موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي
موقع الشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

الفتوحات المكية - طبعة بولاق الثالثة (القاهرة / الميمنية)

  االصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  
 

=المقاصدِ محفوظَ المَشاهد، مَنصوراً مُؤيَّداً، وجميعُ الرُّسُل بين يديه مصطفُّون، وأمَّتُه -الَّتي هي خيرُ أُمّةٍ- عليه مُلتفُّون، وملائكةُ التَّسخير من حول عرش مقامه حافُّون، والملائكة المولَّدة من الأعمال بين يديه صافُّون، [ف1] و(أبو بكرٍ) الصِّدِّيق على يمينه الأنفس، و(عُمَرُ) الفاروق على يساره الأقدس، والختم بين يديه قد جثى يُخبره بحديث الأنثى، [ف2] وعَليٌّ صلَّى الله عليه وسلَّم يُترجم عن الختم بلسانه، وذو النُّورين (عُثمَانُ رضي الله عنه) مشتملٌ برداء حيائه مقبلٌ على شأنه (في خدمة رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم).

فالتفتَ السيِّدُ الأعلى، والموردُ العذبُ الأحلى، والنُّورُ الأكشفُ الأجلى، فرآني وراءَ الختمِ لاشتراكٍ بيني وبينَه في الحُكم. فقال له السَّيِّدُ هٰذا عديلُك وابنُك وخليلُك، انصِب له منبر الطَّرْفاء بين يديَّ، ثمَّ أشارَ إليَّ، أن قُمْ يا محمَّدُ عليه فأثنِ على من أرسلني وعليَّ، فإنَّ فيك شعرةً مني (وهي النَّفس النَّاطقة)، [ف1] لا صبر لها عني، هي السُّلطانة في ذاتيَّتك، فلا ترجعُ (هذه الشعرة، أو لا ترجعْ أنت) إليَّ إلاَّ بكلِّيَّتك، ولا بدَّ لها من الرُّجوع إلى اللِّقاء، فإنها ليست من عالم الشَّقاء، فما كان مني بعد بعثي شيءٌ في شيءٍ إلا سعِد، وكان ممَّن شُكر في الملأ الأعلى وحُمد.

[خطابه لهٰذا الجمع الروحاني]

فنَصبَ الختمُ المِنبرَ، في ذٰلك المشهدِ الأخطرِ، وعلى جبهةِ المِنبرِ=

=مكتوبٌ بالنُّورِ الأزهرِ: "هٰذا هو المقام المحمّديُّ الأطهرُ، من رقى فيه فقد ورثه، وأرسله الحقُّ حافظاً لحرمة الشَّريعة وبعثه."

ووُهبتُ في ذٰلك الوقتِ مواهبَ الحِكَم، حتى كأني أوتيتُ جوامعَ الكَلِم. فشكرتُ الله عزَّ وجلَّ وصعدتُ أعلاه، وحصلتُ في موضع وقوفِه صلّى الله عليه وسلَّم ومستواه.

وبُسط لي على الدَّرَجَة الَّتي أنا فيها [ف1] كُمُّ قميصٍ أبيضٍ فوقفت عليه، حتى لا أباشر الموضعَ الَّذي باشره صلَّى الله عليه وسلَّم بقدميه، تنْزيهاً له وتشْريفا، وتنبيهاً لنا وتعريفا، أنَّ المقامَ الَّذي شاهده من ربِّه لا يُشاهدُه الورثةُ إلا من وراء ثوبه. ولولا ذٰلك لكشفنا ما كشَفَ، وعرفنا ما عرَفَ؛ ألا ترى مَن تقفو أثره لتعلمَ خبره، لا تُشاهد مِن طريق سلوكه ما شَهِد منه، ولا تَعرفُ كيف تُخبرُ بسلْبِ الأوصاف عنه؛ فإنّه شاهَدَ مثلاً تراباً مستوياً لا صفةَ له فمشى عليه، وأنت على أثرهِ لا تُشاهدُ إلا أثرَ قدميه.

وهنا سِرٌّ خفيٌّ إن بحثتَ عليه وصلتَ إليه، وهو من أجلِ أنّه إمامٌ، وقد حصل له الأمامُ، لا يشاهِدُ أثراً ولا يعرفه، فقد كشفتَ (أنتَ) ما لا يكشفه (هو)! وهٰذا المقام قد ظهر في إنكار موسى صلّى الله على سيِّدنا وعليه وعلى الخضر (كما وردت قصَّتهما في سورة الكهف [60-82]).

فلما وقفتُ ذٰلك الموقف الأسنى بين يدي من كان من ربِّه في ليلةِ إسرائه قاب قوسين أو أدنى، قُمت مُقنِعاً خجِلاً، ثمَّ أُيِّدتُ بروحِ القُدُسِ، فافتتحتُ مرتجلا:

يا منزل الآيات والأنباء *** أنزل على معالم الأسماء

حتى أكون لحمد ذاتك جامعا *** بمحامد السراء والضراء

ثم أشرت إليه صلى الله عليه وسلم‏ (وقلت:)

ويكونَ هذا السيد العلم الذي *** جرَّدته من دورة الخلفاء

وجعلَته الأصلَ الكريمَ وآدمٌ *** ما بين طينة خلقه والماء

ونقلته حتى استدار زمانه *** وعطفت آخره على الإبداء

وأقمته عبدا ذليلا خاضعا *** دهرا يناجيكم بغار حراء

حتى أتاه مبشِّرا من عندكم *** جبريل المخصوص بالأنباء

قال السلام عليك أنت محمد *** سر العباد وخاتم النباء

يا سيدي حقا أقول فقال لي *** صدقا نطقت فأنت ظل ردائي‏

فاحمد وزد في حمد ربك جاهدا *** فلقد وهبت حقائق الأشياء

وانثر لنا من شأن ربك ما انجلى *** لفؤادك المحفوظ في الظلماء

من كل حق قائم بحقيقة *** يأتيك مملوكا بغير شراء

[نشأة الكون وظهور الكائنات‏]

ثم شرعت في الكلام بلسان العلام فقلت، وأشرت إليه صلى الله عليه وسلم: حمدتُ من أنزل عليك الكتاب المكنون الذي لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ، المنزلُ بحسن شيمك وتنزيهك عن الآفات وتقديسك؛ فقال في سورة ن (بِسْمِ الله الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ) ن والْقَلَمِ وما يَسْطُرُونَ ما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وإِنَّ لَكَ لَأَجْراً غَيْرَ مَمْنُونٍ وإِنَّكَ لَعَلى‏ خُلُقٍ عَظِيمٍ

فَسَتُبْصِرُ ويُبْصِرُونَ ثم غمس قلم الإرادة في مداد العلم وخط بيمين القدرة في اللوح المحفوظ المصون كل ما كان وما هو كائن وسيكون وما لا يكون مما لو شاء وهو لا يشاء أن يكون لكان كيف يكون من قدره المعلوم الموزون وعلمه الكريم المخزون ف سُبْحانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ ذلك الله الواحد الأحد فتعالى عما أشرك به المشركون

فكان أول اسم كتبه ذلك القلم الأسمى دون غيره من الأسماء إني أريد أن أخلق من أجلك يا محمد العالم الذي هو ملكك فأخلق جوهرة الماء فخلقتها دون حجاب العزة الأحمى وأنا على ما كنت عليه ولا شي‏ء معي في عما

فخلق الماء سبحانه بردة جامدة كالجوهرة في الاستدارة والبياض وأودع فيها بالقوة ذوات الأجسام وذوات الأعراض ثم خلق العرش واستوى عليه

[يوجد مساحة فارغة في الأصل]

عليه اسمه الرحمن ونصب الكرسي وتدلت إليه القدمان فنظر بعين الجلال إلى تلك الجوهرة فذابت حياء وتحللت أجزاؤها فسألت ماء وكانَ عَرْشُهُ عَلَى ذلك الْماءِ قبل وجود الأرض والسماء

 
  االصفحة السابقة

المحتويات

الصفحة التالية  
  الفتوحات المكية للشيخ الأكبر محي الدين ابن العربي

ترقيم الصفحات موافق لطبعة القاهرة (دار الكتب العربية الكبرى) - المعروفة بالطبعة الميمنية. وقد تم إضافة عناوين فرعية ضمن قوسين مربعين.

الصفحة 3 - من الجزء 1 (عرض هذا النص في نسخة قونيا)

 
عرض الفقرات الفصل الأول فى المعارف الفصل الثانى فى المعاملات الفصل الرابع فى المنازل
مقدمات الكتاب الفصل الخامس فى المنازلات الفصل الثالث فى الأحوال الفصل السادس فى المقامات (هجيرات الأقطاب)
الجزء الأول الجزء الثاني الجزء الثالث الجزء الرابع


يرجى ملاحظة أن بعض المحتويات تتم ترجمتها بشكل شبه تلقائي!