تجاوز إلى المحتوى
✦ روح القدس في مناصحة النفس

[الشيخ أبو محمد بن الستاذ المروزي]

النص المعروض من محفوظات المكتبة الأكبرية على الموقع.

۞ قراءة النص

نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.

☷ فهرس الكتاب
رقم المقطع: 32

[الشيخ أبو محمد بن الستاذ المروزي]

ومنهم (رضي اللّه عنهم) أبو محمد عبد اللّه بن الأستاذ المروزي خدم الشيخ أب مدين وكان الشيخ يسميه الحاج المبرور وحج صحبة عبد الرزاق، صاحب بمكة أبا عبد اللّه بن حسان طلب ابن حسان أن يعطيه ابنته رغبة فيه فأبى أن يأخذها مخافة أن ل يقوم بحقها وكان الشيخ أبو مدين يحبه جدا قال له يوما يا أبا عبد اللّه كبر على دعائي الناس إلى اللّه ولا يجيب أحد وأريد أن أصطفيك لنفسي وتخرج معي إلى بعض هذه الجبال فالزم مغارة تصحبني فيها إلى أن أموت قال ففرحت بذلك وعلمت أن لي عند اللّه مكان فلما كان الليل قال عبد اللّه نمت فرأيت الشيخ في النوم إذا تكلم مع الناس صار شمسا وإذا سكت صار قمرا فقصصتها عليه بكرة فتبسم وقال الحمد للّه يا ولدي أريد أن أكون شمسا فإن الشمس تنفي كل ظلمة وتكشف كل كربة.

كان هذا عبد اللّه له همة فعالة وصدق عجيب.

سافر من عند الشيخ أبي مدين إلى الأندلس بسبب والدته فأودعه الشيخ أبو مدين سلامه إلى أبي عبد اللّه الشيخ المسن بمدينة “ المرية “ المعروف بالغزال من أصحاب ابن العريف من أقران أبي مدين وأبي الربيع الكفيف الذي كان بمصر وعبد الرحيم الذي كان بقنا وأبي النجا الذي كان بجزيرة الذهب (رحمهم اللّه تعالى) ، فلما وصل إلى المرية قصد إلى الشيخ أبي عبد اللّه فوجد أصحابه قعودا فقال لهم استأذنوا لي على الشيخ فقالوا الشيخ نائم في هذه الساعة ولم يقبلوا عليه فعز عليه ما هم فيه من كثافة الحجاب حيث لم يعرفوه فقال لهم أن كنت جئت إليه في اللّه فاللّه يوقظه الساعة فإذا الباب فتح والشيخ قد خرج يمسح النوم عن عينه فقال أين هذ الذي جاء، فسلم عليه وأكرم نزله.

وكان الغالب على أبي محمد البسط وكان أصحاب الشيخ مقبوضين فعند م ودعهم وانصرف قال له أصحاب الشيخ لو انقبضت يا أبا محمد من هذا البسط الذي أنت فيه فقال لهم البسط ما هو ؟

فقالوا رحمة قال والقبض ما هو قالوا عذاب فقال اللهم لا تنقلني من رحمتك إلى عذابك فخجلوا وانصرف عنهم.

ومن أخباره (رضي اللّه عنه) أنه لما وصل إلى غرناطة نزل عند الشيخ أبي مروان وكان قد عرفه عند أبي مدين وقد رأى أبو مروان عند الشيخ أبي مدين في حق رجل مرض منهم فأخذوا عنه مرضه وحملوه فاستراح من حينه فأخبر أصحابه بغرناطه فلما وصل شيخنا عبد اللّه المروزي إليها قال أبو مروان والناس قد اجتمعوا من أجله في الدار وقد جعلت بين أيديهم مائدة وعليها مجبنات بعسل وكان ابن صاحب الدار قد مشى في السحر إلى قرية له قريبة من البلد فتأسف أهل المجلس لما لم يحضر معهم الطعام ابن صاحب الدار فقال لهم أبو محمد المروزي بعد ما أكل وشبع وأكل الناس إن شئتم أكلت عنه هنا ويشبع هو في قريته من هذا الطعام بعينه فارتابوا من كلامه في باطنهم وظاهرهم تخيل ذلك جملة فقال له أبو مروان باللّه يا أبا محمد أفعل ذلك فقال بسم اللّه وابتدأ يأكل كأنه م أكل شيئا حتى وقف، وقال قد شبع وأن زدت عليه أكثر من ذلك يهلك فبهت أهل المجلس وعزموا أن لا يبرح أحد منهم حتى يصل ذلك الرجل الذي أكل عنه فلما كان عشية ذلك اليوم دخل عليهم من القرية فقاموا إليه وأنزلوه، وقالوا نراك جئت بزادك الذي حملته معك ما أكلت منه شيئا فقال لهم يا إخوتي اتفق لي اليوم شيء عجيب أنا عندما وصلت إلى القرية وقعدت فإذا أنا أحس بمجبنات بعسل تنزل في حلقي فتستقر في معدتي حتى شبعت ولو زادت علي أهلكتني وأنا حتى الآن شابع منها اتجشأه فتعجب القوم وفرحوا أن رأوا رجلا أخبرنا بالمسألة كيف وجدت، أخبرني بها بدار عبد اللّه الشكاز الباعي الشخص الذي أكل عنه فشبع ومعي صاحبي عبد اللّه بدر الحبشي ونحن في جماعة ونأسف وقال من مثل عبد اللّه المروزي ما رأينا مثله ولقد أطلعني اللّه عز وجلّ ليلة على المقامات ومشي بي عليه حتى وصلت مقام التوكل فرأيت شيخنا عبد اللّه المروزي في وسط ذلك المقام والمقام يدور عليه كدوران الرح على قطبها وهو ثابت لا يتزلزل فكتبت له بذلك.

عاشرته معاشرة انتفعت به.

وله امرأة في غاية الجمال صغيرة السن أحسن منه وأقوى وكان سيدنا هذ عند شمس (أم الفقراء) بـ"مرشانة الزيتون “ في يوم أربعاء فقالت العجوز تمنيت أن يأتينا غدا أبو الحسن بن قيطون فاكتبوا إليه عسى يصل غدا وكان في بلد “ قرمونة “ بينهما سبعة فراسخ، وكان أبو الحسن هذا يعلم الصبيان القرآن بـ"قرمونة “ ويعطل الخميس والجمعة فقال أبو محمد سيدنا (رضي اللّه عنه) هكذا تعمل العامة فقالت له العجوز فما تفعل قال أسوقه بهمتي فقالت أفعل فقال قد حركت الساعة خاطره بالوصول إلينا غد إن شاء اللّه تعالى فلما أصبحت قالت له تراه ما جاء قال غفلت عنه ولكني أخرجه لكم الساعة فأرسل همته إليه فلما كان قبيل الظهر دخل عليهم على غفلة أبو الحسن المذكور، فتعجبوا، فقال المروزي: سلوه م الذي أمسكك عنا إلى هذا الوقت وكيف خطر لك ومتى نويت الوصول إلينا فقال أمس العصر وجدت في باطني قائلا يقول مر غدا إلى العجوز بـ"مرشانة “ فقلت لصبيان المكتب لا يجئ أحد منكم غدا فلما أصبحت فترعني ذلك - وهو الذي غفل سيدنا أبو محمد عنه - قيل له إيه قال فوجهت إلى الصبيان ووصلوا وأخذو ألواحهم ليكتبوا فأنا كذلك إذ وجدت قلبي قد انقبض وشد عليه وقيل لي أخرج الساعة إلى “ مرشانة “ إلى زيارة العجوز فقلت للصبيان سيروا إلى منازلكم وهو كان خروجي إليكم فهذا الذي أبطأني فقالوا له اتفق من الأمر كذا وكذا ووصفوا له الحال فتعجب، وقال هذا واللّه العظيم كان فكان بعد ذلك ينظره بعين التعظيم واهتز وأخذ في الرحلة أبو الحسن المذكور إلى “ المرية “ إلى شيخ كان بها يقال له أبو عبد اللّه الغزال (رحمه اللّه تعالى) من أصحاب ابن العريف من أقران أبي الربيع الكفيف وأبي النجا وعبد الرحيم وهذه الطبقة ورآه وانتفع به ثم عاد إلى “ قرمونة “ فلم يزل يخدم الفقراء ويضيفهم ويتواضع وكنت استحسن منه ذلك فاشهد لقد رأيته وصل إلى “ إشبيلية “ فصاحب الفقهاء وجالس الطلبة المكبين على الدنيا وقرأ الفقه وأصوله وعلم الكلام وسكن “ إشبيلية “ يعلم بها القرآن فأداه صحبة أولئك إلى تجهيل الفقراء الصادقين في أحوالهم ونبذهم.

فإياك يا أخي عافاك اللّه من الظن السوء: أن تظن في أني أذم الفقهاء من أجل أنهم فقهاء أو لنقلهم الفقه لا ينبغي أن يظن هذا بمسلم، وإن شرف الفقه وعلم الشرع لاخفاء به ولكن أذم من الفقهاء الصنف الذي تكالب على الدنيا وطلب الفقه للرياء والسمعة وابتغى به نظر الناس ليقال، ولازم المراء والجدال وأخذ يرد على أبنا الآخرة الذين اتقوا اللّه فعلمهم من لدنه علما فأخذت الفقهاء - أعني هذا الصنف منهم - في الرد عليهم في علم لا يعلمونه ولا عرفوا أصوله ولو سئل عن شرح لفظة مما اصطلح عليه علماء الآخرة ما عرفها وكفى به جهلا ولو نظر في قول اللّه تعالى: ها أَنْتُمْ هؤُلاءِ حاجَجْتُمْ فِيما لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ الآية لاعتبر وتاب وقد ذم عليه السلام العلماء لكونهم طلبوه لغير اللّه وتصرفوا به في غير مرضات اللّه لا لكونهم علموا، كما مدح الصنف الآخر من العلماء بالخشية وغير ذلك كما أني قد ذممت الصوفية في كتابي هذا ولم أرد به الصادقين وإنما أعني الصنف الذي تزي بزيهم عند الناس وباطنة مع اللّه بخلاف ذلك، قال اللّه تعالى: وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلى ما فِي قَلْبِهِ، فلا أنكر مرتبة الفقه، وقد سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول من يرد اللّه به خيرا يفقهه في الدين ولما كان هذا الصنف من الفقهاء غلبت عليهم نفوسهم وشهواتهم واستولى عليهم الشيطان وعلى أيديهم جرى الضرر على أولياء اللّه وبشهادتهم هلكوا كما سيأتي في آخر الكتاب هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم.

وأما العلماء العاملون المنصفون الراسخون في العلم فهم السادة الذين هداهم اللّه فهم مصابيح الهدى وأعلام التقى وارثوا رسول اللّه صلى الله عليه وسلم في العلم والعمل والوصف الذين صح لهم نسب التقوى فإذا سمعتني أذم الفقهاء في هذ الكتاب فإنما أعني به هذا الصنف المدبر الذي اتبع شهوته وغرض نفسه الأمارة بالسوء وكذلك ذمي للصوفية فإنما أذم هذا الصنف الذي ذكرت فإن الحلولية والإباحية وغيرهم من هذا الطريق ظهروا وتظاهروا واتصفو، فهم قرناء الشيطان وحلفاء الخسران: نور اللّه بصائرنا وبصائرهم وأصلح سرائرن وسرائرهم وأوقفهم على عيوبهم لعلهم يرجعون.

وأشهد لقد وصل ألينا هذا السيد عبد اللّه المروزي الذي رآى له تلك البركة ليزوره في داره فقرع عليه الباب وأنا معه وصاحبي عبد اللّه بدر الحبشي، فقال من بالباب فقال عبد اللّه المروزي جاء ليزورك فسكت ساعة ثم خرج إليه ابنه وقال له مشغول هو ثم قال له ما هو هنا ولم ير مكانته هذا انتهى بغضه في الفقراء وهذا حصل له من شؤم الفقهاء حال اللّه بيننا وبين كل من يقطعنا عن اللّه وعن أهله وخاصته وكان إذا لقيني يعتبني على صحبتهم، ويقول لي مثلك من يصحبهم فأقول له مثلي لا يصلح أن يخدمهم فإنهم السادة وإنما كان يحن إلى مشاركتي له في علمه الذي قرأه لا لكوني في طريق القوم ولا لمحبتي فيهم فتركته في ذات اللّه تعالى وتركت معاشرته وصار اليوم حكمه حكم الفقهاء في الولاية لأنه معقولة متوهمة لا يعرف صاحبها ثم إذا وصف الفقيه أفعال الأولياء أقيدها عليه ثم أريه تلك الأفعال في شخص، فإذا رآه يقول إيه من قال إنه أخلص فيها لو كان مخلصا م أطلعت أنت ول أنا عليه إنما نصب هذا لحيلة ما فلا تراه يحسن الظن بأحد قط ولم أزل أبدا والحمد للّه أجاهد الفقهاء في حق الفقراء السادة حق الجهاد وأذب عنهم وأحمي وبهذا فتح لي ومن تعرض لذمهم والأخذ فيهم على التعيين وحمل من لم يعاشر على من عاشر فإنه لا خفاء بجهله ولا يفلح أبد، ولقد تكلم معي بحرم مكة رجل يقال له القاضي عبد الوهاب الأزدي من أهل إسكندرية فقيه قد استحوذ عليه الشيطان بحيث صيره أن يعتقد أن الزمان فارغ من جميع المراتب في كل فن، وإنما هي تلفيقات وخرافات فسألت كم بلد في معمور الأرض للمسلمين فقال كثير، فقلت له كم دخلت منها ؟

فذكر ستة بلاد أو سبعة، فقلت له: كم الخلق فيها ؟

قال كثير، فقلت له: من أكثر الذي رأيت أم الذي لم تره ؟

قال الذي لم أره فضحكت وقلت له حد المعتوه الأحمق الذي يرى الكثير ويبقى له القليل فيقيس القليل على الكثير ويحمله عليه في الحكم وأما المؤمن الناصح نفسه فإنه يقول: ولعل في ذلك القليل ولو كان واحدا لم أره لعله ذلك السعيد ؟

كيف ومن يقول ما رأيت إلّا القليل ولا من البلاد ولا من الناس ثم يعتقد ذلك فلا خفاء بجهله ثم إنه لا يطلع اللّه مثل هذا إلّا على نقائص العالم لا على فضائله حتى يحكم على الغائب بما يراه فيشقي بذلك عند اللّه وأين هو من قول اللّه تعالى وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فكثرهم وقال إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وقليل ما هم فقللهم ثم إن في المسألة ما هو أعجب من ذلك إني سمعته يقول ما يناقض أصله من جهة علمه، فقال الناس على قسمين دني وغير دني: ذكي وغير ذكي فغير الذكي لا كلام معه لنقصه والذكي لا يسلم من الغلط فما ثم شيء فانظر نظره إلى باب العيب والنقص لشقاوته وتركه النظر في أحوالهم إلى باب الفضل هلا قال عند هذا التقسيم فغير الذكي يأتي إلى العالم فيأخذ منه العلم تقليدا لعدم فطنته فيوفق ويرجى أن يعلمه اللّه والثاني الغالب عليه الإصابة في عموم أحواله وهذا لا يقنع في الأشياء إلّا بالبراهين من نفسه لذكائه فمنهما غلط إن استمر في غلطه بعد اجتهاده فمعفو عنه أو قد يرجع عن ذلك وأما نقض أصله فيه، فقول النبي صلى الله عليه وسلم في الحاكم إذا اجتهد فإن أصاب فله أجران وإن أخطأ فله أجر وكل مجتهد مصيب فتراه مأجورا في الحالتين لا وزر عليه البتة، فرأيت هذا الفقيه أجهل الجاهلين والحمد للّه رب العالمين.

رابط دائم لهذا المقطع: /books/ruh.php?id=32

تنبيه: قد تتفاوت دقة التحقيق أو النسبة في بعض نصوص المكتبة. هذا التحديث يحسّن العرض والبحث ولا يغيّر محتوى الكتب أو يثبت صحة نسبتها.
الطبعة والمصدر

نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.