نقد تحقيق محمود غراب لفصوص الحكم

بسم الله الرحمن الرحيم

والصلاة والسلام على سيد الأولين والآخرين، وشفيع المذنبين، سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين...

لقد تصدى الأستاذ محمود غراب لتحقيق عدد من كتب الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي وبذل في سبيل ذلك جهوداً كبيرة، في محاولة منه للدفاع عن سيدنا الشيخ الأكبر، عن طريق نقض ما يرد في هذه الكتب، مما ينتقده بسببها أعداؤه على أنه يخالف فيها الشريعة الإسلامية.

إن هذا الأسلوب الذي يسلكه بعض أحباب الشيخ أخطر في رأيي من انتقادات من أساء فهم كتبه من أعدائه الذين يعتقدون أيضاً أنهم يدافعون عن الإسلام.

ومع أننا ندعو ونرجو من حضرة الله سبحانه وتعالى أن يجازي الطرفين على حسن نواياهم، ونعتقد أن ذلك تقديرٌ إلهي ولطف خفي بعباده المسلمين حين هيأ لهم من يصدهم عن التصدي لعلوم الشيخ الأكبر، التي لا يمكن لأغلب الناس أن يخوضوا في رحابها ويغوصوا في أعماقها، وذلك سواء لمن عادى الشيخ الأكبر وخطّأه أو كفّره، أو لمن اعتقد بنزاهته ولكنه لمّا يملك بعد لوازم دراسة جميع كتبه وفهم الكثير من مقاصده التي لا يمكن أن تجانب الحقيقة أو تخالف الشريعة.

من أجل ذلك رأيت أنه من الواجب علينا أن نظهر الأخطاء التي وقع بها الأستاذ محمود فأساء للشيخ الأكبر في الوقت الذي يظن أنه يدافع عنه، كما أخطأ أعداء الشيخ الأكبر في تكفيره في الوقت الذي يظنون فيه أنهم يدافعون عن الشريعة الإسلامية والعقيدة السماوية.

---- (كتب هذا الكلام على النسخة القديمة من هذا الموقع، منذ أكثر من عشر سنوات، أي قبل 2010، وأعيد نشره الآن للفائدة)

لقد أرسل الأستاذ محمود تحقيقاته لفصوص الحكم، وكذلك للفهرس والإجازة، إلى شيخنا فضيلة الشيخ رمضان صبحي ديب الدمشقي لكي يفتيه فيها. والشيخ رمضان من كبار الأولياء وهو معروف لأهل الشام وعلى مستوى العالم. ومع أن أغلب الناس يعرفونه من خلال دروسه العامة التي يلقيها صباح مساء على أيام الأسبوع في جوامع دمشق وضواحيها، ويعرفونه من خلال أفضاله التي لا تحصى وبركاته وكراماته التي لا تخفى، إذ إنّ همه وشغله الشاغل على مدى حياته -التي بلغت أكثر من تسعة عقود، أطال الله في عمره وبارك لنا في حياته- هو خدمة الناس ودعوتهم وهدايتهم إلى سبيل الله. ولكن القليل من الناس يعرف مقدار تحققه في علوم الذوق، وخاصة فيما يخص الشيخ الأكبر، غير أنه لا يظهر ذلك للعامة خشية افتتان الناس بهذه العلوم التي قد لا تنفعهم كثيراً. ويكفي للتدليل على ذلك أن الأستاذ علي عبد الله شودكيفيز، وهو شيخ الشيوخ بالنسبة للباحثين في مجال الشيخ الأكبر على مستوى العالم كأمثال وليام شيتيك وجيمس موريس وستيفن هرتنشتاين الذين تفرغوا لعشرات السنين لدراسة ابن العربي ولهم عشرات المؤلفات في هذا المجال على مستوى العالم، فأقول يكفي أن نعرف أن الشيخ علي عبد الله شودكيفيز يدعو فضيلة الشيخ رمضان في جميع مراسلاته معه بـ"شيخي ومرشدي"، وذلك منذ أكثر من أربعين عاماً ولا يزال حتى الآن كذلك!

----

لقد أذن لي شيخي ومرشدي فضيلة الشيخ رمضان، رضي الله عنه وأطال عمره وبارك لنا بحياته، بالرد على تحقيق الأستاذ محمود غراب لفصوص الحكم، فقمت، بعد نقاش مطول معه في هذا الخصوص، بكتابة بعض التعليقات على هذا التحقيق الذي نشر على هذا الموقع من قبل محمد أسامة (ويبدو أنه من تلاميذ الشيخ محمود غراب).

وقد وضعت هذه التعليقات في النص أدناه باللون الأحمر والأزرق على النص الأصلي باللون الأسود.

ومع أنني أقدر جهود الأستاذ محمود في تحقيق هذا الكتاب وغيره من الكتب وكذلك الكتب الكثيرة التي طبعها منذ سنوات طوال، غير أنني لم أر أية حقيقة في هذا التحقيق موضع النقاش (وكذلك في تحقيقه للفهرس والإجازة اللتان تثبتان صحة نسبة هذا الكتاب لابن العربي)، ولذلك وجب عليَّ أن أنتقده بشدة، حتى لا ينخدع به الكثير من طلاب الشيخ الأكبر فيعرضون عن قراءته ويفوتهم بذلك خير كثير.

وأرجو من حضرة الله سبحانه وتعالى أن يهدينا إلى صراطه الخاص بتوفيق وعناية ورفق... فهو الموفق لا رب غيره.

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل.

الدكتور محمد حاج يوسف

فيما يلي كلام الشيخ محمود غراب كما نشرها على هذا الموقع السيد محمد أسامة، وتعليقاتي عليه باللون الأحمر والأزرق  .

==============================================

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين.

تحقيق في كتاب فصوص الحكم

(هذا التحقيق يشكك بنسبة كتاب فصوص الحكم للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي، وذلك من خلال إثارة بعض النقاط التي يظن الكاتب أنها تخالف المنطق أو تخالف ما ثبت من كتب الشيخ وخاصة كتاب الفتوحات المكية، فيستنتج أن هذا الكتاب مدسوس عليه وليس من جملة كتبه. إن هذه النتيجة غير صحيحة لأن جميع النقاط التي أثارها الكاتب ليست صحيحة ويمكن دحضها بسهولة.)
(إن التشكيك بفصوص الحكم يعني التشكيك بمئات العلماء الكبار الذين شرحوه واقتبسوا منه، فله أكثر من مئة وخمسين شرحاً وترجمة، من علماء كبار أمثال: صدر الدين القونوي في كتاب "الفكوك على الفصوص"، وداود القيصري في كتاب "مطلع خصوص الكلم في شرح فصوص الحكم"، وعبد الرحمن جامي في "نقد النصوص في شرح نقش الفصوص"، وكذلك الشيخ عبد الغني النابلسي في "جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص".)

(وفيما يلي محاولة سريعة لنقض بعض النقاط التي أثارها الكاتب، بخط أحمر ضمن النص الأصلي. والله سبحانه وتعالى أعلم وهو علام الغيوب)

لم يرد ذكر كتاب "فصوص الحكم"في أي من الكتب التي ذكرها الشيخ لنفسه والبالغ عددها أربعة وسبعون كتاباً تقريباً، منها الفتوحات المكية التي استمر في كتابتها حتى عام 636هـ (إن الفتوحات المكية بشكل عام كتبت قبل فصوص الحكم، وصحيح أن الشيخ أعاد كتابتها مرة أخرى ما بين 632-636 ولكن هذه النسخة الثانية هي تكرار للنسخة الأولى وحتى وإن أقرّ الشيخ أنه حذف وأضاف وعدّل على النسخة الأولى غير أن ذلك كان على بعض العبارات وليس على المحتوى الكلي، فليس هناك من داع لذكر الفصوص وقد تمت معظم مواضيع الفتوحات قبل تأليفه. أما النسخة الأولى من الفتوحات المكية فقد بدأها الشيخ سنة 598 وانتهى منها سنة 629، بعد تأليف الفصوص بسنتين، ولكن ذلك أيضاً لا يستلزم ذكر الفصوص فيها إذ لا شكّ أن معظم الكتاب كتب قبل 629 بل قبل 627 بكثير، وإنما أنهي سنة 629 حيث جمع وظهر نسخة كاملة)والتي جاء بها ذكر حوالي سـتة وخمسين كتاباً من كتبه (التي كتبها قبل ذلك)، وورد ذكر الباقي في بعض هذه الكتب التي ورد ذكرها في كتاب الفتوحات المكية. وقد ورد ذكر كتاب "فصوص الحكم"في الفهرس الذي يقال أنه كتب للصدر القونوي عام 627هـ، كما أنه ورد في الإجازة المنسوبة إلى الشيخ الأكبر - مع اختلاف اسم المجاز من نسخة لأخرى (راجع تحقيق الإجازة) - والتي يقال أنها كتبت عام 632هـ، وقد ثبت بالبحث العلمي عدم صحة نسبة أي من الفهرس أو الإجازة إلى الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي، وإنما هما مزورتان عليه (راجع تحقيق الفهرس، وتحقيق الإجازة في كتابنا شرح فصوص الحكم)، فلا يصح الاستدلال بهما على وجود كتاب "فصوص الحكم".

توجد نسخة "الفصوص"في متحف الأوقاف باستنبول وهي من مخطوطات مكتبة الصدرالقونوي تحمل رقم 1933 ت، وهي ليست بخط يد المؤلف، وعليها سماع على الغلاف بتاريخ 630هـ، فكان المسمع الشيخ رضي الله عنه والقارئ صدر الدين القونوي، ولا يوجد سامعون، وبالتحقيق لا يصح اعتماد سماع وجد على الغلاف دون تحديد الفقرة أو الباب الذي تلي في السماع فهذا لا يستبعد تزويره، كما أنه لا يوجد سامعون في حين يوجد الكثير من السامعين المذكورين في سماعات الفتوحات المكية.

لهذا لا تصح نسبة هذا الكتاب إلى الشيخ الأكبر (ما ذكر أعلاه من الأدلة وإن صحت فلا تكفي لنفي نسبة الكتاب، لأن عدم ذكر الفصوص في الفتوحات أو غيرها ليس سبباً كافياً لنفي نسبة كتاب موجود منسوب للشيخ وقد شرح هذا الكتاب الكثير من أساطين العلماء في هذا المجال وأكثرهم من أهل الذوق)، وكذلك لما يرد (وكله مدحوض في مكانه):

1-أسلوب الكتابة في "الفصوص" غير مترابط، مهوش، وبعيد عن طابع وأسلوب كتابة الشيخ في كتبه الثابتة النسبة إليه في نفس المسائل فهو في كتابته متماسك العبارة، جزيل اللفظ، متين الأسلوب، صريح البيان على عكس أسلوب عرض هذه المسائل في "الفصوص" (هذا الكلام لا يختلف أديبان، مهما كان تخصصهما، على أنه افتراء لا يمت إلى الحقيقة بوجه من الوجوه، فالقارئ الذي يجد أن الفصوص غير مترابط عليه أن ينظر أين هو من أدب اللغة وفقهها، بل إن فصوص الحكم يكاد أن يكون من جوامع الكلم!).

2-ضعف الشواهد في المسائل الثابتة عن الشيخ الواردة في "الفصوص" مقارنة مع قوتها في كتب الشيخ الأخرى، في حين أن المفروض أن تكون الشواهد أقوى وأعظم دلالة حيث يُزعم أن "الفصوص" من آخر ما ألفه الشيخ، مثال ذلك شاهد حديث إبار النخل وقوله صلى الله عليه وسلم لأصحابه: (أنتم أعلم بأمور دنياكم)، راجع فص 25، وهامش 32 ص 406 من كتابنا شرح فصوص الحكم. (لقد جاء الفصوص مختصراً موجزاً، وعلى القارئ أن يبحث عن وجوه دلالات الكلمات والإضافات بما في ذلك الشواهد والأمثلة؛ فمن لا يجد في ذلك دقة وبلاغة عليه أن يعيد القراءة مرات عديدة، ومن الواضح أن الكاتب الناقد هنا لم يحسن استنتاج الكثير من أوجه الدلالة فانتقدها بأقرب تأويل، كما سنرى أدناه.)

3-استخدام ألفاظ معربة في كتاب الفصوص مثل كلمة "ساذج" (وردت هذه الكلمة في الفتوحات المكية على الأقل أربع مرات)وكلمة "برنامج" (وهذه وردت في الفتوحات على الأقل ثلاث مرات)، في موطن يفسد المقصود ولا يدل على المعنى (كيف تقرر ذلك وقد استخدمها الشيخ بنفس الأسلوب في الفتوحات التي تقر بها، ففي الفصوص يقول: "ولذلك قال في خلق آدم الذي هو البرنامج الجامع لنعوت الحضرة الإلهية التي هي الذات" وفي الفتوحات يقول: "ليس من المحال أن يمنع الإنسان عن العلم بالطبيعة مانع، وهو للعالم برنامج جامع" ومعلوم أن الإنسان على الصورة الإلهية، والعالم على الصورة الإنسانية. وبالنسبة لكلمة ساذج يقول الشيخ في الفصوص: "فقلوبهم ساذجة من النظر العقلي لعلمهم بقصور العقل من حيث نظره الفكري"، وفي الفتوحات يقول: "وذلك لأن العقل خلق ساذجاً ليس عنده من العلوم النظرية شيء" "وإن سعد صاحب النظر العقلي فإنه لا يكون أبداً في مرتبة الساذج الذي لم يكن عنده علم بالله إلا من حيث إيمانه وتقواه وهذا هو وارث الأنبياء"، فهذا في الحقيقة يؤكد بدل من أن ينفي نسبة الكتاب لابن العربي)، مع استخدام الشيخ في التعبير عن ذلك ألفاظاً عربية محكمة في غاية الدقة في كتبه الأخرى، ومعلوم أن الشيخ، وبشهادة أعدائه، واحد من آحاد أعلام اللغة العربية، فيستحيل عليه استخدام هذه الألفاظ أو الوقوع في مثل هذا الخطأ.

4-كيف يعقل أن تصح الرؤيا المذكورة في مقدمة "الفصوص" وفيها أنه رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في المنام وأعطاه الكتاب وقال له: "اخرج به إلى الناس ينتفعون به" فعمّ بقوله "الناس"، في حين أنه من الكتب المبنية على الرمز، والرمز يستخدمه الشيخ لخلاصة خاصة الخاصة وليس لخاصة الخاصة أو الخاصة فضلاً عن العامة، فكيف يمكن أن يكون هذا الكتاب موجه للناس لينتفعوا به في حين أن فهمه استعصى على أئمة علماء المسلمين، بل أدى إلى وقوعهم في الشيخ الأكبر والإنكار عليه، واتهامه بما اتهموه به من الكفر، والإلحاد، والقول بالحلول والإتحاد إلى غير ذلك مما هو معروف (كل من يقرأ الفصوص يصل إلى علم يناسب مستواه العلمي والإيماني).

5-التناقض بين مسائل وردت في الفصوص ومسائل ثابتة عن الشيخ جاءت في كتبه الأخرى كالفتوحات المكية والتي نسختها موجودة بخط يده، والتي استمر في كتابتها حتى عام 636هـ، وعليها سماعات حتى عام 637هـ، ولا يمكن الجمع بوجه بين ما هو مذكور فيها وما جاء في كتاب الفصوص، وقد جمعت حوالي مائة مسألة مذكورة في الفصوص وتخالف ما ثبت عن الشيخ، (راجع كتابنا شرح فصوص الحكم - المسائل التي أشير لها بعلامة: ●). (لننظر في بعض هذه المسائل)

· وأذكر من هذه المسائل مسألتين هامتين:

§ المسألة الأولى:

جاء في الفص الثاني (حكمة نفثية في كلمة شيثية) في أن العلم تابع للمعلوم ما نصه: ". . .حتى أن الرسل لا يرونه - متى رأوه - إلا من مشكاة خاتم الأولياء . . ."، هذا يخالف ما ورد عن الشيخ الأكبر رضي الله عنه عن الأنبياء والرسل حيث يقول في كتاب الفتوحات المكية ج2ص24: "إن شرط أهل الطريق فيما يخبرون عنه من المقامات والأحوال أن يكون عن ذوق، ولا ذوق لنا ولا لغيرنا ولا لمن ليس بنبي صاحب شريعة في نبوة التشريع ولا في الرسالة، فكيف نتكلم في مقام لم نصل إليه، وعلى حال لم نذقه لا أنا ولا غيري ممن ليس بنبي ذي شريعة من الله ولا رسول، حرام علينا الكلام فيه فما نتكلم إلا فيما لنا فيه ذوق، فما عدا هذين المقامين فلنا الكلام فيه عن ذوق لأن الله ما حجّره".وفي ف.ج2ص51، 84، 85: "لا ذوق لأحد في ذوق الرسل"، "إني لست بنبي فذوق الأنبياء لا يعلمه سواهم".وفي ف.ج4ص75: "لا ذوق لنا في مقامات الرسل عليهم السلام".(الكاتب -محمود غراب- يغفل هنا عن حقيقة أن خاتم الأولياء هو نبي ورسول وهو عيسى عليه السلام، أما خاتم الأولياء المحمديين فهو محي الدين ابن العربي كما هو معروف لدارسيه [راجع كتاب شمس المغرب: ص271] والشيخ الأكبر في النص المنقول أعلاه، حين ننقله بكمال العبارة (مع تعليقي عليها بين قوسين لتوضيح المعاني الغامضة): "...وليس هذا العلم إِلا لخاتم الرسل (وهو محمد صلى الله عليه وسلم) وخاتم الأولياء (وهو عيسى عليه السلام)، وما يراه أحد من الأنبياء والرسل إِلا من مشكاة الرسول الخاتم (محمد صلى الله عليه وسلم)، ولا يراه أحد من الأولياء إِلا من مشكاة الولي الخاتم (وهو عيسى عليه السلام)، حتى أن الرسل (من كونهم أولياء) لا يرونه- متى رأوه- إِلا من مشكاة خاتم الأولياء (وهو الرسول عيسى عليه السلام): فإِن الرسالة والنبوة- أعني نبوة التشريع، ورسالته- تنقطعان، والولاية لا تنقطع أبداً.فالمرسلون، من كونهم أولياء، لا يرون ما ذكرناه إِلا من مشكاة خاتم الأولياء، فكيف من دونهم من الأولياء؟ وإِن كان خاتم الأولياء (الذي هو عيسى عليه السلام) تابعاً في الحكم لما جاء به خاتم الرسل (الذي هو محمد صلى الله عليه وسلم) من التشريع، فذلك لا يقدح في مقامه ولا يناقض ما ذهبنا إِليه، فإِنه من وجه يكون أنزل كما أنه من وجه يكون أعلى." ... يقرر أن الرسل والأنبياء، من كونهم رسل وأنبياء، يستمدون من خاتم الرسل محمد صلى الله عليه وسلم، في حين إن الأولياء بما فيهم الرسل والأنبياء، من كونهم أولياء، يستمدون من خاتم الأولياء عيسى عليه السلام، فلم يعد في هذا الكلام أي تناقض!)

· ويقول عن خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم:

- في ف.ج1ص151: "أما القطب الواحد فهو روح محمد صلى الله عليه وسلم، وهو الممد لجميع الأنبياء والرسل سلام الله عليهم أجمعين والأقطاب من حين النشء الإنساني إلى يوم القيامة".

- وفي ف.ج1ص143: "جاء الله سيدنا محمداً صلى الله عليه وسلم بعلوم ما نالها أحد سواه"

- وفي ف.ج1ص144: "قوله صلى الله عليه وسلم: (علمت علم الأولين) وهم الذين تقدموه، (والآخرين) وهو علم ما لم يكن عند المتقدمين، وهو ما تعلمه أمته من بعده إلى يوم القيامة".

- وفي ف.ج1ص214: "دخل في هذا العلم علم الأولين والآخرين كل معلوم معقول ومحسوس مما يدركه المخلوق".

- وفي ف.ج1ص696: "تقرر أنه صلى الله عليه وسلم أعلم الخلق بالله، والعلم بالله لا يحصل إلا من التجلي . . . محمد صلى الله عليه وسلم هو أكمل العلماء بالله".

- وفي ف.ج2ص171: "كان صلى الله عليه وسلم أعظم مجلى إلهي علم به علم الأولين والآخرين، ومن الأولين علم آدم بالأسماء، وأوتي محمد صلى الله عليه وسلم جوامع الكلم، وكلمات الله لا تنفد".

- وفي ف.ج3ص142: "وأما منزله (محمد صلى الله عليه وسلم) في العلم فالإحاطة بعلم كل عالم بالله من العلماء به تعالى متقدميهم ومتأخريهم فلا فلك أوسع من فلك محمد صلى الله عليه وسلم فإن له الإحاطة، وهي لمن خصه الله بها من أمته بحكم التبعية".

- وفي ف.ج3ص143: "أعطي هذا السيد منزلة الاختصاص بإعطائه مفاتيح الخزائن، والخصلة الثانية أوتي جوامع الكلم، والكلم جمع كلمة، وكلمات الله لا تنفد، فأعطي علم ما لا يتناهى، فعلم ما يتناهى بما حصره الوجود، وعلم ما لم يدخل في الوجود وهو غير متناه، فأحاط علماً بحقائق المعلومات وهي صفة إلهية لم تكن لغيره.

- وفي ف.ج3ص456: "كل شرع ظهر وكل علم إنما هو ميراث محمدي في كل زمان ورسول ونبي من آدم إلى يوم القيامة ولهذا أوتي جوامع الكلم ومنها علـَّم الله آدم الأسماء كلها.

- ويقول الشيخ رضي الله عنه في الفتوحات ج3ص496 في تقسيم الرحمة الإلهية: "ما أدري لماذا ترك التعبير عنه أصحابنا، مع ظني بأن الله قد كشف لهم عن هذا، وأما النبوات فقد علمت أنهم وقفوا على ذلك وقوف عين، ومن نور مشكاتهم عرفناه".

فهل يصح نسبة ما جاء هنا في هذا الفص إلى الشيخ مع وضوح النصوص بكلمة "الإحاطة بعلم كل عالم بالله"، و"كل علم إنما هو ميراث محمدي"وهو نص في الاستغراق، وقول: "ومن نور مشكاتهم عرفناه"؟!!

- ويقول في ف.ج2ص613: "اعلم أن جميع ما يحويه هذا المنزل من العلوم لا يوصل إليها إلا بالتعريف الإلهي بوساطة روحانية الأنبياء لهذا المكاشف، وتلك الأرواح لا تعلمها من الله إلا بوسائط لغموضها ودقتها".

فأين إمداد روحانية خاتم الولاية المحمدية (لكن الشيخ محي الدين لم يكن يتكلم عن خاتم الولاية المحمدية، بل عن خاتم الأولياء على الإطلاق وهو عيسى عليه السلام وهو رسول ونبي وولي، ومن لا يستطيع أن يميز بينهما لا ينبغي عليه أن يقرأ كتب الشيخ إلا على سبيل التعلم لا التعليم!)هنا للأولياء فضلاً عن الأنبياء؟! ولو شاء الشيخ رضي الله عنه لنص على ذلك في مثل هذا الموطن، (راجع كتابنا الرد على ابن تيمية صفحة 77 حتى 84).

§ المسألة الثانية:

جاء في الفص 22: (فص حكمة إيناسية في كلمة إلياسية): "إلياس هو إدريس كان نبياً قبل نوح، ورفعه الله مكاناً علياً"،

هذا يخالف ما جاء عن الشيخ الأكبر في كتبه الثابتة حيث يقول:

- في ف.ج2ص5: "أبقى الله تعالى بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرسل الأحياء بأجسامهم في هذه الدار الدنيا ثلاثة وهم: إدريس بقي حياً بجسده وأسكنه الله السماء الرابعة، وأبقى في الأرض أيضاً إلياس وعيسى (من حيث أن عيسى عليه السلام سينزل إلى الأرض في آخر الزمان) وكلاهما من المرسلين، وهما قائمان بالدين الحنيف الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، فهؤلاء ثلاثة من الرسل المجمع عليهم أنهم رسل، وأما الخضر وهو الرابع فهو من المختلف فيه عند غيرنا لا عندنا، فهؤلاء باقون بأجسامهم في الدار الدنيا، فكلهم الأوتاد، وإثنان منهم الإمامان، وواحد منهم القطب الذي هو موضع نظر الحق من العالم، والواحد من هؤلاء الأربعة الذين هم: عيسى وإلياس وإدريس وخضر هو القطب، وإثنان منهم هما الإمامان وأربعتهم هم الأوتاد، والقطب من هؤلاء لا يموت أبداً أي لا يصعق.

- وفي ف.ج1ص254: "ممن حصّل علوم الوهب مما ليس بشرع جماعة من الأولياء منهم الخضر على التعيين فإنه قال: "من لدنه"، والذي عرفناه من الأنبياء عليهم السلام آدم وإلياس وزكريا ويحيى وعيسى وإدريس وإسماعيل، وإن كان قد حصله جميع الأنبياء عليهم السلام، ولكن ما ذكرنا منهم إلا من حصل لنا التعريف به وسموا لنا من الوجه الذي نأخذ عن الله تعالى منه، فلهذا سمينا هؤلاء ولم نذكر غيرهم".

- وفي ف. ج3ص39: "أما اليوم فإلياس والخضر (الموجودان الآن في الأرض حتى نزول عيسى عليه السلام) على شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، إما بحكم الوفاق أو بحكم الاتباع، وعلى كل حال فلا يكون لهما ذلك إلا على طريق التعريف لا على طريق النبوة".

- وفي ف.ج3ص514: "الخضر وإلياس وعيسى (بعد نزوله) من أمة محمد صلى الله عليه وسلم الظاهرة".

- وفي ف.ج3ص230: "يتميز على سائر الأنبياء من أدرك شريعة محمد صلى الله عليه وسلم الظاهرة، كعيسى (عند نزوله) وإلياس (الموجود الآن على قيد الحياة على الأرض) فهذان قد كمل لهم المقام المحمدي".

- وفي ف.ج3ص50: "إدريس عليه السلام كان نبياً، ولم يجئ له نص في القرآن برسالته، بل قيل فيه صديقاً نبياً، فكان عليه السلام من الأنبياء الذين بعثوا قبل نوح عليه السلام الذي هو أول رسول أرسل".

- وفي ف.ج2ص445: "اعلم أن الاسم النور توجه على إيجاد السماء الرابعة وهي قلب العالم وقلب السماوات، فأظهر عينها يوم الأحد، وأسكن فيها قطب الأرواح الإنسانية وهو إدريس عليه السلام، وسمى الله هذه السماء مكاناً علياً، لكونه قلباً، فإن الذي فوقها أعلى منها، فأراد علو مكانة المكان، فلهذا المكان من المكانة رتبة العلو".

- وفي ف.ج2ص455: "(السماء الرابعة) وأسكنها إدريس عليه السلام وهو القطب الذي لم يمت إلى الآن، والأقطاب فينا نوابه".

هذا هو الثابت عن الشيخ بخط يده، فلا يصح ما جاء في هذا الفص من أن إلياس هو إدريس عليهما السلام.

(بالنسبة لإدريس وإلياس عليهما السلام، فهذا خلاف مشهور بين العلماء هل هما شخص واحد أم اثنان مختلفان، وتذهب بعض الآراء إلى أن إدريس هو إلياس ولكنه رجع في وقت آخر بعد أن رفعه الله تعالى مكاناً علياً، فهما شخص واحد بمسميين، وذلك أن إلياس هو في العهد القديم إيليا وهو النبي المنتظر رجوعه، ولذلك نجد الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي يفرق بينهما أثناء الحديث عن المقامات في الفتوحات المكية في المواضع التي نقلها الكاتب مثلاً، في حين إنه يعدهما واحداً في الفصوص المتخصص في الحديث عن خصائص أعيان الرسل صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين.

وهذا الكلام يؤكده ابن العربي نفسه في هذا الفص تحديداً حين يقول: "إلياس هو إدريس‏، كان نبياً قبل نوح، ورفعه الله مكاناً علياً، فهو في قلب الأفلاك ساكن وهو فلك الشمس.ثم بُعث إلى قرية بعلبك (أي بُعث من جديد).)

· وأما المسألة الهامة التي خالف فيها كتاب الفصوص ما هو ثابت عند الشيخ وإجماع أئمة المسلمين هو ما ورد في خلق عيسى عليه السلام، وهذه المسألة لم ترد في كتابنا "شرح فصوص الحكم":

§ جاء في الفص العيسوي ما هذا نصه:

"لما قال (جبريل) لها (أي لمريم) "إنما أنا رسول ربك"جئت "لأهب لك غلاماً زكياً"انبسطت عن ذلك القبض(يعني قولها "أعوذ بالرحمن منك إن كنت تقياً")وانشرح صدرها، فنفخ فيها في ذلك الحين عيسى، فكان جبريل ناقل كلمة الله إلى مريم كما ينقل الرسول كلام الله لأمته، وهو قوله تعالى "وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه"فسرت الشهوة في مريم، فخلق جسم عيسى عليه السلام من ماء محقق من مريم ومن ماء متوهم من جبريل".اهـ !!

ما جاء هنا يخالف النص القرآني، فإن مريم عليها السلام لما قال لها جبريل عليه السلام: "إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً"لم تنبسط من القبض ولا انشرح صدرها، بل قالت مستنكرة: "أنـّى يكون لي غلام ولم يمسسني بشر ولم أك بغياً"فقال لها جبريل عليه السلام: "كذلك قال ربك هو عليّ هين ولنجعله آية للناس ورحمة منا وكان أمراً مقضياً"، "فحملته ... الآية " فالفاء في قوله فسرت الشهوة إن كانت للتعقيب (وماذا إن لم تكن الفاء للتعقيب؟) بعد قول جبريل عليه السلام: "إنما أنا رسول ربك لأهب لك غلاماً زكياً"كما جاء في الفص (فنفخ فيها في ذلك الحين عيسى) لا يصح، فإن الشهوة لا تسري مع الإنكار، بل كان النفخ عند قول جبريل عليه السلام: "وكان أمراً مقضياً" "فحملته ..."فلا مجال لسريان الشهوة (بل عكس ذلك دليله في نفس النص الذي ينقله الكاتب بعد قليل من الفتوحات ج2ص689، والذي يتطابق تماماً مع وصف ابن العربي في الفصوص الذي يعترض عليه هنا: "وأما خلق عيسى عليه السلام ... فتمثل لها بشرا سويا لما أراد الله، فسرت اللذةبالنظر إليه، بعدما استعاذت منه، وعرفها أنه رسول الحق ليهب لها غلاماً زكيا، فتأهبت لقبول الولد، فسرت فيها لذة النكاح بمجرد النظر، فنزل الماء منها إلى الرحم، فتكوّن جسم عيسى من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة فيها...")، ولكن سريان الشهوة يكون مجالها المناسب مثل ما جاء في نسوة يوسف: "فلما رأينه أكبرنه وقطعن أيديهن"، فإذا قيل أنه قد سرت فيهن الشهوة حينئذ فهو أمر مقبول وهناك مناسبة. هذا من مناقشة منطوق الفص ومخالفته.

أمـّا عن قوله (فسرت الشهوة في مريم) فهو كلام يعارض ما هو ثابت عن الشيخ في كتبه، حيث يقول الشيخ في تعريف الشهوة كما جاء في الفتوحات المكية ج2ص189، 191، يقول: "الشهوة إرادة الالتذاذ بما ينبغي أن يلتذ به، فالشهوة هي إرادة الملذوذات، فهي لذة والتذاذ بملذوذ عندالمشتهي"اهـ. ولما كان هذا المفهوم لا يجوز نسبته إلى مريم عليها السلام ولا يتفق مع شرفها وإحصانها وتبتلها (هذا قصور فهم وإساءة تأويل، فالشهوة طبيعة خلقها الله في الإنسان، ولكن صرفها في غير مكانها هو الذي يناقض الشرف والإحصان والتبتل، وعلى كل حال فقد ذكر ابن العربي ذلك في الفصوص والفتوحات سواء، كما ورد في النص المنقول أعلاه والذي نقله الكاتب نفسه بعد قليل، غير أنه استشهد به في سياق آخر: "...فسرت اللذةبالنظر إليه، بعدما استعاذت منه، وعرفها أنه رسول الحق ليهب لها غلاماً زكيا، فتأهبت لقبول الولد، فسرت فيها لذة النكاح بمجرد النظر، فنزل الماء منها إلى الرحم..."الفتوحات: ج2ص689)، نجد أن الشيخ ينفي عنها الشهوة كما جاء في كتاب الإسراء في الإشارات العيسوية عندما سأل في عروجه الروحي: لم أيد عيسى بالروح؟ فأجاب: ما رقمه قلم في لوح، فقذف في الرحم من غير شهوة (يقصد من غير شهوة من جهة من قذفه في الرحم فكلمة "فقذف في الرحم" مبنية للمجهول، وهو هنا النافخ الذي هو جبريل عليه السلام الذي تمثل لمريم بشراً سوياً) فلم يكن له عن طرح الأكوان سلوة.

ويؤكد ذلك في كتابه "ذخائر الأعلاق"فيقول: "اعلم أنه لما وجد عيسى من غير شهوة طبيعية (نفس الملاحظة السابقة)، فإنه كان من باب التمثيل في صورة البشر(وهذا يؤكد الملاحظة السابقة)، فكان غالباً على الطبيعة".يفسر ذلك ما جاء في تفسير القرآن "إيجاز البيان في الترجمة عن القرآن"حيث يقول الشيخ رضي الله عنه في تفسير قوله تعالى "وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس"يقول: "فيه وجهان: الواحد أنـّا خلقناه مطهراً عن الشهوة الطبيعية التي تكون عن النكاح، فإنه لم يكن عن نكاح فليس للطبيعة فيه أثر".أين هذه النصوص مما جاء في هذا الفص (فسرت الشهوة في مريم) ؟!!(ولكن ورد نفس الكلام في الفتوحات كما نوهنا أعلاه!!!)

· خلق عيسى عليه السلام:

ما جاء في هذا الفص من قوله (فخلق جسمه عليه السلام من ماء محقق من مريم ومن ماء متوهم من جبريل، سرى في رطوبة ذلك النفخ من الجسم الحيواني رطب لما فيه من ركن الماء، فتكوّن جسم عيسى من ماء متوهم وماء محقق، وخرج على صورة البشر من أجل أمه ومن أجل تمثل جبريل في صورة البشر حتى لا يقع التكوين في هذا النوع الإنساني إلا على الحكم المعتاد).اهـ،

يعارض كلياً ما قاله الشيخ رضي الله عنهفي كتبه الثابتة، فنجد هنا النص على أن عيسى خلق من ماءين تكرر مرتين على طريق التأكيد، وهذا فيه من السوء ما فيه لصاحب الوهم أو الخيال الضعيف (صحيح!)، وينص على أن التكوين لا يقع في هذا النوع الإنساني إلا على الحكم المعتاد وهو اجتماع ماءين، نجد أن هذا الكلام يناقض تماماً ما نص عليه الشيخ في الفتوحات المكية ج1ص124 حيث يقول :

"الجسوم الإنسانية أربعة أنواع: جسم آدم، وجسم حواء، وجسم عيسى، وأجسام بني آدم، وكل جسم من هذه الأربعة نشؤه يخالف نشء الآخر في السببية، مع الاجتماع في الصورة الجسمانية والروحانية، وإنما نبهنا على هذا لئلا يتوهم ضعيف العقل أن القدرة الإلهية، أو أن الحقائق لا تعطي أن تكون هذه النشأة الإنسانية إلا عن سبب واحد يعطي بذاته هذا النشء (وهو ماجاء في هذا الفص بكلمة الحكم المعتاد) فردّ الله هذه الشبهة بأن أظهر هذا النشء الإنساني في آدم بطريق لم يظهر به جسم حواء، وأظهر جسم حواء بطريق لم يظهر به جسم ولد آدم، وأظهر أولاد آدم بطريق لم يظهر به جسم عيسى عليه السلام، وينطبق على كل واحد من هؤلاء اسم الإنسان بالحد والحقيقة، ذلك ليعلم أن الله بكل شيء عليم، وأنه على كل شيء قدير، فجمع الله هذه الأربعة الأنواع في الخلق في آية من القرآن فقال: "يا أيها الناس إنا خلقناكم"يريد آدم، "من ذكر"يريد حواء، فهي منفعلة عن آدم عليه السلام، "وأنثى"يريد عيسى عليه السلام، وهو منفعل عن مريم في مقابلة حواء من آدم (يهمل الكاتب هنا وفيما يلي أن الماء الثاني الذي يذكره ابن العربي في الفصوص هو ماء متوهم، وهذا هو الفارق)، وبالمجموع: "من ذكر وأنثى"يريد بني آدم باقي الذرية بطريق النكاح والتوالد، فهذه الآية جامعة لخلق الناس، ومن جوامع الكلم وفصل الخطاب، وتبين أن الغرض: الإعلام بأن الأجسام الإنسانية وإن كانت واحدة في الحد والحقيقة والصورة الحسية والمعنوية، فإن أسباب تأليفها مختلفة، لئلا يتخيل بأن ذلك لذات السبب، تعالى الله"اهـ. وهو قوله تعالى: "إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون"، آل عمران - آية 59، وقوله تعالى: ". . .وكلمته ألقاها إلى مريم . . ."، النساء - آية 171.

أما التعارض الثاني فهو:أن الشيخ يقول في موضوع خلق عيسى في معرض إنكاره على قول الطبيعيين أن ماء المرأة لا يخلق منه شيء، فيؤكد ما جاء في الفقرة السابقة بفرض أن خلق عيسى كان من ماء من مريم (وهو لا يقول به، (بل يقول بذلك، على أن الماء الثاني وهمي)) فيقول في الفتوحات المكية ج1ص125: "لما قال أهل الطبيعة أن ماء المرأة لا يتكون منه شيء وأن الجنين الكائن في الرحم إنما هو من ماء الرجل، لذلك جعلنا تكوين جسم عيسى تكويناً آخر، وإن كان تدبيره في الرحم تدبير أجسام البنين، فإن كان عن ماء المرأة إذ تمثل لها الروح بشراً سوياً أو كان عن نفخ بغير ماء، فعلى كل وجه هو جسم رابع مغاير في النشء غيره من أجسام النوع"اهـ. ويؤكد إنكاره على الطبيعيين بفرضية أنه خلق من ماء مريم في ف ج2ص689: "فتمثل لها بشراً سوياً"لما أراد الله فسرت اللذة بالنظر إليه بعدما استعاذت منه وعرّفها أنه رسول الحق ليهب لها غلاماً زكياً، فتأهبت لقبول الولد، فسرت فيها لذة النكاح لمجرد النظر (يلاحظ هنا اتفاق هذا الكلام المنقول من الفتوحات التي يقر بها الكاتب مع ما يحاول الكاتب نقضه في كل هذه السفسطة السابقة التي ينفي فيها وجود الشهوة التي هي اللذة)، فنزل الماء منها إلى الرحم فتكون جسم عيسى من ذلك الماء المتولد عن النفخ الموجب للذة فيها فهو من ماء أمه وينكر ذلك الطبيعيون ويقولون أنه لا يتكون من ماء المرأة شيء وذلك ليس بصحيح".اهـ، أين هذا الكلام الصريح مما جاء في الفص العيسوي من أن عيسى خلق من ماءين (ماء محقق من مريم وماء متوهم من جبريل)؟ (لا تنس أن الماء الثاني متوهم!!!) ومحاولة تعليل نسبة الماء إلى جبريل عليه السلام بقوله إنه الرطوبة السارية في النفخ، أين هذا الكلام من الاحتمال الذي أتى به الشيخ من أن خلق عيسى كان عن نفخ بغير ماء لا من مريم ولا من غيرها؟!

أما ما جاء في هذا الفص من أن الشيخ يقول أن عيسى خلق من "ماء محقق من مريم ومن ماء متوهم من جبريل"فنسبة الماء إلى جبريل وكونه متوهماً يستحيل صدوره عن الشيخ ابن العربي (لماذا؟)، الذي لم يكتب مثله أحد في التمثل والتجسد في عالم الخيال المتصل والمنفصل (راجع كتابنا الخيال عند ابن العربي)، ولو أراد الشيخ أن عيسى خلق من ماءين لقال: من ماء تجسد (المتجسد يكون له حقيقة روحانية، ويظهر في صورة جسمانية، والأمر ليس كذلك) عن نفخ جبريل، أو لقال من ماء محقق من مريم ومن ماء متخيل أو متمثل عن نفخ جبريل، فإن قول أن الماء متوهم لا يخلق منه شيء وإنما يخلق من ماء متمثل أو متجسد (كيف يقول مثل هذا الكلام من له مؤلف تحت اسم "الخيال عند ابن العربي"؟ بل إن كلام ابن العربي في الفصوص هو في غاية الدقة والإحكام، وهو يعني تماما أن هذا الماء لم يكن له وجود في الخارج، وإنما كان وجوده من الوهم في خيال مريم والذي حدث لها من خلال رؤيتها صورة جبريل عليه السلام إذ تمثّل لها في صورة بشرية، ولو تابع الكاتب كلام ابن العربي بعد ذلك لوجد معنى كلامه السابق حيث يقول إن جبريل عليه السلام لو تمثل لمريم في صورة غير بشرية سواء حيوانية أو نورانية لما استطاع عيسى عليه السلام أن يحيي الموتى حتى يتمثل في مثل هذه الصورة، فلما تمثل جبريل عليه السلام لمريم في صورة البشر التي توهم وجود الماء الذي هو ماء الرجل المقابل لماء الأنثى وخلق عيسى عليه السلام من ذينك الماءين، عندئذ فقط أصبح عيسى عليه السلام يحيي وهو في صورته البشرية لما فيه من الروح الإلهي الذي تمثل لأمه بشراً سوياً، كما ظهرت فيه أيضاً صفات أمه كما فصلها ابن العربي في هذا الفص....وأما الأمثلة التي يسوقها الكاتب فيما يلي فلا دلالة لها في هذا الموضوع والسياق) مثال ذلك: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يبيت عند ربه يطعمه ويسقيه، فكان يأكل أكلاً متخيلاً لا متوهماً (بل يغذيه ربه غذاء حقيقياً بالعلم والمشاهدة، إذ من يبيت عند ربه لا يبيت بجسمه الذي يحتاج الطعام المعتاد)، وعندما همّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بأن يقطف قطفاً من الجنة التي تمثلت له في عرض الحائط، لخرج به قطفاً متمثلاً لا متوهماً (ولكن التوهم في النص موضع النقاش هو للماء وليس لصورة جبريل التي تمثلت لمريم، فتمثلت صورة بشرية لها أوهمتها وجود الماء...)، ومثال آخر: الناظر إلى السراب، فقد رأى ماءً متوهماً ولذلك إذا جاءه لم يجده شيئاً (كلام صحيح)، ولو كان ما رآه ماءً متخيل لوجده ماءً (كيف يكون هذا؟ بل إن جاز أن يكون هناك ماء متخيل، فهو شيء ما تخيل في الصورة الماء، فلو جاءه لوجده كما هو في الأصل، لا في الصورة، كما أن جبريل عليه السلام تمثل (أو تخيل) لمريم هنا في صورة بشرية، ولكن لو جاءت إلى هذه الصورة البشرية لوجدت أنها في الحقيقة صورة نورانية هي صورة جبريل عليه السلام)، فنسبة الماء إلى جبريل تعبير خطير لا يصدر عن الشيخ (ولو أردنا أن نتماشى مع الكاتب هنا ونقول أن ابن العربي كان أولى أن يقول "ماء متمثلاً" أو "متخيلاً" وأن هذا سيكون له حقيقة بعكس "الماء المتوهم" الذي ليس له حقيقة: عندئذ فقط نكون قد نسبنا الماء لجبريل عليه السلام، وهذا هو الأمر الخطير، ولكن قول ابن العربي أن الماء متوهما يعني أن لا وجود له في الخارج، بل فقط في خيال من توهمت وجوده وهي مريم عليها السلام، وهذا ليس)، مخالف للحقيقة ويؤدي إلى شكوك وتأويلات فاسدة.

وهل يتصور أن يقول الشيخ الأكبر في إحياء عيسى للموتى: "فكان إحياء عيسى للأموات إحياءً محققاً من حيث ما ظهر عن نفخه"(لقد أسقط الكاتب هنا بقية النص، قبل ما اقتبسه وبعده، وتمام النص هو: "فخرج عيسى يُحْيِي الموتى لأنه روح إلهي، وكان الإحياء للَّه والنفخ لعيسى، كما كان النفخ لجبريل والكلمة للَّه.فكان إحياء عيسى للأموات إحياء محققاً من حيثما ظهر عن نفخه، كما ظهر هو عن صورة أُمه.وكان إحياؤه أيضاً متوهماً أنه منه وإنما كان للَّه."، فتسقط جميع النتائج التالية...)، وهو الذي يقول في الفتوحات ج1ص727: "فالأفعال من المخلوقين مقدرة من الله ووجود أسبابها كلها بالأصالة من الله، وليس للعبد ولا لمخلوق فيها بالأصالة مدخل إلا من حيث هو مظهر لها"اهـ، ويقول في الفتوحات ج3ص386: "وكل خلق أضيف إلى خلقفمجاز وصورة حجابية ليعلم العالِم من الجاهل"اهـ، ويقول في الفتوحات ج4ص20: "وقد أخبر (أي الله تعالى) أن العمل الذي يظهر من الإنسان المضاف إليه أنه له خلق".فهل يعقل أن يقول الشيخ الأكبر: "فكان إحياء عيسى للأموات إحياء محققاً"وقد أخبر الله تعالى عن عيسى أنه قال في كتابه العزيز (آل عمران - آية 49): ". . .وأحيي الموتى بإذن الله . . ."ولم يقل: أحيي الموتى، فيتطرق إليه الاحتمال، فأين الإحياء المحقق؟!وهو عمل معجز لا عمل تكليفي الذي يقول فيه الشيخ الأكبر في الفتوحات ج4ص485:

"جعلت فيّ الذي جعلت *** وقلت لي أنت قد عملت

وأنت تدري بأن كوني *** ما فيه غير الذي جعلت

فـكـل فعـل تـراه مـنـي *** أنت إلهي الـذي فعلـتا"

هذا في التحقيق في أعمال التكليف المتعلق بها الثواب والعقاب، من ناحية التوحيد المطلق، وتـُحمل هذه الأبيات على الأفعال الصالحة من أدب اللفظ المأمور به شرعاً، راجع أيضاً قول الشيخ الأكبر في الفتوحات وجميع كتبه عن نسبة الأفعال، فلا تجد مثل هذه اللفظة الواردة في هذا الفص.

ألا يكفي هذا لنقض كل ما جاء في كتاب الفصوص، وفي نسبته إلى الشيخ رضي عنه؟!!(تسقط جميع هذه النتائج لما ذكر أعلاه).

· مسألة أخرى مخالفة وردت في كتاب الفصوص وغير موجودة في كتابنا شرح فصوص الحكم هي استخدام كلمة "الوهم" بشكل لا يمكن أن يستخدمه به الشيخ الأكبر محي الدين بن العربي:

§ جاء في فص الحكمة الإلياسية ما هذا نصه:

"هذه المعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع المنزلة من عند الله، وحكمت بهذه المعرفة الأوهام كلها، ولذلك كانت الأوهام أقوى سلطاناً في هذه النشأة من العقول، لأن العاقل –ولو بلغ في عقله ما بلغ–لم يخل من حكم الوهم عليه والتصور فيما عقل، فالوهم هو السلطان الأعظم في هذه الصورة الكاملة الإنسانية، وبه جاءت الشرائع المنزلة، فشبهت ونزهت، شبهت في التنزيه بالوهم ونزهت في التشبيه بالعقل".اهـ ، إلى أن يقول: ثم قال (تعالى): "سبحان ربك رب العزة عما يصفون"وما يصفونه إلا بما تعطيه عقولهم، فنزّه نفسه عن تنزيههم إذ حددوه بذلك التنزيه، وذلك لقصور العقول عن إدراك مثل هذا، ثم جاءت الشرائع كلها بما تحكم به الأوهام (من تشبيه) فلم تخل الحق عن صفة يظهر فيها."اهـ.(هذا كلام جميل ليس فيه ما يناقض ما ينقله الكاتب من كتب ابن العربي أدناه)

فلننظر فيما قاله الشيخ رضي الله عنه عن الوهم في كتبه الثابتة وبعض الكتب التي يصح نسبتها إليه، ونقارنه بما جاء في هذا الفص من أن الأوهام حكمت بالمعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع، وأن الشرائع كلها جاءت بما تحكم به الأوهام:

· يقول في الكتب الثابت نسبتها إليه عن الوهم:

- ف ج1ص275

الجزع في الإنسان أقوى منه في الحيوانات، إلا الصرصر، تقول العرب: أجبن من صرصر، وسبب قوته في الإنسان العقل والفكر الذي ميزه الله بهما على سائرالحيوان، وما يشجع الإنسان إلا القوة الوهمية، كما أنه أيضاً بهذه القوة يزيد جبناً وجزعاً في مواضع مخصوصة، فإن الوهم سلطان قوي ...فللوجود لذة وحلاوة، وهو الخير، ولتوهم العدم العيني ألم شديد عظيم في النفوس، لا يعرف قدر ذلك إلا العلماء، ولكن كل نفس تجزع من العدم أن تلحق به كما هو حالها فمهما رأت أمراً تتوهم فيه أنه يلحقها بعدم عينها، أو بما يقاربه، هربت منه وارتاعت وخافت.

- ف ج1ص415

يقول العبد في تكبيرة الإحرام في الصلاة: الله أكبر أن يقيد ربي حال من الأحوال، بل هو في كل الأحوال، لا بل هو كل الأحوال، بل الأحوال كلها بيده، لم يخرج عنه حال من الأحوال، فكبـَّّره عن مثل هذا لحكم الوهم لا لحكم العقل، فإن للوهم حكماً في الإنسان، كما للعقل حكماً فيه (ألا يخرج هذا الكلام، وكذلك الكلام الذي قبله، من نفس مشكاة النص موضع النقاش والمنقول من الفصوص أعلاه!... بل إن جميع النصوص الدقيقة التي يأتي بها الكاتب أدناه من غير التدليل على موضع الخلاف بينها وبين النص الذي يناقشه، ليس فيها أي تعارض معه، بل وبعضها ليس له علاقة فيه! بل وأحدها يسوقه الكاتب من كتاب هو نفسه يعده مزورا (وهو كتاب الإسفار)!).

- ف ج1ص711-712

وتميّز الحق بالحل أنه غير محجور عليه، فهو يفعل ما يريد، لما يتوهمه الوهم بدليل العقل أن الحق يحكم على الفعل منه علمه به، فما يبدل، وهذا نقيض الاختيار، فأشبه المحجور عليه، فيحصل له (للعبد) في عرفة في الحل – يعني في الحج – معرفة إزالة هذا التحجير الذي أثبته الوهم بدليل العقل، فإنه في هذا الموطن من العلم بالله ساوى الوهم العقل (في هذا الموطن)،فحجرا على الله وجعلاه تحت حكم علمه في الشيء، في مذهب من يرى أن العلم صفة زائدة على ذاته، قائمة به، تحكم على ذاته بحسب ما تعلقت به.

- ف ج1ص741

كان الإنسان من أكثر الحيوان غيرة لأن سلطان الشح والوهم فيه أقوى مما في سواه، والعقل ليس بينه وبين الغيرة مناسبة في الحقيقة (فماذا؟).

- ف ج2ص4

ما لا ينقسم لا يكون له جهتان مختلفتان في حكم العقل، وإن كان الوهم يتخيل ذلك (فماذا؟).

- ف ج2ص326

اتفق في الوجود أمر غريب، وذلك أن ثم أموراً يتحقق بها العقل ويثبت عليها ولا يتزلزل، وتتفلت من الوهم ولا يقدر يبقى على ضبطها مثل هذه المسألة (وهي أن الله ما أحب إلا نفسه في تجليه في الخلق) يثبتها العقل ولا يقدر يزول عنها، وتتفلت من الوهم ولا يقدر على ضبطها، وثم أمور أخر بالعكس، تتفلت من العقل وتثبت في الوهم، ويحكم عليها ويؤثر فيها، كمن يعطيه العقل بدليله أن رزقه لا بدّ أن يأتيه، سعى إليه أو لم يسع، فيتفلت هذا العلم عن العقل، ويحكم عليه الوهم بسلطانه (أين هو التناقض مع ما نسخت من الفصوص؟)، أنك إن لم تسع في طلبه تموت، فيغلب عليه، فيقوم يتعمل في تحصيله، فحقه من جهة عقله زائل، وباطله من جهة وهمه ثابت لا يتزلزل.

وكمن يرى حية أو أسداَ على صورة لا يتمكن فيما يعطيه العقل أن يصل ضرره إليه، فيغيب عن ذلك الدليل ويتوهم ضرره، فينفر منه ويتغير وجهه وباطنه بحكم الوهم وسلطانه، وهذا موجود، فللوهم سلطان في مواطن وللعقل سلطان في مواطن.

- ف ج3ص364-365

جعل الله في الخيال قوة مصورة تحت حكم العقل والوهم، يتصرف فيها العقل بالأمر، وكذلك الوهم أيضاً يتصرف فيها بالأمر، وقوّى في هذه النشأة سلطان الوهم على العقل فلم يجعل في قوة العقل أن يدرك أمراً من الأمور التي ليس من شأنها أن تكون عين مواد أو تكون لا تعقل من جهة ما إلا في غير مادة، كالصفات المنسوبة إلى الله المنزه عن أن يكون مادة أو في مادة، فعلمه المنسوب إليه ماهو مادة ولا ينسب إلى مادة، فلم يكن في قوة العقل مع علمه بهذا - إذا خاض فيه –أن يقبله إلا بتصور، وهذا التصور من حكم الوهم عليه لا من حكمه، فالحس يرفع إلى الخيال ما يدركه، وتركب القوة المصورة في الخيال ما شاءته مما لا وجود له في الحس من حيث جملته، لكن من حيث أجزاء تلك الجملة، فإن كانت القوة المصورة قد صورت ذلك عن أمر العقل بقوة الفكر فذلك لطلبه العلم بأمر ما، والعلم مقيد بلا شك، وإن كان ما صورته المصورة عن أمر الوهم لا من حيث ما تصرف به العقل من حكم الوهم بل من الوهم نفسه، فإن تلك الصورة لا تبقى، فإن الوهم سريع الزوال لإطلاقه، بخلاف العقل فإنه مقيد محبوس بما استفاده، ولما كان الغالب على الخلق حكم الأوهام لسلطنة الوهم على العقل، فإنه أثر فيه أنه لا يقبل معنى يعلم قطعاً أنه ليس بمادة ولا في مادة إلا بتصور، وذلك التصور ليس غير الصورة التي لا يحكم بها إلا الوهم، فصار العقل مقيداً بالوهم بلا شك فيما هو به عالم بالنظر، وأما علمه الضروري فليس للوهم عليه سلطان، وبه يعلم أن ثم معاني ليست بمواد ولا في أعيان مواد وإن لم يقبلها بالنظر إلا في مواد من خلف حجاب رقيق يعطيه الوهم.

- ف ج4ص210

الأمر الإلهي يساوق الخلق الإيجادي في الوجود، فعين قول كن عين قبول الكائن للتكوين فيكون، فالفاء في قوله "فيكون" (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون) جواب أمره "كن"وهي فاء التعقيب، وليس الجواب والتعقيب إلا في المرتبة، كما يتوهم في الحق أنه لا يقول للشيء "كن"إلا إذا أراده، ورأيت الموجودات يتأخر وجود بعضها عن بعض، وكل موجود منها لا بد أن يكون مراداً بالوجود ولا يتكون إلا بالقول الإلهي على جهة الأمر، فيتوهم الإنسان أو ذو القوة الوهمية أوامر كثيرة لكل شيء كائن أمر إلهي لم يقله الحق إلا عند إرادته تكوين ذلك الشيء، فبهذا الوهم عينه يتقدم الأمر الإيجاد أي الوجود، لأن الخطاب الإلهي على لسان الرسول اقتضى ذلك، فلا بد من تصوره وإن كان الدليل العقلي لا يتصوره ولا يقول به، ولكن الوهم يحضره ويصوره كما يصور المحال ويتوهمه صورة وجودية وإن كانت لا تقع في الوجود الحسي أبداً، ولكن لها وقوع في الوهم ([1])

- ف ج4ص259

كل ما وقع به الرضى فقد علمت حكمته، فإنه يراها الراضي موافقة لغرضه، وإنما يقع النزاع والجهل فيما لا يوافق الغرض ولا الترتيب الوهمي، فإن العقل لا يعطي صاحبه في الواقع إلا الوقوف، فإنه يدري ممن صدر، وإنما الوهم الذي هو على صورة العقل له ذلك النظر المرجح، وحاشا العقل أن يرجح على الله مالم يرجحه الله، وما رجح الله إلا الواقع، فأوقع ما أوقع حكمة منه، وأمسك ما أمسك حكمة منه.

- ف ج4ص409

أثر الأوهام في النفوس البشرية أظهر وأقوى من أثر العقول، إلا من شاء الله.

- كتاب الإسفار عن نتائج الأسفار ص18

قرن سبحانه التسبيح بهذا السفر الذي هو الإسراء، ينفي بذلك عن قلب صاحب الوهم، ومن تحكم عليه خياله من أهل التشبيه والتجسيم ما يتخيله في حق الحق من الجهة والحد والمكان. (كيف تستشهد بكتاب تقول في مكان آخر إنه مزور)

- كتاب الإسراء ص22

تولعت بالتبليغ لما تبينت *** أمور ترقيني عنالوهم واللبس

- كتاب الأنوار ص5

فإن كان وهمك حاكماً عليك فلا سبيل إلى الخلوة إلا على يدي شيخ مميز عارف، وإن كان وهمك تحت سلطانك فخذ الخلوة ولا تبالي.

- ذخائر الأعلاق ص168

إن سرت في الضمير يجرحه ذلك الوهم كيف بالبصر

المعنى في نسبة الجرح إليها عند سريانها في الضمير هو ما يتخيله الوهم في الجناب الأعز من التصور، فذلك جرح فيه، والوهم ألطف من الإدراك الحسي فهي منزهة عن إدراك الألطف، فكيف بالبصر الذي هو أكثف، ولهذا يقال في العقائد في جناب الحق "كل ما خطر في سرك أو تلجلج في صدرك أوحصره وهمك، فالله بخلاف ذلك".

- التدبيرات الإلهية ص160

تحفظ من الوهم فإن الوهم موجود، يبرز للنفس على صورة العقل، فقد يلتبس عليك، وهو وزير مطاع، له في الإنسان تأثير عظيم وهو المستولي على الناس، والباعث على الأفكار الرديئة، وهو يورث الوسوسة، فتحفظ منه.

(أين هي وجوه الخلاف بين هذه النصوص الكثيرة والنص موضع النقاش!)

· وورد في كتب تنسب إلى الشيخ عن الوهم:

- كتاب الشاهد ص12

الحق سبحانه لا يدخل تحت سلطان الوهم والخيال (صحيح، ولكن معرفتنا به سبحانه وتعالى لا تخرج عن سلطان الوهم والخيال، وليس للعقل حكم في معرفة الله إلا من حيث النفي: فحد العقل أن يعرف أنه سبحانه فوق ما يعلم وخلاف لما يتوهم).

- رسالة ابن سودكين ص8

اعلم أن الله تعالى أن يحيط به بصر أو عقل، ولكن الوهم السخيف يقدره ويحده، والخيال الضعيف يمثله ويصوره.

أما عن الشرائع التي جاء في هذا الفص أنها جاءت كلها بما تحكم به الأوهام، فلننظر ما يقوله الشيخ في ذلك:

ما يقوله عن الشريعة وما جاءت به من الأحكام الخمسة (الفرض والمحظور والمندوب والمكروه والمباح)، يقول في الفتوحات ج3ص409: ما شرع (الله) لهم (للناس) من الأحكام إلا ما كانوا عليه، فمازادهم في ذلك إلا كونها من عند الله فيحكمون بها على طريق القربة إلى الله لتورثهم السعادة (الشيخ في واد والكاتب في واد غيره: فالشيخ يتكلم في الفصوص، في النص المقتبس أعلاه، عن مجاراة الشريعة لما تحكم به الأوهام بطبيعتها من تشبيه على الحضرة الإلهية، فوصف الله سبحانه وتعالى نفسه بالنزول والضحك واليد واليدين وغير ذلك... والكاتب هنا يستشهد بنص من الفتوحات ليس له علاقة بما سبق).

· أما عن العقائد والتنزيه والتشبيه فنراه يقول:

لما اقتضت الحكمة وبما يصلح الكون أن لا يكون آحاد العالم على مزاج واحد، فاختلفت الأمزجة، فكان في العالـَم العالـِمُ والأعلم، والفاضل والأفضل، فمنهم من عرف الله مطلقاً من غير تقييد، ومنهم من لا يقدر على تحصيل العلم بالله حتى يقيده بالصفات التي لا توهم الحدوث، وتقتضي كمال الموصوف، ومنهم من لا يقدر على العلم بالله حتى يقيده بصفات الحدوث فيدخله تحت حكم ظرفية الزمان وظرفية المكان والحد والمقدار، ولما كان الأمر في العلم بالله في العالم في أصل خلقه وعلى هذا المزاج الطبيعي المذكور أنزل الله الشرائع على هذه المراتب حتى يعم الفضل الإلهي جميع الخلق كله، فأنزل "ليس كمثله شيء"وهو لأهل العلم بالله مطلقاً من غير تقييد، وأنزل قوله تعالى "أحاط بكل شيء علماً"وهذا كله في حق من قيده بصفات الكمال، وأنزل تعالى من الشرائع قوله "الرحمن على العرش استوى" ...في حق من قيده بصفات الحدوث، فعمت الشرائع ما تطلبه أمزجة العالم ولا يخلو المعتقد من أحد هذه الأقسام، (فتوحات مكية ج2ص219).

- أين ما جاء في هذه النصوص من وصف الشيخ للوهم بإثبات الباطل، وبالسخف، وبأنه يزيد الإنسان جبناً وجزعاً، وبأنه يصور المحال ويتوهمه صورة وجودية، وكيف يقرن الشيخ الوهم مع اللبس ويحذر منه ويجعله الباعث على الأفكار الرديئة والوسوسة، أين كل هذا مما جاء في هذا الفص بأن الأوهام حكمت بالمعرفة التامة التي جاءت بها الشرائع؟!!. (ألا ترى من كلام الشيخ سواء في الفصوص أو في الفتوحات أن الوهم حامل للمتناقضات)

- وكيف يصح نسبة ما جاء في هذا الفص إلى الشيخ من انتقاص قدر العقل مهما بلغ وقصوره عن الإدراك في هذه النشأة الإنسانية لقوة سلطان الوهم على العقل، مع استثناء الشيخ من شاء الله (وهم الخاصة من الرسل والأنبياء وكمل الأولياء) من أثر الوهم على نفوسهم، ف.ج4ص409.

- وكيف يصح أن ينسب إلى الشيخ أنه يقول في العقائد أن الشرائع جاءت كلها بما تحكم به الأوهام مع الثابت عنه بأن الشرائع عمت ما تطلبه أمزجة العالم لا الأوهام، ف.ج2ص219.

- وأين ما جاء في هذا من خلف الكلام "شبهت في التنزيه" و "نزهت في التشبيه"، كلام لا معنى له (والفتوحات المكية تعج بمثل هذه العبارات، وهي أساس رؤية ابن العربي للأسماء والصفات!)، يخالف ما نص عليه الشيخ في مراتب الناس فيما أخبر الله تعالى به عن نفسه، (راجع ف ج1ص89، ج4ص7).

· مسائل أخرى مخالفة وردت في كتاب الفصوص وغير موجودة في كتابنا شرح فصوص الحكم:

· جاء في فص "حكمة إلهية في كلمة آدمية" قبل نهاية الفص وفي داخل الفص: "قال رضي الله عنه ..."، هذا يدل على أن كاتب الفصوص غير الشيخ الأكبر محيي الدين بن العربي، وإن كان هذا من الناسخ فكان لا بدّ أن يثبتها في أول الفصوص وليس داخل الفص. (مثل هذه الإضافة، التي قد تكون من الناسخ، كثيرة التكرار في كتب الشيخ محي الدين!)

· كما جاء في هذا الفص "حكمة إلهية في كلمة آدمية" عند ذكر الوجود الحادث: "...الوجوب الذاتي فإن ذلك لا يصح للحادث وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه"، لا يوجد هذا الكلام في كتب الشيخ الثابتة، ولا في تعريفه للواجب والممكن والمحال، وهي المعلومات الثلاث التي لا رابع لها، فإن كلمة "واجب الوجود" لا تطلق إلا على الله تعالى (بل تُطلق كذلك على العنصر الأعظم وهو المقصود هنا، وهو حادث مخلوق ولكنه واجب الوجود بالله، وأما الله سبحانه وتعالى فهو واجب الوجود بنفسه لنفسه، وهذا الكلام تبنى عليه رؤية ابن العربي للخلق وعلاقته بالخالق، فمن لا يفهمه لا يفهم شيئاً من خصوصيات كتب ابن العربي أبداً، إلا على المستوى العام)، وأما قوله: "وإن كان واجب الوجود ولكن وجوبه بغيره لا بنفسه" يعني أن الله واجبٌ عليه خلقُ الخلق (هذا فهم سقيم!) أي الوجود الحادث، ولا يقول بهذا أحد أبداً فإن الواجب على الله هو ما أوجبه الله على نفسه بالنص، مثل: [كتب ربكم على نفسه الرحمة]، وقوله في الحديث القدسي: (حرمت الظلم على نفسي).

· ويقول في فص "حكمة حقيّة في كلمة إسحاقية" في حق بقي بن مخلد ورؤياه: "فاستقاء فقاء لبناً . . . فحرمه الله علماً كثيراً على قدر ماشرب"، هل يعقل أن الشيخ يخطئ مثل هذا الخطأ فيكتب "على قدر ماشرب" بدل من "على قدر ما استقاء".(يبدو أن الكاتب يقرأ الكتاب وليس له هدف سوى البحث عن المعاني المخالفة لما وصل إليه من العلم، فيضيع بذلك إمكانية فهم النص الذي يعرف الجميع أنه من أعقد النصوص وأدقها. والشاهد هنا في هذا الفص يدور على "تصديق الرؤيا"، فتصديق الرؤيا عكس تعبيرها، فلما صدقها تقي واستقاء فقاء لبناً، فما شربه كان لبناً وما قاءه كان لبناً، وهذا ما كسبه، ما كسب غير اللبن. وأما لو عبرها بالعلم كما يجب، وما استقاء، لكان كسب قدر ذلك من العلم. وما أدق ابن العربي هنا في التعبير: فلو قال "على قدر ما قاء"، لبقي الذي في بطنه علماً! ولكنه لما علم أن ما شربه من اللبن خرج لبناً حين استقاء، فقاء إما بعضه أو كله، خسر قدر جميع ما شرب وليس فقط قدر ما قاء، لأنه حين قاءه لبناً بطل تأويله بالعلم....ملاحظة: ولو كان الكاتب دقيقا في انتقاده، لوجب أن يقول "على قدر ما قاء"لا "على قدر ما استقاء"، ولكن من الواضح أنه يتصدى لأمور شديدة الدقة في المعنى واللغة وهو لا يملك ذلك المعيار من الدقة.)

· جاء في نسخة الفهرس المنسوب للشيخ الأكبر الموجودة في المكتبة الآصفية بحيدر آباد تحت رقم 140، وتاريخها 689هـ، والتي كتبها إبراهيم بن محمد بن مظهر الشيخي نقل عن نسخة أصلية كتبها الشيخ الأكبر سنة 632هـ، وهذا الفهرس فيه ما فيه، وهو يذكر 251 كتاباً جاء في القسم الثالث من هذه الكتب وهو الذي فيه ذكر الكتب التي أمره الحق بتأليفها ولم يأمره إلى الآن (632هـ) بإخراجها إلى الناس وبثها في الخلق، جاء تحت رقم (190) ذكر اسم كتاب "الفصوص"، المؤلف عام 627هـ، والذي جاء في مقدمته أن الرسول صلى الله عليه وسلم أمره بالخروج به إلى الناس ينتفعون به؟؟!!، كما أن نسخة الفصوص المنسوبة إلى الصدر القونوي عليها سماع 630هـ، فكيف يكون حتى عام 632هـ لم يؤمر بالخروج به إلى الناس؟؟!! (الفهرس كتب سنة 627 في نفس السنة التي كتب فيها الفصوص، وليس سنة 632، كما يقول الكاتب، ولكن يبدو أن ذلك سقط منه سهواً، لأنه يعرف هذه الحقيقة في تحقيقه للفهرس وللإجازة المؤرخة بسنة 632، فهو هنا يخلط بينهما!)

من هذا التحقيق يتضح أن كتاب فصوص الحكم لا تصح نسبته إلى الشيخ الأكبر محيي الدين ابن العربي لا من حيث الاسم، ولا من حيث الأقوال الواردة فيه، وما جاء فيه يخالف ويناقض الثابت عن الشيخ في كتبه الصحيحة، وهي أقوال مدسوسة على الشيخ رضي الله عنه.

(هذه النتيجة الخاطئة مبنية على أسس فاسدة، وإن من يقرأ المسوغات الواهية التي يأتي بها هنا الأستاذ محمود غراب لنفي صحة نسبة كتاب فصوص الحكم لابن العربي، بالإسم والمضمون، يجد آلاف الأعذار لشيخ الإسلام ابن تيمية ومن نهج منهاجه من المسلمين الذين يغارون على الإسلام ولكن ليس لهم قدم في العلوم الذوقية. فكيف يصدر مثل هذا الكلام من شخص ينتقد ابن تيمية [مثلاً في كتابه: الرد على ابن تيمية] لعدم فهمه ابن العربي في الوقت الذي يسلك هو نفسه منهاج ابن تيمية في قراءته لابن العربي، وينتقد كذلك بعض الباحثين الكبار من أمثال عثمان يحيى وعلي عبد الله شودكيفيز!)

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

والحمد لله رب العالمين

محمود محمود الغراب

The Meccan Revelations Website:


The Sun from the West:


The Single Monad: