موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

المكتبة الأكبرية

*** يرجى الملاحظة أن بعض هذه الكتب غير محققة والنصوص غير مدققة ***

*** حقوق الملكية للكتب المنشورة على هذا الموقع خاضعة للملكية العامة ***

رسالة إيضاح المقصود من وحدة الوجود

للشيخ عبد الغني النابلسي

الحمد الله الموصوف بوحدة الوجود على حد ما تعرفه أهل المعاينة والشهود، لا على المعنى الفاسد الذي عند أهل الإلحاد والزندقة وأهل الإنكار والجحود، لأن كل شيء من جهة نفسه معدوم مفقود، وإنما هو بوجود الله تعالى موجود، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الذي فتح الله تعالى بأنوار متابعته كل باب مسدود، لمن حافظ على الأحكام الشرعية وأقام الحدود، وعلى آله وأصحابه وتابعيه وأنصاره وأحزابه الموفين بالعهود، وسلم تسليمًا.
 
أما بعد :
فيقول العبد الفقير إلى مولاه القدير عبد الغني بن إسماعيل ابن النابلسي، أخذ الله تعالى بيده، وأمده بمدده، هذه رسألة عملتها في تحقيق المعنى المراد عند أهل الله تعالى المحققين الأمجاد بإطلاقهم وحدة الوجود وق ولهم بأنه لا شيء مع الله تعالى موجود وبيان صحة هذه المقالة ونفي ما عداها من ضلالات أهل الغواية والجهالة، والحكم على ما يخالف ذلك بالاستحالة وأسميتها "إيضاح المقصود من معنى وحدة الوجود" ومن الله أستمد الإعانة على هذه الإبانة، وهو حسبي ونعم الوكيل، والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.
اعلم أن هذه المسألة، وهي مسألة وحدة الوجود، قد أكثر العلماء فيها الكلام قديماً وحديثاً وردها قوم قاصرون غافلون محجوبون، وقبلها قوم آخرون عارفون محققون ومن ردها إنما ردها لعدم فهم معناها عند القائلين بها وتوهمه منها المعنى الفاسد فلا التفات لرده كائنا منك ان لصده عن الحق، وإنما رده في الحقيقة واقع على ما فهمه من المعنى الفاسد لا على هذه المسألة فهو الذي صور الضلال ورده.
وأما القائلون بها فإنهم العلماء المحققون والفضلاء العارفون أهل الكشف والبصيرة الموصفون بحسن السيرة وصفاء السريرة كالشيخ الأكبر محي الدين ابن عربي والشيخ شرف الدين ابن الفارض والعفيف التلمساني والشيخ عبد الكريم الجيلي وأمثاله قدس الله تعالى أسرارهم وضاعف أنوارهم فإنهم قائلون بوحدة الوجود وأتباعهم إلى يوم القيامة إن شاء الله تعالى.
وليس قولهم بذلك مخالفًا لما عليه أئمة أهل السنة والجماعة، وحاشاهم من المخالفة، وإنما المنكر عليهم وعلى أمثالهم أنكر من قصور فهمه وقلة معرفته باصطلاحهم، وعدم علمه فإن علومهم مبنية على الكشف والعيان وعلوم غيرهم مستفادة من الخواطر الفكرية والأذهان وبداية طريقهم التقوى والعمل الصالح وبداية طريق غيرهم مطالعة الكتب والاستمداد من المخلوقين في حصول المصالح ونهاية علومهم الوصول إلى شهود حضرة الحي القيوم ونهاية علوم غيرهم تحصيل الوظائف والمناصب وجمع الحطام الذي لا يدوم، فلا طريق إلا طريق السادة ألائمة الهداة القادة ولا اعتقاد إلا وحدة الوجود على المعنى الصحيح الموافق للشهود، والواجب على كل مكلف أن يبحث عنه ويتحقق به على الوجه التام ويحتفظ بعلمه ويترك ما عداه من أقوال علماء الكلام لأنه القول الحق والاعتقاد الصدق والواجب أيضا حمايته من طعن الطاعنين وذم الجاهلين له المتكلمين فيه من غير معرفة به الضالين المضلين.
وأعلم أنه ليس المراد بوحدة الوجود خلاف ما عليه أئمة الإسلام بل المراد بذلك ما اتفق عليه جميع الخاص والعام وما هو معلوم من الدين بالضرورة من غير إنكار أص لا من مؤمن ولا كافر ولا يتصور في ه إنكار عند العقلاء من الأنام وأن جميع العوالم كلها على اختلاف أجناسها وأنواعها وأشخاصها موجودة من العدم بوجود الله تعالى لا بنفسها محفوظ عليها الوجود في كل لمحة بوجود الله تعالى لا بنفسها، وإذا كانت كذلك فوجودها الذي هي به موجودة في كل لمحة هو وجود الله تعالى لا وجود أخر غير وجود الله تعالى فالعوال م كلها من جهة نفسها معدومة بعدمها الأصلي وأما من جهة وجود الله تعالى فهي موجودة بوجوده تعالى ووجودها الذي هي موجودة به وجود واحد هو وجود الله تعالى فقط وهي لا وجود لها من جهة نفسها أصلا، وليس المراد بوجودها الذي هو وجود الله تعالى عين ذاتها وصورها بل المراد ما به ذواتها وصورها ثابتة في أعيانها وما ذلك إلا وجود الله تعالى بإجماع العقلاء، وأما ذواتها وصورها من حيث هي في نفسها مع قطع النظر عن إيجاد الله تعالى لها بوجوده سبحانه فلا وجود لأعيانها أصلا وأما القائلون من علماء الرسوم وعلماء الكلام بأن الو جود اثنان وجود قديم ووجود حادث فمرادهم بالوجود الحادث نفس أعيان الذوات والصور فقط وبهذا كان مذهب الأشعري رحمه الله تعالى بأن وجود كل شيء عين عين ذات ذلك الشيء لا زائد عليه كما تقرر في موضوعه.
وأما الوجود الذي به تلك الذوات والصور موجودة فلا شك بأنه وجود الله تعالى عند جميع العقلاء بلا خلاف وكلام المحققين من أهل الله تعالى عن هذا الوجود لا عن الوجود الذي هو عين ذات الموجودات والخلاف في رد القول بوحدة الوجود وقبوله مبني على تعين المعنى المراد بالوجود فمن فسره بعين الذات الموجد يرد القول بوحدة الوجود لإثباته وجودًا حادثا هو عين ذات الموجود الحادث.
ومع ذلك رد القول بوحدة الوجود محض خطأ، لأن هذا الوجود الحادث الذي يزعم أنه وجود ثان غير وجود الله تعالى قائم عنده أيضا بوجود الله تعالى فرجع الوجود كله إلى وجود الله تعالى عنده أيضا.
ومن فسر الوجود بما صار به الموجود الحادث موجودا فإنه يقبل القول بوحدة الوجود ويعتقد حقا وهو الصواب الذي ترجع إليه الأفعال جميعها لأن وجود الله تعالى هو الذي فيه كل موجود موجود بإجماع ا لعقلاء فالخلاف في ذلك لفظي راجع إلى تفسير المراد من اللفظ الوجود وكلام المحققين من أهل الله تعالى في مسألة الوجود من أعلى عليين وكلام غيرهم من أسفل السافلين وكون المراد بالوجود ما به كل موجود موجود في القديم والحادث أقرب إلى التحقيق فإنه لا غنى للموجود الممكن عن الوجود القديم أصلا بوجوده هو وجوده وذات الموجود الممكن وصورته غير الموجود القديم فهما اثنان والوجود الذي هما موجودان به وجود واحد هو للقديم بالذات وللحادث بالغير فالقديم موجود بوجود هو عين ذاته والحادث بوجود هو عين ذات القديم وليس الحادث هو عين ذات القديم ولا القديم هو عين ذات الحديث بل كل واحد منهما مباين للآخر في ذا ته وصفاته وإن اجتمعا في الظهور بالوجود الواحد وثبوت العين به فإن الوجود الواحد للقديم بذاته وللحادث بالقديم لا بذاته.
فالوجود الواحد في القديم وجود مطلق على وجه لا أعظم منه، وفي الحادث وجوده مقيد على وجه يليق بالحادث أدنى من الوجه الأول وهو صادر من جهة الحادث لا من جهة القديم وتقريب ذلك برؤية النجم في السماء صغيرا عند أهل الأرض مع عدم تغيره من الكبر الذي هو فيه فالكبر إذا ظهر بضده وهو الصغر من البعد لا يلزم أن يكون قد تغير عما هو عليه وكذلك وجود الله تعالى المطلق إذا ظهر على الحوادث المفروضة المقدرة وجودا مقيدا لا يلزم أن يكون قد تغير عما هو عليه من إطلاقه فإنه وجود مطلق لا ينقسم ولا يتغير وكيف المعدوم يغير الموجود الحق، وإنما التغير والتبديل واقع في الذوات الحادثة وصورها.
فالله تعالى يغيرها كيف شاء وينقلها من عدمها الأصلي إلى وجودها الطارئ الذي هو وجوده سبحانه فتتصف بوجوده سبحانه على حد ما يناسبها كما كانت متصفة به في الوجود العلمي من غير أن ينقسم وجوده سبحانه ولا يتغير بسبب هذا الاتصاف المذكور كما أن الماء الصافي إذا فرضنا وقدرنا أننا وضعنا فيه زاجاً فإنه يصير أسود اللون من غير أن يتغير هو في نفسه ولا زال عنه صفاؤه وكذلك إذا فرضنا وقدرنا أن فيه زعفرًا فإنه يصير أحمر اللون.
وهكذا جميع الألوان والماء لا يتغير أصلا في نفسه ولا يزول صفاؤه عنه وهما شيئان ماء وزاج أو ماء وزعفر لا شيء واحد ولكنه ماء محقق وزاج أو زعفر مفروض مقدر وهما موجودان بوجود واحد وهو وجود الماء فقط وليس الزاج المفروض المقدر أو الزعفر موجودا آخر غير وجود الماء بل لا وجود له أصلا مع وجود الماء والوجود للماء وحده ولكن استعير للزاج المفروض المقدر أو الزعفر وجود الماء لكونه مفروضا مقدرا فيه وليس ذلك مخرجا للماء عن وحدته الحقيقية بسبب كونه مفروضا مقدرا فيه ولا حل في الماء شيء ولا حل الماء في شيء ولا اتحد الماء مع ذلك الزاج المفروض المقدر ولا الزاج مع الماء وإنما هما حقيقتان ماء حقيقي موجود بنفسه وزاج أو زعفر مفروض مقدر لا وجود له بنفسه بل بوجود الماء الفارض المقدر له فيه.
وإذا كان الوجود واحدا مشتركا بحسب الظاهر بين الموجود المحقق بين الماء وبين المفروض المقدر وهو الزاج أو الزعفر فلا يمتنع أن لا يكون مشتركا أصلا في حقيقة الأمر كما أن اللفظ الواحد إذا كان مشتركا في الاستعمال بين معناه الحقيقي الموضوع له ومعناه المجازي الغير موضوع له لا يم تنع أن لا يكون مشتركا أصلا في الوضع بل الوجود هو وجود الماء المحقق وحده والزاج أو الزعفر المفروض المقدر له وجود آخر مفروض مقدر مثله هو العين ذاته ونفس صورته مثل ما قال الأشعري رحمه الله تعالى وزائد على ذاته وصورته كما قال الفخر الرازي مما هو مذكور في موضوعه في علم الكلام في مبحث الوجود فإن القائلين بوحدة الوجود مرادهم بالوجود الوجود الذي به صار الموجود موجودا لا الوجود الذي هو مفروض مقدر الممكن من جنسه فافهم بهذا المثال من المثل الأعلى في السماوات والأرض وبيان ذلك المثال بأن الوجود الحق عين ذات الحق تعالى وهو وجود واحد لا ينقسم ولا يتبعض ولا يتجزأ ولا ينتقل ولا يتغير ولا يتبدل أصلا وهو مطلق عن الكيفيات والكميات والأماكن والأزمنة والجهات، ولا يتصور فيه الحلول في شيء إذ ليس معه شيء غيره ولا يتحد مع شيء إذ لا شيء معه وإنما جميع الأشياء به موجودة وبوجوده الذي هو عين ذاته مشهودة.
وجميع الأشياء بالنظر إلى ذواتها مفروضة مقدرة مثل الزاج أو الزعفر في مثالنا المذكور، وإن أثبتنا لها وجودا آخر غير وجوده تعالى مثلما يقول به عل ماء الرسوم وعلماء الكلام سواء أكان ذلك الموجود عين ذاتها أو زائدا على ذاتها فإن ذلك الوجود مفروض مقدر أيضا مثلها فينتقل الكلام إلى ما به ذلك الوجود المفروض المقدر موجود أيضًا وهو وجود الله تعالى بلا شك ولا ريب ويضطر الكل إلى القول بوحدة الوجود على حسب ما ذكرناه.
فيقال لعلماء الرسوم وعلماء الكلام كيف ما قلتم في وجود ما سوى الله تعالى من العوالم نقول لكم كل ذلك قائم بوجود الله تعالى وهو مفروض مقدر في نفسه لأنه مخلوق فهو بالنظر إلى ذاته عدم صرف وإنما وجوده بوجود الله تعالى فالوجود بعدها وحده وإن وجود به ما سواه كما نقول لمن قال لنا يلزم على قولكم الجبر في أفعال المكلفين ونفي الاختيار عنهم كيف تقولون أنتم في أفعال المكلفين فنحن نقول مثلكم ومعلوم أنكم تقولون أن العبد له جزء اختياري وبذلك صار له مدخل في أفعاله فنقول لكم نحن كلامنا عن جملة ذلك فإن الله تعالى خلق الكل وخلق الفرض والتقدير.
فنرجع إلى مسألتنا وحدة الوجود والمفروض المقدر كيفما فرضنا ه وقدرناه محتاج إلى الوجود ولا وجود إلا وجود الله تعالى فهو موجود بوجود الله تعالى مع إنه عدم صرف في نفسه وهذا الوجود المفروض المقدر للأشياء أما عين ذواتها أو زائدة عليها الذي تقول به علماء الرسوم وعلماء الكلام ويجعلونه وجودا ثانيا لوجود الله تعالى ويردون به على القائلين بوحدة الوجود من المحققين العارفين لا يضر العارفين القول به أيضا بل هم قائلون به لتمام المضاهاة بين العالم والمعلوم والصانع والمصنوع على التنزيه التام ولا يمتنع عليه إثباته كما أثبتوا للمعلوم والمصنوع نظيرها للعالم وللصانع من الصفات والأسماء ولا يطعن ذلك في صدق قولهم بوحدة الوجود فإن كلام العارفين المحققين عما به كل الموجودات موجودات الذي لولاه لما كان في الوجود موجود أصلا لا معقول ولا محسوس الذي جميع الموجودات في أنفسها مع قطع النظر عن وجوده القيوم عليها لا وجود لها أصلا.
إذ ليس في قوة المخلوق أن يخلق نفسه وهو وجود الله تعالى الحق وحده لا شريك له ولا يتصور فيه سبحانه وتعالى أن يحل فيما فرضه وقدره من جميع المخلوقات ولا بعضها أصلاً لأن المفروض المقدر في نفسه عدم محض وكيف الوجود يحل في العدم كذلك لا يتصور أن يتحد معه أصلا لان الحقيقتين متباينتان تبايناً كلياً لا مشابهة بينهما أصلا فحقيقة الحق وجود صرف مطلق حتى عن الإطلاق لأنه قيد وحقيقة المفروض المقدر عدم صرف مقيد وإنما وجود المفروض المقدر إن قلنا به كما قالت علماء الرسوم وعلماء الكلام فهو مفروض مقدر أيضا فحقيقته عدم صرف أيضا لو عقل القائلون بذلك والأمر كله راجع على كل حال إلى وجود الله تعالى عند الجميع فوجود الله تعالى هو وجود الوجود والوجود كله بلا وجوده تعالى عدم صرف فلا وجود إلا وجوده تعالى فكلهم قائلون بوحدة الوجود طوعا أو كرها.
وإنما قلنا بأن جميع المخلوقات مفروضة مقدرة لان الخلق معناه الفرض والتقدير كما قال تعالى: (وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا) وإن كان معناه الإيجاد الذي ينتج الوجود فهو الوجود المفروض المقدر فيرجع إلى أنه وجود مفروض مقدر، على كل حال لا مساواة بين وجود الله تعالى ووجود جميع المخلوقات الذي هو بوجوده تعالى لا بنفسه وكون وجود المخلوقات كلها بوجود الله تعالى ووجود الله تعالى هو الوجود الذي به وجود المخلوقات كلها كما ذكرنا لا ينافي إن وجود المخلوقات كلها بقدرة الله تعالى وإرادته وعلمه وبقية صفاته لأن كلم ة الوجود اختصار في الكلام عند العارفين وإجمال فيه وتفصيلها ما عند علماء الرسوم وعلماء الكلام من بيان صفات الله تعالى وشرح أسمائه تعالى فإن صفاته تعالى لما كانت عندهم ليست عين الذات ولا غيرها.
ولم يقل أحد من أهل السنة بمغايرتها لذاته تعالى حق المغايرة الموجبة للتركيب أطلق عليها وجود الله تعالى فكان القول بأن وجود الله تعالى به كل شيء على معنى خلق وجود كل شيء وفرضه وتقديره قولا بإثبات الصفات الله تعالى على حد ما يقوله علماء الرسوم وعلماء الكلام بلا خلاف ، والحاصل إن جميع علماء الظاهر لا حق معهم في الطعن على القائلين بوحدة الوجود من المحققين العارفين القائلين بذلك على وجه الحق والصواب كما ذكرنا وأما القائلين بوحدة الوجود من الجهلة الغافلين والزنادقة الملحدين الزاعمين بإن وجودهم المفروض المقدر هو بعينه وجود الله تعالى وذواتهم المفروض المقدرة هي بعينها ذات الله تعالى وصفاتهم المفروض المقدرة هي بعينها صفات الله تعالى الذين يحتالون بذلك على إسقاط الأحكام الشرعية عنهم وإبطال الملة المحمدية وإزالة التكليف عن نفوسهم فالطعن عليهم بسبب القول بوحدة الوجود على هذا المعنى الفاسد طعن صحيح وعلماء الظاهر مثابون بذلك كمال الثواب من الملك الوهاب والعارفون المحققون معهم في هذا الطعن من غير خلاف.
وقد أشار إليهم الشيخ عبد الكريم قدس الله سره في كتابه شرح الخلوة في أوائله من الوصايا حيث قال : "يا أخي يرحمك الله قد سافرت إلى أقصى البلاد وعاشرت أصناف العباد فما رأت عيني ولا سمعت أذني أشر ولا أقبح ولا أبعد عن جناب الله تعالى من طائفة تدعي أنها من كمّل الصوفية وتنسب نفسها إلى الكمال وتظهر بصورتهم ومع هذا لا تؤمن بالله ورسوله ولا باليوم الآخر ولا تتقيد بالتكاليف الشرعية وتقرر أحوال الرسل وما جاؤوا به بوجه لا يرتضيه من في قلبه مثقال ذرة من الإيمان فكيف من وصل إلى مراتب أهل الكشف والعيان ورأينا منهم جماعة كثيرة من أكابرهم في بلاد أذربيجان وشيروان وجيلان وخرسان لعنهم الله جميعهِم فالله الله يا أخي لا تسكن في قرية فيها واحد من هذه الطائفة لقوله تعالى: (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَّا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنكُمْ خَاصَّةً) وإن لم يتيسر لك الرحيل فاجتهد أن لا تراهم ولا تجاهرهم فكيف أن تعاشرهم وتخالطهم، وإن لم تفعل فانصح نفسك والله الهادي." انتهى كلامه.
وكلامه هذا عن القائلين بوحدة الوجود على حسب ما ذكرناه من المعنى الفاسد، ولكن علماء الظاهر إذا ترفعوا من الطعن في هؤلاء الرعاع السفلة المارقين من الدين مروق السهم من الرمية إلى الطعن في تلك السادة الأئمة أولئك السادة العارفين، كتبهم ومصنفاتهم مشحونة بإثبات الوجود الحادث المفروض المقدر صريحا وإشارة والحكم بأنه غير الوجود القديم وإن كانوا قائلين بوحدة الوجود غير إنهم تارة يغلب عليهم شهود الوجود الحق الحقيقي الذي به كل شيء موجود فينفون ما عداه ويقولون عما سواه إنه خيال وإنه سراب وإنه هالك وإنه مضمحل زائل لا وجود له أصلا وهم صادقون في ذلك لأن كلّ ما سو ى الحق تعالى إنما وجوده مفروض مقدر بالإجماع لأنه مخلوق والوجود المفروض المقدر عدم صرف في نفسه وإنما الوجود المحقق وجوده بالحق تعالى وحده الخالق أي الفارض المقدر لكل شيء ولا يقال لو كان كل شيء من هذه المخلوقات مفروضا مقدرا لما كان كما نشاهد محسوسا ومعقولا ثابتا موجودا محققا لان نقول فرض الله تعالى وتقديره لوجودات الأشياء في أعيانها ليس كفرضنا نحن وتقديرنا للشيء المعدوم وقد جعل الله تعالى ما نفرضه ونقدره أنزل مرتبة منا ليكون ذلك مثالا فينا لما يفرضه الله تعالى ويقدره من وجودات الأشياء المعدومة وأنها أنزل منه تعالى في الوجود ولا يجوز الطعن في أحد من العارفين وأن جهل الجاهل قولهم فإن الجهل للشريعة والدين الحق في مذهب ذلك الجاهل ليس بعذر بل الواجب عليه التعلم عنده فإذا حكمنا على الجاهل بما يرى في مذهبه حكمنا بكفره حيث أنكر ما هو الحق على أهل الحق وإن لم يعلم بمعنى ما أنكره وأقل شيء الإثم والمعصية في ذلك كما قال الله تعالى (وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ۚ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولً).
ومن الواجب على المؤمن أن يحمل أخاه المؤمن على الكمال حسبما أمكن لاسيما في حق أهل المعارف والحقائق والعلوم الإلهية فإنهم أولياء الله تعالى معادات أولياء الله تعالى ومعادات الله تعالى ومعادات الله تعالى كفر لا محالة كما قال تعالى: (مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ).
والجاهل الذي لا يعرف علوم الأذواق وإنما علمه الذي هو غير عامل به أيضا مأخوذ من الكتب والأوراق له مندوحة عن الإنكار وهو تحسين الظن بأهل الله تعالى والاعتراف ب أنهم أعلم منه بالله تعالى وأنه جاهل بكلامهم فلا ضرورة له في الإنكار عليهم مع علمه بكفر من أنكر الحق إجماعاً ولو أردنا أن نستدل على ثبوت وحدة الوجود بالمعنى الصحيح الذي ذكرناه لطال الكلام في ذلك في إيراد الآيات القرآنية والأحاديث النبوية وكلام العلماء السادة المحققين من أهل العلم الظاهر والباطن ولكن قصدنا الاقتصاد وفيما ذكرناه كفاية وقد وقفت لبعض المتأخرين من العلماء على رسائل كثيرة في بيان وحدة الوجود والاستدلال على صحة القول بها وإطالة الكلام بتحقيق هذا المرام وأنا أرجو أن من تحقق بما حررناه في هذه العجالة من فتوح الوقت أن يفهم المقصود من عبارات علماء الظاهر وعلماء الباطن من هذه المسألة فإنها أصل عظيم من أصول التحقيق في مواجيد الصالحين وإشارات أهل الكمال من أصحاب اليقين فإنها هي التوحيد الشرعي الذي بنيت عليه جميع أعمال المخلصين وما عدا ذلك الشرك الخفي الذي هو مبنى أعمال الغافلين ولهذا نقل العارف المحقق الشيخ أحمد القشاشي المدني رحمه الله تعالى في رساله في وحدة الوجود عن ابن كمال باشا رحمه الله تعالى ومن خطه نقل كما صرح بذلك أنه يجب على ولي الأمر أن يحمل الناس على القول بوحدة الوجود انتهى. وتقديره أن يحمل الناس على القول بالتوحيد الخالي من الشرك الخفي الذي أشار إليه الشيخ العارف أرسلان رضي الله عنه في أول رسالته بقوله كلك شرك خفي ولا يبين لك توحيدك إلا إن خرجت عنك وقد استوفينا الكلام عن الشرك الخفي في شرحنا على رسالة الشيخ أرسلان بحسب الإمكان والله المستعان، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، مع التابعين وتابع التابعين بإحسان إلى يوم الدين.
قال مصنفها وكان تصنيفها في مجلسين قليلين من ليلة الجمعة ويوم الجمعة الثاني عشر من شعبان سنة إحدى وتسعين وألف والحمد الله رب العالمين.
وكان الفراغ من كتابتها يوم الخميس أحد عشر من شعبان سنة إحدى وثلاثين ومائة وألف من الهجرة النبوية والحمد الله وحده.


بعض كتب الشيخ الأكبر

[كتاب الجلالة وهو اسم الله] [التجليات الإلهية وشرحها: كشف الغايات] [ترجمان الأشواق وشرحه: الذخائر والأعلاق] [مواقع النجوم ومطالع أهلة الأسرار والعلوم] [التدبيرات الإلهية في إصلاح المملكة الإنسانية] [عنقاء مغرب في معرفة ختم الأولياء وشمس المغرب] [كتاب كلام العبادلة] [كتاب إنشاء الدوائر والجداول] [كتاب كنه ما لابد للمريد منه] [الإسرا إلى المقام الأسرى] [كتاب عقلة المستوفز] [كتاب اصطلاح الصوفية] [تاج التراجم في إشارات العلم ولطائف الفهم] [كتاب تاج الرسائل ومنهاج الوسائل] [الوصية إلى العلوم الذوقية والمعارف الكشفية ] [إشارات في تفسير القرآن الكريم] [الفتوحات المكية] [فصوص الحكم] [رسالة روح القدس في مناصحة النفس] [كتاب الأزل - ثمانية وثلاثين] [أسرار أبواب الفتوحات] [رسالة فهرست المصنفات] [الإجازة إلى الملك المظفر] [محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار] [رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار] [حلية الأبدال وما يظهر عنها من المعارف والأحوال] [كتاب الألف وهو كتاب الأحدية] [كتاب العظمة] [كتاب الباء] [كتاب الياء وهو كتاب الهو] [كتاب الحروف الدورية: الميم والواو والنون] [رسالة إلى الشيخ فخر الدين الرازي] [الإسفار عن نتائج الأسفار] [كتاب الشاهد] [الحكم الحاتمية] [الفناء في المشاهدة] [القسم الإلهي] [أيام الشأن] [كتاب القربة] [منزل القطب ومقاله وحاله] [منزل المنازل الفهوانية] [المدخل إلى المقصد الأسمى في الإشارات] [الجلال والجمال] [ما لذة العيش إلا صحبة الفقرا] [رسالة المضادة بين الظاهر والباطن] [رسالة الانتصار] [سؤال اسمعيل بن سودكين] [كتاب المسائل] [كتاب الإعلام بإشارات أهل الإلهام]

شروحات ومختصرات لكتاب الفتوحات المكية:

[اليواقيت والجواهر، للشعراني] [الكبريت الأحمر، للشعراني] [أنفس الواردات، لعبد اللّه البسنوي] [شرح مشكلات الفتوحات، لعبد الكريم الجيلي] [المواقف للأمير عبد القادر الجزائري] [المعجم الصوفي - الحكمة في حدود الكلمة]

شروح وتعليقات على كتاب فصوص الحكم:

[متن فصوص الحكم] [نقش فصوص الحكم] [كتاب الفكوك في اسرار مستندات حكم الفصوص] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح فصوص الحكم] [كتاب شرح فصوص الحكم] [كتاب جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص] [شرح الكتاب فصوص الحكم] [كتاب مطلع خصوص الكلم في معاني فصوص الحكم] [كتاب خصوص النعم فى شرح فصوص الحكم] [شرح على متن فصوص الحكم] [شرح ا فصوص الحكم للشيخ الأكبر ابن العربي] [كتاب نقد النصوص فى شرح نقش الفصوص] [تعليقات على فصوص الحكم] [شرح كلمات فصوص الحكم] [المفاتيح الوجودية والقرآنیة لفصوص حكم]

بعض الكتب الأخرى:

[كتاب الشمائل المحمدية للإمام أبي عيسى الترمذي] [الرسالة القشيرية] [قواعد التصوف] [كتاب شمس المغرب]

بعض الكتب الأخرى التي لم يتم تنسيقها:

[الكتب] [النصوص] [الإسفار عن رسالة الأنوار] [السبجة السوداء] [تنبيه الغبي] [تنبيهات] [الإنسان الكامل] [تهذيب الأخلاق] [نفائس العرفان] [الخلوة المطلقة] [التوجه الأتم] [الموعظة الحسنة] [شجرة الكون]



يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!