
وهو كتاب الطبقات الكبرى
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
ومنهم أبو صالح سيدي عبد القادر الجيلي (رضي الله عنه)
وهو ابن موسى بن عبد الله بن يحيى الزاهد بن محمد بن داود بن موسى بن عبد الله بن موسى الجون بن عبد الله المحض بن الحسن المثنى بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم أجمعين ولد رضي الله عنه سنة سبعين وأربعمائة، وتوفي سنة إحدى وستين وخمسمائة، ودفن ببغداد رضي الله تعالى عنه وقد أفرده الناس بالتآليف، ونحن نذكر إن شاء الله تعالى ملخص ما قالوه مما به نفع، وتأديب للسامع فنقول وبالله التوفيق: كان رضي الله عنه يقول: عثر الحسين الحلاج فلم يكن في زمنه من يأخذ بيده، وأنا لكل من عثر مركوبه من أصحابي، ومريدي ومحبي إلى يوم القيامة آخذ بيده يا هذا فرسي مسرج ورمحي منصوب، وسيفي شاهر وقوسي موتر أحفظك، وأنت غافل، وحكى عن أمه رضي الله عنها، وكان لها قدم في الطريق أنها قالت لما وضعت ولدي عبد القادر كان لا يرضع ثديه في نهار رمضان، ولقد غم على الناس هلال رمضان فأتوني وسألوني عنه فقلت لهم: إنه لم يلتقم اليوم له ثدياً ثم اتضح أن ذلك اليوم كان من رمضان، واشتهر ببلدنا في ذلك الوقت أنه ولد للأشراف ولد لا يرضع في نهار رمضان، وكان رضي الله عنه يلبس لباس العلماء، ويتطيلس، ويركب البغلة وترفع الغاشية بين يديه، ويتكلم على كرسي عال، وربما خطا في الهواء خطوات على رؤوس الناس.
ثم يرجع إلى الكرسي، وكان رضي الله عنه يقول: بقيت أياماً كثيرة لم أستطعم فيها بطعام فلقيني إنسان أعطاني صرة فيها دراهم فأخذت منها خبزاً سميذاً، وخبيصاً فجلست كله فإذا برقعة مكتوب فيها قال الله تعالى في بعض كتبه المنزلة " إنما جعلت الشهوات لضعفاء خلقي ليستعينوا بها على الطاعات أما الأقوياء فما لهم وللشهوات " فتركت الأكل، وانصرفت.
وكان رضي الله عنه يقول: إنه لترد على الأثقال البهثيرة لو وضعت على الجبال تفسخت فإذا كثرت علي الأثقال وضعت جنبي على الأرض، وتلوت فإن مع العسر يسرا إن مع العسر يسرا ثم أرفع رأسي وقد انفرجت عني تلك الأثقال. وكان رضي الله عنه يقول: قاسيت الأهوال في بدايتي فما تركت هولا إلا ركبته وكان لباسي جبة صوف وعلى رأسي خريقة وكنت أمشي حافياً في الشوك وغيره وكنت أقتات بخرنوب الشوك، وقمامة البقل، وورق الخس من شاطئ النهر، ولم أزل آخذ نفسي بالمجاهدات حتى طرقني من الله تعالى الحال فإذا طرقني صرخت، وهمت على وجهي سواء كنت في صحراء أو بين الناس، وكنت أتظاهر بالتخارس، والجنون، وحملت إلى البيمارستان، وطرقتني مرة الأحوال حتى مت، وجاءوا بالكفن، والغاسل، وجعلوني على المغتسل ليغسلوني ثم سري عني وقمت وقال له رجل مرة كيف الخلاص من العجب فقال رضي الله عنه: من رأى الأشياء من الله، وأنه هو الذي وقفه لعمل الخير، وأخرج نفسه من البين فقد سلم من العجب. وقيل له مرة مالنا لا نرى الذباب يقع على ثيابك فقال: أي شيء يعمل الذباب عندي، وأنا ما عندي شيء من دبس الدنيا، ولا عسل الآخرة.
وكان رضي الله عنه يقول: أيما امرئ مسلم عبر على باب مدرستي خفف الله عنه العذاب يوم القيامة، وكان رجل يصرخ في قبره، ويصيح حتى آذى الناس فأخبروه به فقال: إنه رآني مرة، ولا بد أن الله تعالى يرحمه لأجل ذلك فمن ذلك الوقت ما سمع له أحد صراخاً. وتوضأ رضي الله عنه يوماً فبال عليه عصفور فرفع رأسه إليه، وهو طائر فوقع ميتاً فغسل الثوب ثم باعه، وتصدق بثمنه، وقال هذا بهذا، وكان رضي الله عنه يقول: يا رب كيف أهدي إليك روحي، وقد صح بالبرهان أن الكل لك وكان رضي الله عنه يتكلم في ثلاثة عشر علماً، وكانوا يقرءون عليه في مدرسته درساً من التفسير، ودرساً من الحديث ودرساً من المذهب، ودرساً من الخلاف، وكانوا يقرءون عليه طرفي النهار التفسير، وعلوم الحديث، والمذهب، والخلاف، والأصول، والنحو وكان رضي الله عنه يقرأ القرآن بالقراءات، بعد الظهر.
وكان يفتي على مذهب الإمام الشافعي، والإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنهما، وكانت فتواه تعرض على العلماء بالعراق فتعجبهم أشد الإعجاب فيقولون سبحان من أنعم عليه، ورفع إليه سؤال في رجل حلف بالطلاق الثلاث إنه لا بد أن يعبد الله عز وجل عبادة ينفرد بها دون جميع الناس في وقت تلبسه بها فماذا يفعل من العبادات فأجاب على الفور يأتي مكة ويخلي له المطاف، ويطوف سبعاً وحده، وينحل يمينه فأعجب علماء العراق، وكانوا قد عجزوا عن الجواب عنها، ورفع له شخص ادعى أنه يرى الله عز وجل بعيني رأسه فقال: أحق ما يقولون عنك. فقال: نعم فانتهره، ونهاه عن هذا القول، وأخذ عليه أن لا يعود إليه فقيل للشيخ أمحق هذا أم مبطل فقال هذا محق ملبس عليه، وذلك أنه شهد ببصيرته نور الجمال.
ثم خرق من بصيرته إلى بصره لمعة فرأى بصره ببصيرته، وبصيرته يتصل شعاعها بنور شهوده فظن أن بصره رأى ما شهده ببصيرته، وإنما رأى بصره ببصيرته فقط، وهو لا يدري قال الله تعالى مرج البحرين يلتقيان بينهما برزخ لا يبغيان، وكان جمع من المشايخ، وأكابر العلماء حاضرين هذه الواقعة فأطربهم سماع هذا الكلام، ودهشوا من حسن إفصاحه عن حال الرجل، ومزق جماعة ثيابهم، وخرجوا عرايا إلى الصحراء، وكان رضي الله عنه يقول:
تراءى لي نور عظيم ملأ الأفق ثم تدلى فيه صورة تناديني يا عبد القادر أنا ربك، قد حللت تلك المحرمات فقلت اخسأ يا لعين فإذا ذلك النور ظلام، وتلك الصورة دخان ثم خاطبني يا عبد القادر نجوت مني بعلمك بأمر ربك، وفقهك في أحوال منازلاتك، ولقد أضللت بمثل هذه الواقعة سبعين من أهل الطريق فقلت لله الفضل فقيل له كيف علمت أنه شيطان قال بقوله وقد حللت لك المحرمات. وسئل رضي الله عنه عن صفات الموارد الإلهة، والطوارق الشيطانية فقال الوارد الإلهي لا يأتي باستدعاء، ولا يذهب بسبب، ولا يأتي على نمط واحد، ولا في وقت مخصوص، والطارق الشيطاني بخلاف ذلك غالباً. وسئل رضي الله عنه عن الهمة فقال: هي أن يتعرى العبد بنفسه عن حب الدنيا، وبروحه عن التعلق بالعقبى، وبقلبه عن إرادته مع إرادة المولى، ويتجرد بسره عن أن يلمح الكون أو يخطر على سره، وسئل رضي الله عنه عن البكاء فقال: ابك له وابك منه وابك عليه، ولا حرج.
وسئل رضي الله عنه عن الدنيا فقال: أخرجها من قلبك إلى يدك فإنها لا تضرك. وسئل رضي الله عنه عن الشكر فقال: حقيقة الشكر الاعتراف بنعمة المنعم على وجه الخضوع، ومشاهدة المنة، وحفظ الحرمة على وجه معرفة العجز عن الشكر وكان يقول: الفقير الصابر مع الله تعالى، أفضل من الغني الشاكر له والفقير الشاكر أفضل منهما والفقير الصابر الشاكر أفضل منهم وما خطب البلاء إلا من عرف المبلى وسئل رضي الله عنه عن حسن الخلق فقال هو أن لا يؤثر فيك جفاء الخلق بعد مطالعتك للحق واستصغار نفسك، وما منها معروفة بعيوبها، واستعظام الخلق، وما منهم نظروا إلى ما أودعوا من الإيمان والحكم. وسئل رضي الله عنه عن البقاء فقال: البقاء لا يكون إلا مع اللقاء واللقاء يكون كلمح البصر أو هو أقرب، ومن علامة أهل اللقاء أن لا يصحبهم في وصفهم به شيء فان لأنهما ضدان، وكان يقول متى ذكرته فأنت محب، ومتى سمعت ذكره لك فأنت محبوب، والخلق حجابك عن نفسك، ونفسك حجابك عن ربك، رما دمت ترى الخلق لا ترى نفسك، وما دمت ترى نفسك لا ترى ربك، ولما اشتهر أمره في الآفاق اجتمع مائة فقيه من أذكياء بغداد يمتحنونه في العلم فجمع كل واحد له مسائل، وجاء إليه فلما استقر بهم المجلس أطرق الشيخ فظهرت من صدره بارقة من نور فمرت على صدور المائة فمحت ما في قلوبهم فبهتوا، واضطربوا، وصاحوا صيحة، واحدة، ومزقوا ثيابهم، وكشفوا رؤوسهم ثم صعد الكرسي.
وأجاب الجميع عما كان عندهم فاعترفوا بفضله، وكان من أخلاقه أن يقف مع جلالة قدره الصغير، والجارية، ويجالس الفقراء ويفلي لهم ثيابهم وكان لا يقوم في لأحد من العظماء ولا أعيان الدولة، ولا ألم قط بباب وزير، ولا سلطان، وكان الشيخ علي بن الهيتي رضي الله عنه يقول عن الشيخ عبد القادر رضي الله عنه: كان قدمه على التفويض والموافقة مع التبري من الحول والقوة وكانت طريقته تجريد التوحيد وتوحيد التفريد مع الحضور في موقف العبودية لا بشيء ولا لشيء، وكان الشيخ عدي بن مسافر رضي الله عنه يقول: كان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه طريقته الذبول تحت مجاري الأقدار بموافقة القلب والروح، واتخاد الباطن، والظاهر، وانسلاخه من صفات النفس مع الغيبة عن رؤية النفع، والضرر، والقرب والبعد، وكان الشيخ بقاء بن بطو رضي الله عنه يقول: كان طريق الشيخ عبد القادر رضي الله عنه اتحاد القول، والفعل، والنفس، والوقت ومعانقة الإخلاص، والتسليم، وموافقة الكتاب، والسنة في كل نفس، وخطرة ووارد، وحال الثبوت مع الله عز وجل، وفي روايه كانت قوة الشيخ عبد القادر رضي الله عنه في طريقه إلى ربه كقوى جميع أهل الطريق شدة ولزوماً، وكانت طريقته التوحيد وصفاً، وحكماً، وحالا وتحقيقه الشرع ظاهراً، وباطناً، ووصفه قلب فارغ، وكون غائب، ومشاهده رب حاضر بسريرة لا تتجاذبها الشكوك، وسر لا تنازعه الأغيار، وقلب لا تفارقه البقايا رضي الله عنه. وكان أبو الفتح الهروي رضي الله عنه يقول: خدمت الشيخ عبد القادر رضي الله عنه أربعين سنة فكان في مدتها يصلي الصبح بوضوء العشاء، وكان كلما أحدث جدد في وقته وضوءه ثم يصلي ركعتين، وكان يصلي العشاء ويدخل خلوته، ولا يمكن أحداً أن يدخلها معه فلا يخرج منها إلا عند طلوع الفجر ولقد أتاه الخليفة يريد الاجتماع به ليلا فلم يتيسر له الاجتماع إلى الفجر قال الهروي: وبت عنده ليلة فرأيته يصلي أول الليل يسيراً ثم يذكر الله تعالى إلى أن يمضي الثلث الأول يقول المحيط: الرب الشهيد الحسيب الفعال الخلاق الخالق البارئ المصور فتتضاءل جثته مرة، وتعظم أخرى، ويرتفع في الهواء إلى أن يغيب عن بصري مرة ثم يصلي قائماً على قدميه يتلو القرآن إلى أن يذهب الثلث الثاني، وكان يطيل سجوده جداً ثم يجلس متوجهاً مشاهداً مراقباً إلى قريب طلوع الفجر ثم يأخذ في الدعاء، والابتهال والتذلل، ويغشاه نور يكاد يخطف الأبصار إلى أن يغيب فيه عن النظر قال، وكنت أسمع عنده سلام عليكم سلام عليكم وهو يرد السلام إلى أن يخرج لصلاة الفجر، وكان الشيخ عبد القادر رضي الله عنه يقول: أقمت في صحراء العراق، وخرائبه خمساً وعشرين سنة مجرداً سائحاً لا أعرف الخلق ولا يعرفوني يأتيني طوائف من رجال الغيب، والجان أعلمهم الطريق إلى الله عز وجل.
ورافقني الخضر عليه السلام في أولى دخولي العراق، وما كنت عرفته، وشرط أن لا أخالفه وقال لي اقعد هنا فجلست في الموضع الذي أقعدني فيه ثلاث سنين يأتيني كل سنة مرة ويقول لي مكانك حتى آتيك قال: ومكثت سنة في خرائب المدائن آخذ نفسي بطريق المجاهدات فآكل المنبوذ، ولا أشرب الماء، ومكثت فيها سنة أشرب الماء، ولا آكل المنبوذ وسنة لا آكل، ولا أشرب، ولا أنام، ونمت مرة بإيوان كسرى في ليلة باردة فاحتلمت فقمت، وذهبت إلى الشط، واغتسلت ثم نمت فاحتلمت فذهبت إلى الشط، واغتسلت قوقع لي ذلك في تلك الليلة أربعين مرة، وأنا أغتسل ثم صعدت إلى الإيوان خوف النوم، دخلت في ألف فن حتى أستريح من دنياكم، وكان رضي الله عنه يرى الجلوس على بساط الملوك، ومن داناهم من العقوبات المعجلة للفقير، وكان رضي الله عنه إذا جاءه خليفة أو وزير يدخل الدار ثم يخرج حتى لا يقوم له إعزازاً للطريق في أعين الفقراء، واجتمع عنده جماعة من الفقراء، والفقهاء في مدرسة النظامية فتكلم عليهم في القضاء، والقدر فبينما هو يتكلم إذا سقطت عليه حية من السقف ففر منها كل من كان حاضراً عنده.
ولم يبق إلا هو فدخلت الحية تحت ثيابه، ومرت على جسمه، وخرجت من طوقه، والتوت على عنقه، وهو مع ذلك لا يقطع كلامه، ولا غير جلسته ثم نزلت على الأرض، وقامت على ذنبها بين يديه فصوتت ثم كلمها بكلام ما فهمه أحد من الحاضرين ثم ذهبت فرجع الناس، وسألوه عما قالت فقال: قالت لي: لقد اختبرت كثيراً من الأولياء فلم أر مثل ثباتك فقلت لها: وهل أنت إلا دويدة يحركك القضاء، والقدر الذي أتكلم فيه قال الشيخ عبد القادر رضي الله عنه ثم إنها جاءتني بعد ذلك، وأنا أصلي ففتحت فمها موضع سجودي فلما أردت السجود دفعتها بيدي، وسجدت فالتفت على عنقي ثم دخلت من كمي.
وخرجت من الكم الآخر ثم دخلت من طوقي ثم خرجت فلما كان الغد دخلت خربة فرأيت شخصاً عيناه مشقوقتان طولا فعلمت أنه جني فقال لي أنا الحية التي رأيتها البارحة، ولقد اختبرت كثيراً من الأولياء بما اختبرتك به فلم يثبت أحد منهم لي كثباتك، وكان منهم من اضطرب باطنه، وثبت ظاهره، ومنهم من اضطرب ظاهراً، وباطناً، ورأيتك لم تضطرب ظاهراً ولا باطناً، وسألني أن يتوب على يدي فتوبته، وكان رضي الله عنه يقول: ما ولد لي قط مولود إلا أخذته على يدي وقلت: هذا ميت فأخرجه من قلبي أول ما يولد قال ابن الأحض رحمه الله تعالى، وكنا ندخل على الشيخ عبد القادر رضي الله عنه في الشتاء، وقوة برده، وعليه قميص واحد، وعلى رأسه طاقية، والعرق يخرج من جسده، وحوله من يروحه بمروحة كما يكون في شدة الحر.
وكان رضي الله عنه يقول لأصحابه اتبعوا، ولا تبتدعوا وأطيعوا، ولا تخالفوا، واصبروا، ولا تجزعوا، واثبتوا، ولا تتمزقوا، وانتظروا، ولا تيأسوا، واجتمعوا على الذكر، ولا تتفرقوا، وتطهروا عن الذنوب، ولا تتلطخوا، وعن باب مولاكم لا تبرحوا، وكان رضي الله عنه يقول: إذا ابتلى أحدكم ببلية فليحرك أولا لها نفسه فإن لم يخلص منها فليستعن بغيره من الأمراء، وغيرهم فإن لم يخلص فليرجع إلى ربه بالدعاء، والتضرع، والانطراح بين يديه فإن لم يجبه فليصبر حتى ينقطع عنه جميع الأسباب، والحركات، ويبقى روحاً فقط لا يرى إلا فعل الحق جل، وعلا فيصير موحداً ضرورة، ويقطع بأن لا فاعل في الحقيقة إلا الله فإذا شهد ذلك تولى أمره الله فعاش في نعمة ولذة فوق لذة ملوك الدنيا لا تشمئز نفسه قط من مقدور قدره الله عليه، وكان رضي الله عنه يقول: إذا مت عن الخلق قيل لك رحمك الله، وأماتك عن هواك فإذا مت عن هواك قيل لك رحمك الله، وأماتك عن إرادتك، ومناك فإذا مت عن إرادتك، ومناك قيل لك رحمك الله وأحياك فحينئذ تحيا حياة طيبة لا موت بعدها، وتغنى غنى لا فقر بعده، وتعطى عطاء لا منع بعده، وتعلم علماً لا جهل بعده وتأمن أمناً لا تخاف بعده، وتكون كبريتاً أحمر لا يكاد يرى وكان رضي الله عنه يقول: أفن عن الخلق بحكم الله تعالى وعن هواك بأمر الله، وكان رضي الله عنه يقول: إشراك الخواص أن يشركوا إرادتهم بإرادة الحق على وجه السهو، والنسيان وغلبة الحال، والدهشة فيتداركهم الله باليقظة، والتذكير فيرجعوا عن ذلك، ويستغفروا ربهم إذ لا معصوم من هذه الارادة إلا الملائكة كما عصم الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وبقية الخلق من الجن، والإنس المكلفين لم يعصموا منها غير أن الأولياء يحفظون عن الهوى، والأبدال عن الإرادة، وكان رضي الله عنه يقول: اخرج عن نفسك، وتنح عنها، وانعزل عن ملكك، وسلم الكل إلى مولاك، وكن بوابه على باب قلبك فأدخل ما يأمرك بإدخاله، وأخرج ما يأمرك بإخراجه، ولا تدخل الهوى قلبك فتهلك، وكان رضي الله عنه يقول: احذر، ولا تركن، وخف ولا تأمن وفتش، ولا تفعل فتطمئن، ولا تضف إلى نفسك حالا ولا مقالا ولا تدع شيئاً من ذلك، ولا تخبر أحداً به فإن الله تعالى كل يوم هو في شأن في تغيير، وتبديل يحول بين المرء، وقلبه فيزلك عما أخبرت به، ويعز لك عما تخيلت ثباته فتخجل عند من أخبرته بذلك بل احفظ ذلك، ولا تعده إلى غيرك فإن كان الثبات، والبقاء فتعلم أنه موهبة فتشكر، واسأل الله التوفيق، وإن كان غير ذلك كان فيه زيادة علم، ومعرفة، ونور، وتيقظ، وتأديب قال تعالى: " ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " " البقرة: 106 " وكان رضي الله عنه يقول: إذا أقامك الله تعالى في حالة فلا تختر غيرها أعلى منها أو أدنى منها. قلت: أما طلب الأدنى فظاهر لاستبداله الأدنى بالذي هو خير منه، وأما في الأعلى فلما يطرق الطالب للعلو من الهوى، والإدلال فالنهي في كلام الشيخ رضي الله عنه لمن لم يخرج عن هوى نفسه أما من خرج عن ذلك فله السؤال في مراتب الترقي عبودية محضة، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: إن كنت تريد دخول دار الملك فلا تختر الدخول إلى الدار بالهوى حتى يدخلك إليها جبراً أعني بالجبر أمراً عنيفاً متكرراً، ولا تقنع بمجرد الأمر بالدخول لجواز أن يكون ذلك بمكر أو خديعة لكن اصبر حتى تجبر على الدخول فتدخل الدار جبراً محضاً، وفضلا من الملك فحينئذ لا يعاقبك الملك على فعله، وإنما تتطرق إليك العقوبة من شؤم شرك، وقلة صبرك، وسوء أدبك، وترك الرضا بحالتك التي أقامك الحق فيها ثم إذا دخلت الدار فكن مطرقاً غاضاً بصرك متأدباً محافظاً لما تؤمر به من الخدمة غير طالب للترقي إلى الطبقة الوسطى، ولا إلى الذروة العليا قال تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: " لا تمدن عينيك " " الحجر: 88 " الآية.
وكان رضي الله عنه يقول: لا تختر جلب النعماء ولا دفع البلوى فإن النعماء واصلة إليك بالقسمة استحليتها أم كرهتها، والبلوى حالة بك، ولو كرهتها، ودفعتها فسلم لله تعالى في الكل يفعل ما يشاء فإن جاءتك النعماء فاشتغل بالذكر، والشكر، وإن جاءتك البلوى فاشتغل بالصبر، والموافقة، والرضا والتنعم بها، والعدم، والفناء عنها على قدر ما تعطي من الحالات، وتنتقل فيها حتى تصل إلى الرفيق الأعلى، وتقام في مقام من تقدم، ومضى من الصديقين، والشهداء فلا تجزع من البلوى، ولا تقف بدعائك في وجهها، وقربها فليس نارها أعظم من نار جهنم وفي الخبر إن نار جهنم تقول للمؤمن جز يا مؤمن فقد أطفأ نورك لهبي وليس نور المؤمن الذي أطفأ لهب النار إلا الذي صحبه في دار الدنيا وتميز به عمن عصى فليطفئ بهذا النور لهب البلوى فإن البلية لم تأت العبد لتهلكه، وإنما تأتيه لتختبره، وكان رضي الله عنه يقول: لا تشكون لأحد ما نزل بك من ضر كائناً ما كان صديقاً أو قريباً، ولا تتهمن ربك قط فيما فعل فيك، ونزل بك من إرادته بل أظهر الخير، والشكر، ولا تسكن بر أحد من الخلق، ولا تستأنس به ولا تطلع أحد على ما أنت فيه لا فاعل سوى ربك " وكل شيء عنده بمقدار - إن يمسسك الله بضر فلا كاشف له إلا هو " واحذر أن تشكو الله وأنت معافى وعندك نعمة ما طلباً للزيادة، وتعاميا لما له عندك من النعمة والعافية ازدراء بها فربما فضب عليك، وأزالها عنك، وحقق شكواك، وضاعف بلاءك، وشدد عليك العقوبة، رفقتك، وأسقطك من عينه، وأكثر ما ينزل بابن آدم من البلايا لشكواه من ربه عز وجل.
وكان رضي الله عنه يقول: لا يصلح لمجالسة الملوك إلا المطهر من رجس الزلات، والمخالفات، ولا تقبل أبوابه تعالى إلا طيباً من الدعاوي، والهوسات، وأنت يا أخي غارق ليلا، ونهاراً في المعاصي، والقاذورات، ولذلك ورد " حمى يوم كفارة سنة " فالأمراض، والشدائد جعلها الله تعالى مطهرات لك لتصلح لقربه، ومجالسته لا غير، وقد ورد أيضاً " أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل ودوام البلاء خاص بأهل الولاية الكبرى، وذلك ليكونوا أبداً في الحضرة، ويمتنعوا من الميل إلى غير الله تعابى ثم إذا دام البلاء بالعبد قوي قلبه، وضعف هواه، وكان رضي الله عنه يقول: ارض بالدون، ولا تنازع ربك في قضائه فيقصمك، ولا تغفل عنه فيسلمك ولا تقل في دينه بهواك فيرديك، ولا تسكن إلى نفسك فتبلى بها، وبمن هو شر منها، ولا تظلم أحداً ولو بسوء ظنك به، وحملك له على محامل السوء فإنه لا يجاوز بك ظلم ظالم، وكان رضي الله عنه يقول: إذا وجدت في قلبك بغض شخص أو حبه فاعرض أفعاله على الكتاب، والسنة فإن كانت محبوبة فيهما فأحبه، وإن كانت مكروهة فاكرهه لئلا تحبه بهواك، وتبغضه بهواك قال تعالى: " ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله " " ص: 26 " ولا تهجر أحداً إلا لله، وذلك إذا رأته مرتكباً كبيرة أو مصراً على صغيرة. قلت: ومعنى رأيته مرتكباً كبيرة: العلم بذلك، ولو ببينة فلا يشترط في جواز الهجر رؤية الهاجر لذلك العاصي ببصره، ولذلك قال سيدي على الخواص رضي الله عنه شرط جواز الهجر علم الهاجر بوقوع المهجور فيما هجر لأجله يقيناً لا ظناً، وتخميناً فلا يجوز لك الهجر من غير تحقق، وتثبت، وهذا الباب هلك فيه خلق كثير، ولم يموتوا حتى ابتلاهم الله تعالى بما رموا به الناس، والله أعلم. وكان رضي الله عنه يقول: إذا أحب الله عبداً لم يزد له مالا، ولا ولداً وذلك ليزول اشتراكه في المحبة لربه تعالى، والحق غيور لا يقبل الشركة. قلت: فإن بلغ الولي إلى مقام لا يشغله عن الله شاغل فلا بأس بالمال، والأولاد وكان رضي الله عنه يقول: لا تطمع أن تدخل زمرة الروحانيين حتى تعادى جملتك، وتباين جميع الجوارح والأعضاء، وتنفرد عن وجودك، وسمعك، وبصرك، وبطشك، وسعيك، وعملك، وعقلك، وجميع ما كان منك قبل، وجود الروح، وما أوجد فيك بعد كنفخ لأن جميع ذلك حجابك عن ربك عز وجل كما قال الخليل للأصنام في قوله تعالى: فإنهم عدو لي إلا رب العالمين " " الشعراء: 77 " فاجعل أنت جملتك، وأجزاءك أصناماً مع سائر الخلق، ولا ترى لغير ربك، وجوداً مع لزوم الحدود، وحفظ الأوامر، والنواهي فإن انخرم فيك شيء من الحدود فاعلم أنك مفتون قد لعب بك الشيطان فارجع إلى حكم الشرع، والزمه ودع عنك الهوى لأن كل حقيقة لا تشهد لها الشريعة فهي باطلة، وكان رضي الله عنه يقول: كثيراً ما يلاطف الحق تعالى عبده المؤمن فيفتح قبالة قلبه باب الرحمة، والمنة، والإنعام فيرى بقلبه ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر من مطالعة الغيوب، والتعريف، والكلام اللطيف، والوعد الجميل والدلائل، والإجابة في الدعاء، والتصديق، والوعد، والوفاء، والكلمات من الحكمة ترمي إلى قلبه، وغير ذلك من النعم الفائقة كحفظ الحدود، والمداومة على الطاعات فإذا اطمأن العبد إلى ذلك واغتر به واعتقد دوامه فتح الله عليه أنواع البلايا، والمحن في النفس والمال، والولد وزال عنه جميع ما كان فيه من النعم فيصير العبد متحيراً منكسراً إن نظر إلى ظاهره رأى ما يسره، وإن نظر إلى باطنه رأى ما يحزنه، وإن سأل الله تعالى كشف ما به من الضر لم يرج إجابة، وإن طلب الرجوع إلى الخلق لم يجد إلى ذلك سبيلا، وإن عمل بالرخص تسارعت إليه العقوبات، وتسلطت الخلائق على جسمه، وعرضه وإن طلب الإقالة لم يقل وإن رام الرضا، والتنعم بما به من البلاء، لم يعط فحينئذ تأخذ النفس في الذوبان، والهوى في الزوال، والإرادات، والأماني في الرحيل، والأكوان في التلاشي فيدام له ذلك ويشدد عليه حتى تفنى أوصاف بشريته، ويبقى روحاً فقط فهناك يسمع النداء من قلبه: " أركض برجلك هذا مغتسل بارد وشراب " " ص: 42 " . وردت عليه جميع الخلع، وأزيد منها وتولى الحق سبحانه وتعالى تربيته بنفسه " فلا تعلم نفس ما أخفى لهم من قرة أعين " " السجدة: 17 " .
وكان رضي الله عنه يقول: ما سأل أحد الناس من دون الله تعالى إلا لجهله بالله وضعف إيمانه، ومعرفته، ويقينه، وقلة صبره، وما تعفف من تعفف عن ذلك إلا لوفور علمه بالله عز وجل، ووفور إيمانه، وحيائه منه سبحانه وتعالى، وكان رضي الله عنه يقول: إنما كان الحق تعالى لا يجيب عبده في كل ما سأله فيه إلا شفقة على العبد أن يغلب عليه الرجاء، والغرة فيتعرض للمكربة، ويغفل عن القيام بأدب الخدمة فيهلك والمطلوب من العبد أن لا يركن لغير ربه والسلام وكان رضي الله عنه يقول: علامة الابتلاء على وجه العقوبة، والمقابلة عدم الصبر عند وجود البلاء والجزع، والشكوى إلى الخلق، وعلامة الابتلاء تكفيراً، وتمحيصاً للخطيئات، وجود الصبر الجميل من غير شكوى، ولا جزع ولا ضجر، ولا ثقل في أداء الأوامر، والطاعات، وعلامة الابتلاء لارتفاع الدرجات، وجود الرضا والموافقة، وطمأنينة النفس والسكون للأقدار حتى تنكشف، وكان رضي الله عنه يقول: من أراد الآخرة فعليه بالزهد في الدنيا ومن أراد الله فعليه بالزهد في الآخرى، وما دام قلب العبد متعلقاً بشهوة من شهوات الدنيا أو لذة من لذاتها من مأكول أو ملبوس أو منكوح أو ولاية أو رياسة أو تدقيق في فن من الفنون الزائدة على الفرض كرواية الحديث الآن، وقراءة القرآن بالروايات السبع، وكالنحو، واللغة، والفصاحة فليس هذا محباً للآخرة، وإنما هو راغب في الدنيا وتابع هواه، وكان رضي الله عنه يقول: تعام عن الجهات كلها، ولا تعضض على شيء منها فإنك ما دمت تنظر إليها فباب فضل الله عنك مسدود فسد الجهات كلها بتوحيدك، وامحها بيقينك ثم بفنائك ثم بمحوك ثم بعلمك، وحينئذ تفتح من عيون قلبك جهة الجهات، وهي جهة فضل الله الكريم فتراها بعين رأسك فلا تجد بعد ذلك فقراً، ولا غنى وكان رضي الله عنه يقول: كلما جاهدت النفس، وغلبتها، وقتلتها بسيف المجاهدة أحياها الله عز وجل، ونازعتك وطلبت منك الشهوات، واللذات المحرمات منها والمباح لتعود معها إلى المجاهدة، والمقاتلة ليكتب لك نوراً، وثواباً دائماً وهو معنى قول النبي صلى الله عليه وسلم: " رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " .
وكان رضي الله عنه يقول: كل مؤمن مكلف بالتوقف، والتفتيش عند حضور ما قسم له فلا يتناوله، ويأخذه حتى يشهد له الحكم بالإباحة، والعلم بالقسم كما قال عليه الصلاة والسلام: " المؤمن فتاش والمنافق لفاف " والله تعالى أعلم.
![]() |
![]() |






