لواقح الأنوار القدسية في مناقب الأخيار والصوفية
وهو كتاب الطبقات الكبرى
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
ومنهم الشيخ العارف بالله تعالى سيدي محمد المنير (رضي الله عنه)
أحد أصحاب سيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه، وهو الذي أمره بحفر البئر، والسقي منها على الطريق في المحل الذي هو فيه الآن قبل عمارة البلد، فأقام مدة يسقي عليها، وبني لزوجته خصاً ثم عمرت الناس حول الخص إلى أن صارت بلداً، وكان يحج كل سنة، ويقدس بعد أن يصل إلى مصر، ويقيم شهراً، وأخبرني رضي الله عنه قبل موته أنه حج سبعة، وستين حجة هذا لفظه لي بالجامع الأزهر، وهو معتكف أواخر رمضان، وكان رضي الله عنه يكره الكلام في الطريق من غير سلوك، ولا عمل ويقول: هذا بطالة، ومكث نحو ثلاثين سنة يقرأ في الليل ختمة، وفي النهار ختمة، وكانت عمامته صوفاً أبيض، وكان يلبس البشت المخطط بالأحمر، ويقول: أنا رجل أحمدي تبعاً لسيدي إبراهيم المتبولي رضي الله عنه، وترددت إليه في حياته نحو العشرين سنة، وحججت معه الحجة الأولى سنة خمس عشرة وتسعمائة، وكان رضي الله عنه أكثر أوقاته يحج على التجريد ماشياً، وعلى كتفه ركوة يسقي الناس منها، وكان رحمه الله يطوي الأكل، والشرب في الطريق، وفي مدة إقامته بمكة، والمدينة خوف التغوط في تلك الأماكن، وكان عليه القبول، وكان له شعرة طويلة بيضاء، وكان يحلقها في كل سنة في الحج، وكان رحمه الله يحمل لأهل مكة، والمدينة ما يحتاجون إليه من الزاد، والسكر، والصابون والخيط، والإبر، والكحل لكل واحد عنده نصيب فكانوا يخرجون يتلقونه من مرحلة، وكان سيدي محمد بن عراق رضي الله عنه ينكر عليه، ويقول هذه الأشياء يحملها من الأمراء، وتجار مصر من الحرام، والشبهات فبلغه ذلك فمضى إليه حافياً مكشوف الرأس.
فلما وصل إلى خلوته بالحرم النبوي قبل العتبة، ووقف خاضعاً غاضاً طرفه، وقال: يا سيدي يدخل محمد المنير فلم يرد عليه سيدي محمد بن عراق شيئاً فكرر عليه القول فلم يرد عليه شيئاً فرجع منكسراً، فما حكيت هذه الحكاية لسيدي على الخواص حين قدم مع الحاج المصري قال: وعزة ربي قتله، وعزة ربي قتله، فإنه ما ذهب قط لفقير على هذه الحالة إلا وقتله فجاء الخبر بأنه مات بعد خروج الحاج من المدينة بعد عشرين يوماً.
قلت: ولما بلغني أنه حضرته الوفاة أخبرت أخي العباس الحريثي، وأخي أبا العباس الغمري، فقالوا: نسافر إليه نعوده، فتوافقنا أن كل من سبق رفيقه بعد الفجر ينتظره في باب النصر، فذهبت فقال لي: البواب إن جماعة وقفوا، وانتظروا هنا ساعة ثم ساروا نحو طريق الخانكة فظننت أنه الشيخ أبو العباس الغمري فرحلت خلفه فرافقني فقير هيئة أهل اليمن. وقال: أين قاصد؟ قلت: المنير فقال: وأنا كذلك وكان تحتي حمار أعرج، وكان ذلك في أيام الشتاء، وكان أقصر الأيام فما ارتفعت الشمس إلا، ونحن داخلون المنير، فدخلت فوجدت الشيخ محتضراً له ثلاثة أيام لم ينطق فقال: من أنت؟ قلت: عبد الوهاب فقال يا أخي كلفت خاطرك من مصر فقلت ما حصل إلا الخير فدعا لي دعوات منها أسأل الله تعالى أن يسترك بستره الجميل في الدنيا، والآخرة ثم ودعته بعد الظهر، وأقمت بالخانكة إلى بعد العصر ثم دخل سيدي أبو العباس، فاعتقد أني ما رحت إلى الشيخ إلى الآن، فقال: اركب فقلت له: إني رحت إلى الشيخ، وسلمت عليه وبالأمارة تحت رأسه مخدة حمراء مصبوغة فهذه كرامة للشيخ، فإن المدة بعيدة من مصر لا يصل المسافر في العادة إليها أواخر النهار. مات رضي الله عنه سنة نيف، وثلاثين وتسعمائة رضي الله عنه.
![]() |
![]() |






