نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتابموعظة سفيان الثوري للمنصور بمكة
فرجعت اثني عشر برجا، فضمّوا يوشع أيضا إلى عيسى يكون رابع أربعة، وإن كنتم إنما عبدتموه لأنه عرج به إلى السماء، فمن ملائكة الله عز وجل مع كل نفس، اثنان بالليل، واثنان بالنهار، يعرجون إلى السماء، ما لو ذهبنا نعدّهم لالتبس علينا عقولنا، واختلط علينا ديننا، وما زاد في ديننا إلا تحيرا. ثم قال: أيها القس، أخبرني عن رجل يحل به الموت، الموت أهون عليه أم القتل؟ قال القس: بل القتل. قال: فلم لم يقتل عيسى ابن مريم أمه، بل عذبها بنزع الروح؟ إن قلت إنه قتلها فما برّ أمه في قتلها، وإن قلت إنه لم يقتلها فما برّ أمه في تعذيبها بنزع النفس. فقال القس: اذهبوا به إلى الكنيسة العظمى، فإنه لا يدخلها أحد إلا تنصّر. قال الملك: اذهبوا به إلى الكنيسة. قال الشيخ: لما ذا يذهب بي إلى الكنيسة ولا حجة عليّ دحضت حجتي؟ قال الملك: لا يضرّك شيء إنما هو بيت من بيوت الله تعالى تذكر فيه ربك. قال الشيخ: أما إذا كان هكذا فلا بأس.
فذهبوا به إلى الكنيسة، فلما دخل إلى الكنيسة وضع إصبعيه في أذنيه ورفع صوته بالآذان، فجزعوا لذلك جزعا شديدا، وصرخوا لذلك، وكتفوه، وجاءوا به إلى الملك، فقالوا: أيها الملك، أحل بنفسه القتل. قال الشيخ: أيها الملك، أين ذهبوا بي؟ قال:
ذهبوا بك موضعا تذكر ربك فيه. قال: فقد دخلته وذكرت ربي فيه بلساني، وعظمته بقلبي، فإن كان كلما ذكر الله في كنائسكم صغر إليكم دينكم فزادكم الله صغارا. قال الملك: صدق، وما لكم عليه سبيل. قالوا: أيها الملك، لا نرضى حتى نقتله. قال الشيخ: إنكم متى قتلتموني فبلغ ذلك ملكنا وضع يده في قتل القسيسين والأساقفة، ويخرّب الكنائس، وكسر الصلبان، ومنع النواقيس. قالوا: وإنه ليفعل؟ قال: فلا تشكّوا في ذلك. قال: فتفكروا في ذلك فتركوه. قال الشيخ: أيها الملك، بم علا أهل الكتاب على أهل الأوثان؟ قال: لأنهم عبدوا ما عملوا بأيديهم. قال: فهذا أنتم عبدتم ما عملتم بأيديكم هذه الأصنام التي في كنائسكم، فإن كان في الإنجيل فلا كلام لنا فيه، وإن لم يكن في الإنجيل فما أشبه دينكم بدين الأوثان. قال: صدق، هل تجدونه في الإنجيل؟ قال القس: لا. قال: فلم تشبهوا ديني بدين أهل الأوثان؟ قال: فأمرهم بتبييض الكنائس، فجعلوا يبيضونها ويبكون. قال القس: هذا شيطان من شياطين العرب رمى به البحر إليكم، فأخرجوه من حيث جاء، ولا يقطر من دمه قطرة في بلادكم فيفسد عليكم دينكم، فوكلوا به رجالا، فأخرجوه من حيث جاء من بلاد دمشق. ووضع الملك يده في قتل القسيسين والبطاركة والأساقفة، حتى هربوا إلى الشام، لما لم يجد واحدا يحاجّه. انتهى.
أخبرني عبد الوحد بن إسماعيل العسقلاني قال: سمعت جدّي لأميّ عمر بن عبد
رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=171
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

