المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (4218)]
(صحيح مسلم) - [الحديث رقم: (4218)]
حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ سَهْلٍ التَّمِيمِيُّ حَدَّثَنَا أَبُو الْيَمَانِ أَخْبَرَنَا شُعَيْبٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ حَدَّثَنَا نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ إِنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْتُهُ فَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَأَقْبَلَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمَّاسٍ وَفِي يَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِطْعَةُ جَرِيدَةٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ قَالَ لَوْ سَأَلْتَنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكَهَا وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْرَ اللَّهِ فِيكَ وَلَئِنْ أَدْبَرْتَ لَيَعْقِرَنَّكَ اللَّهُ وَإِنِّي لَأُرَاكَ الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُكَ عَنِّي ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِنَّكَ أَرَى الَّذِي أُرِيتُ فِيكَ مَا أُرِيتُ فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمَّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إِلَيَّ فِي الْمَنَامِ أَنْ انْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةَ صَاحِبَ الْيَمَامَةِ
قَوْله : ( أَنَّ مُسَيْلِمَة الْكَذَّاب وَرَدَ الْمَدِينَة فِي عَدَد كَثِير , فَجَاءَ إِلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ الْعُلَمَاء : إِنَّمَا جَاءَهُ تَأَلُّفًا لَهُ وَلِقَوْمِهِ رَجَاء إِسْلَامهمْ , وَلِيُبَلِّغَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ. قَالَ الْقَاضِي : وَيَحْتَمِلُ أَنَّ سَبَبَ مَجِيئِهِ إِلَيْهِ أَنَّ مُسَيْلِمَة قَصَدَهُ مِنْ بَلَده لِلِقَائِهِ , فَجَاءَهُ مُكَافَأَة لَهُ. قَالَ : وَكَانَ مُسَيْلِمَة إِذْ ذَاكَ يُظْهِرُ الْإِسْلَام , وَإِنَّمَا ظَهَرَ كُفْره وَارْتِدَاده بَعْد ذَلِكَ. قَالَ : وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيث آخَر أَنَّهُ هُوَ أَتَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمَا مَرَّتَانِ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُسَيْلَمَةَ : ( وَلَنْ أَتَعَدَّى أَمْر اللَّه فِيك ) فَهَكَذَا وَقَعَ فِي جَمِيع نُسَخ مُسْلِم. وَوَقَعَ فِي الْبُخَارِيّ ( وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْر اللَّه فِيك ) قَالَ الْقَاضِي : هُمَا صَحِيحَانِ. فَمَعْنَى الْأَوَّل لَنْ أَعْدُوَ أَنَا أَمْر اللَّه فِيك مِنْ أَنِّي لَا أُجِيبُك إِلَى مَا طَلَبْته مِمَّا لَا يَنْبَغِي لَك مِنْ الِاسْتِخْلَاف أَوْ الْمُشَارَكَة , وَمِنْ أَنِّي أُبَلِّغُ مَا أُنْزِلَ إِلَيَّ , وَأَدْفَعُ أَمْرَك بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَن. وَمَعْنَى الثَّانِي وَلَنْ تَعْدُوَ أَنْتَ أَمْر اللَّه فِي خَيْبَتك فِيمَا أَمَلْته مِنْ النُّبُوَّة , وَهَلَاكك دُون ذَلِكَ , أَوْ فِيمَا سَبَقَ مِنْ قَضَاء اللَّه تَعَالَى وَقَدَره فِي شَقَاوَتِك. وَاللَّهُ أَعْلَمُ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَلَئِنْ أَدْبَرْت لَيَعْقِرَنَّك اللَّه ) أَيْ إِنْ أَدْبَرْت عَنْ طَاعَتِي لَيَقْتُلَنَّك اللَّه. وَالْعَقْرُ الْقَتْل. وَعَقَرُوا النَّاقَةَ قَتَلُوهَا. وَقَتَلَهُ اللَّه تَعَالَى يَوْم الْيَمَامَة. وَهَذَا مِنْ مُعْجِزَات النُّبُوَّة. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُك عَنِّي ) قَالَ الْعُلَمَاء كَانَ ثَابِت بْن قَيْس خَطِيبَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِبُ الْوُفُود عَنْ خُطَبِهِمْ وَتَشَدُّقهمْ. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( رَأَيْت فِي يَدَيَّ سِوَارَيْنِ ) وَفِي الرِّوَايَة الْأُخْرَى : ( فَوَضَعَ فِي يَدَيَّ أُسْوَارَيْنِ ) قَالَ أَهْل اللُّغَة : يُقَالُ : ( سِوَار ) بِكَسْرِ السِّين وَضَمِّهَا , وَ ( أُسْوَار ) بِضَمِّ الْهَمْز , ثَلَاث لُغَات. وَوَقَعَ فِي جَمِيع النُّسَخ فِي الرِّوَايَة الثَّانِيَة ( أُسْوَارَيْنِ ) فَيَكُون وَضَعَ بِفَتْحِ الْوَاو وَالضَّاد , وَفِيهِ ضَمِير الْفَاعِل , أَيْ وَضَعَ الْآتِي بِخَزَائِن الْأَرْض فِي يَدَيَّ أَسُوَارَيْنِ , فَهَذَا هُوَ الصَّوَاب. وَضَبَطَهُ بَعْضهمْ ( فَوُضِعَ ) بِضَمِّ الْوَاو , وَهُوَ ضَعِيف لِنَصْبِ أَسُوَارَيْنِ , وَإِنْ كَانَ يَتَخَرَّجُ عَلَى وَجْه ضَعِيف. وَقَوْله : ( يَدَيَّ ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاء عَلَى التَّثْنِيَة. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأُوحِيَ إِلَيَّ أَنْ انْفُخْهُمَا ) هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَة. وَنَفْخه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِيَّاهُمَا فَطَارَا دَلِيل لِانْمِحَاقِهِمَا وَاضْمِحْلَال أَمْرِهِمَا , وَكَانَ كَذَلِكَ , وَهُوَ مِنْ الْمُعْجِزَات. قَوْله صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ( فَأَوَّلْتُهُمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي , فَكَانَ أَحَدهمَا الْعَنْسِي صَاحِب صَنْعَاء , وَالْآخَر مُسَيْلَمَة صَاحِب الْيَمَامَة ) قَالَ الْعُلَمَاء : الْمُرَاد بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : "" يَخْرُجَانِ بَعْدِي "" أَيْ يُظْهِرَانِ شَوْكَتهمَا أَوْ مُحَارَبَتهمَا وَدَعْوَاهُمَا النُّبُوَّة , وَإِلَّا فَقَدْ كَانَا فِي زَمَنه.


