المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1241)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1241)]
حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ عَنِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَنَّهُ قَالَ إِنَّ أَبَاهُ بَشِيرًا أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إِنِّي نَحَلْتُ ابْنِي هَذَا غُلَامًا كَانَ لِي فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكُلَّ وَلَدِكَ نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا فَقَالَ لَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَارْتَجِعْهُ
( ش ) : قَوْلُهُ أَنَّ أَبَاهُ بَشِيرًا أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم فَقَالَ إنِّي نَحَلْت ابْنِي هَذَا غُلَامًا , النَّحْلُ : الْعَطِيَّةُ وَمَعْنَى نَحَلْتُ أَعْطَيْتُ وَيُحْتَمَلُ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ أَتَى بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم لِيَسْتَفْتِيَهُ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَتَى بِهِ لِيُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم عَلَى ذَلِكَ , وَقَدْ وَرَدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ حُصَيْنِ بْنِ عَامِرٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ أَعْطَانِي أَبِي عَطِيَّةً فَقَالَتْ عَمْرَةُ بِنْتُ رَوَاحَةَ لَا أَرْضَى حَتَّى تُشْهِدَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم وَأَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم فَقَالَ إنِّي أَعْطَيْتُ ابْنِي مِنْ عَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ عَطِيَّةً فَأَمَرَتْنِي أَنْ أُشْهِدَك يَا رَسُولَ اللَّهِ , قَالَ : أَعْطَيْتُ سَائِرَ وَلَدِك مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا , قَالَ : اتَّقُوا اللَّهَ وَاعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ قَالَ فَرَجَعَ فَرَدَّ عَطِيَّتَهُ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم : أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْتَهُ مِثْلَ هَذَا ؟ اسْتِفْهَامٌ عَنْ صِفَةِ هَذَا النَّحْلِ إذْ كَانَ مِنْهُ مَا يَمْنَعُهُ الشَّرْعُ وَمِنْهُ مَا يُبِيحُهُ فَاسْتَوْصَفَهُ عَنْ صِفَتِهِ لِيَعْلَمَ أَمِنَ الْمُبَاحِ هَذَا , أَوْ مِنْ الْمَمْنُوعِ لِيُبَيِّنَ لَهُ حُكْمَ الْقِسْمَيْنِ , أَوْ لِيَأْمُرَهُ بِارْتِجَاعِ الْمَمْنُوعِ , أَوْ إمْضَاءِ الْمُبَاحِ فَلَمَّا قَالَ لَهُ بَشِيرٌ لَا , وَبَيَّنَ أَنَّهُ لَمْ يُنْحِلْ سَائِرَ بَنِيهِ عَلَى مِثْلِ مَا نَحَلَ هَذَا , وَذَلِكَ أَنْ يَكُونَ قَدْ نَحَلَ سَائِرَ بَنِيهِ أَقَلَّ مِمَّا نَحَلَ هَذَا , أَوْ لَمْ يَنْحَلْهُمْ شَيْئًا , أَوْ نَحَلَ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم فَارْتَجِعْهُ يُرِيدُ إبْطَالَ النَّحْلِ وَارْتِجَاعَهُ مِنْ ابْنِهِ الْمَنْحُولِ إِلَى مِلْكِ النَّاحِلِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا جَوَّزَ ذَلِكَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم لِمَا عُلِمَ أَنَّ الْهِبَةَ كَانَتْ هِبَةً يَجُوزُ لِلْوَاهِبِ اعْتِصَارُهَا فَلَمَّا كَانَتْ مَكْرُوهَةً غَيْرَ شَرْعِيَّةٍ وَكَانَتْ عَلَى وَجْهٍ يَجُوزُ رَدُّهَا ; لِأَنَّهَا لَمْ تُفْتِ بِمَا تَفُوتُ بِهِ الْهِبَاتُ وَيَمْنَعُ الِاعْتِصَارَ لَهَا أَمْرُهُ بِاسْتِدْرَاكِ ذَلِكَ بِرَدِّهَا , وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا تَمْنَعُهُ الشَّرِيعَةُ يُرَدُّ مَا لَمْ يَفُتْ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُزَيْنٍ عَنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا وَجْهًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مَا تَصَدَّقَ بِهِ بَشِيرٌ عَلَى ابْنِهِ كَانَ جَمِيعَ مَالِهِ. وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ شِهَابٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ عَنْ مَالِكٍ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِي الَّذِي نَحَلَ ابْنَهُ عَبْدًا لَهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم : أَكُلَّ وَلَدِك نَحَلْته مِثْلَ هَذَا ؟ قَالَ : لَا , قَالَ : فَارْتَجِعْهُ , قَالَ مَالِكٌ : إِنَّ ذَلِكَ فِيمَا أَرَى لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ فَقُلْت لَهُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ غَيْرُهُ أَيَرُدُّهُ قَالَ : إِنَّ ذَلِكَ لَيُقَالُ وَقَدْ قَضَى بِهِ فِي الْمَدَنِيَّةِ , وَقَالَ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ عَلَى بَعْضِ وَلَدِهِ لَا أَرَاهُ جَائِزًا , وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ إِذَا تَصَدَّقَ بِكُلِّ مَالِهِ وَلَمْ يَكُنْ فِيمَا أَبْقَى مِنْهُ مَا يَكْفِيه رُدَّتْ صَدَقَتُهُ , وَإِنْ كَانَ فِي مَالِهِ بَقِيَ مَا يَكْفِيهِ لَمْ يُرَدَّ , وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ فِي صِحَّتِهِ , وَقَدْ فَعَلَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ , وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ مَنْ تَصَدَّقَ بِمَالِهِ كُلِّهِ عَلَى بَعْضِ وَلَدِهِ أَكْرَهَهُ فَإِنْ فَعَلَ وَحِيزَتْ عَلَيْهِ لَمْ تُرَدَّ بَعْدُ , وَقَالَ أَصْبَغُ وَابْنُ الْمَوَّازِ لَا يُرَدُّ وَجْهُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ نَحَلَ بَعْضَ وَلَدِهِ فَأَمَرَهُ بِرَدِّهِ , وَقَدْ حَمَلَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ذَلِكَ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ فَرَوَى عَنْهُ ابْنُ مُزَيْنٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم بِاسْتِرْجَاعِهِ كَرَاهِيَةً لِتَفْضِيلِ بَعْضِ وَلَدِهِ عَلَى بَعْضٍ , فَقَالَ : ارْتَجِعْهُ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَرَوْنَ ذَلِكَ جَائِزًا فِي الْقَضَاءِ ; لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم لَمْ يَفْسَخْهُ , وَإِنَّمَا نَدَبَهُ إِلَى ذَلِكَ. وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يُعْطِيَ بَعْضَ وَلَدِهِ جَمِيعَ مَالِهِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَجَوَّزَ أَنْ يُعْطِيَهُ بَعْضَ مَالِهِ وَاحْتَجَّ بِحَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ إذْ قَالَ لِابْنَتِهِ عَائِشَةَ : إنِّي كُنْت نَحَلْتُك جَادٌّ عِشْرِينَ وِسْقَا قَالَ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ إِذَا وَهَبَ الْبَعْضَ لَمْ يُوَلِّدْ ذَلِكَ عَدَاوَةً ; لِأَنَّهُ قَدْ بَقِيَ مَا يُعْطِي الْبَاقِينَ وَإِذَا أَعْطَى الْكُلَّ لَمْ يَبْقَ مَا يُعْطِي الْبَاقِينَ فَثَبَتَتْ الْأَثَرَةُ وَأَدَّى ذَلِكَ إِلَى الْعَدَاوَةِ وَالْبَغْضَاءِ , قَالَ فَإِنْ وَقَعَ ذَلِكَ وَوَهَبَ أَحَدُهُمَا الْكُلَّ نَفَذَ , وَإِنْ كَانَ مَكْرُوهًا خِلَافًا لِأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ , وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ : وَعِنْدِي أَنَّهُ إِذَا أَعْطَى الْبَعْضَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيثَارِ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ , وَإِنَّمَا يَجُوزُ ذَلِكَ وَيُعَرَّى مِنْ الْكَرَاهِيَةِ إِذَا أَعْطَى الْبَعْضَ لِوَجْهٍ مَا مِنْ جِهَةٍ يُخْتَصُّ بِهَا أَحَدُهُمْ , أَوْ غَرَامَةٌ تَلْزَمُهُ , أَوْ خَيْرٌ يَظْهَرُ مِنْهُ فَيُخَصُّ بِذَلِكَ خَيْرُهُمْ عَلَى مِثْلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. فَإِذَا قُلْنَا بِالرَّدِّ فَتَأْوِيلُ الْحَدِيثِ ظَاهِرٌ وَهُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى , قَالَ بَعْضُ الْبَغْدَادِيِّينَ مِنْ أَصْحَابِنَا : إِنَّ الْإِنْسَانَ مَمْنُوعٌ مِنْ مَالِهِ لِحَقِّ نَفْسِهِ كَمَا هُوَ مَمْنُوعٌ مِنْهُ لِحَقِّ غَيْرِهِ فَمُنِعَ مِنْ إتْلَافِهِ لِحَقِّ الْوَارِثِ وَالزَّوْجِ فَبِأَنْ يُمْنَعَ مِنْهُ لِحَقِّ نَفْسِهِ أَوْلَى , وَإِنْ قُلْنَا بِإِمْضَاءِ ذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْحَدِيثِ رَدَّ عَطِيَّتِهِ إِلَى الْعَدْلِ بَيْنَ وَلَدِهِ بِأَنْ يُعْطِيَهُمْ مِثْلَ مَا أَعْطَاهُ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ انْعَقَدَتْ الْعَطِيَّةُ بَعْدُ , وَإِنَّمَا أَرَادَهَا فَلَمَّا عَلِمَ بِمَا فِيهَا رَجَعَ عَنْ إمْضَائِهَا وَرَدَّ الْعَطِيَّةَ إِلَى بَقَائِهَا عَلَى مِلْكِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ أَعْطَاهَا ابْنَهُ عَلَى حُكْمِ الْوَصِيَّةِ فَأَمَرَهُ بِنَقْضِ ذَلِكَ ; لِأَنَّهُ لَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كَانَ أَعْطَاهَا إِيَّاهُ عَلَى وَجْهِ الْمُعَاوَضَةِ مِمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ لِمُدَّةٍ مَا وَلَمْ يُعْطِ سَائِرَ وَلَدِهِ مِثْلَ ذَلِكَ لِذَلِكَ الْوَجْهِ وَلَا لِغَيْرِهِ إيثَارًا لَهُ عَلَيْهِمْ فَلَمَّا أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَم أَنْ يَعْدِلَ بَيْنَهُمْ رَدَّ ذَلِكَ الْبَيْعَ وَرَأَى فِي رَدِّهِ السَّدَادَ لِابْنِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيُّ ذَلِكَ كَانَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْهِبَةُ لَمْ تَبْقَ بِيَدِهِ مَا يُنْفِقُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَا عَلَى وَلَدِهِ وَلَعَلَّهُ بَعْدُ كَانَتْ عَلَيْهِ نَفَقَاتٌ تَعَلَّقَتْ بِذِمَّتِهِ فَيَمْنَعُ ذَلِكَ الْعَدْلَ بَيْنَهُمْ.



