المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1328)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1328)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ نَافِعٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ فَانْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَهُ فَسَأَلْتُ مَاذَا قَالَ فَقِيلَ لِي نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ
( ش ) : قَوْلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم خَطَبَ فِي بَعْضِ الْمَغَازِي عَلَى حَسَبِ مَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ إلْقَاءِ الْأَحْكَامِ إِلَيْهِمْ وَتَعْلِيمِ مَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ فِي الْمَغَازِي وَعَلَى حَسَبِ مَا يَرَى مِنْ الْحَاجَةِ إِلَى ذَلِكَ وَقَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ فَأَقْبَلْتُ نَحْوَهُ يُرِيدُ أَنَّهُ أَقْبَلَ إِلَيْهِ لِيَسْمَعَ مَا يَخْطُبُ بِهِ وَيَتَعَلَّمُ مَا يُعَلِّمُهُ وَمَا يَأْمُرُ بِهِ وَيَنْهَى عَنْهُ وَعَلَى حَسَبِ ذَلِكَ كَانَتْ الصَّحَابَةُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُم تَفْعَلُ حِرْصًا عَلَى الِاقْتِبَاسِ مِنْهُ وَالْأَخْذِ عَنْهُ وَمُسَارَعَةً إِلَى امْتِثَالِ أَوَامِرِهِ وَاجْتِنَابِ نَوَاهِيهِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ فَانْصَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم يُرِيدُ عَنْ خُطْبَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَبْلُغَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَسَأَلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ مَنْ حَضَرَ خُطْبَتَهُ أَوْ مَنْ عَلِمَ مَا خَطَبَ بِهِ مَاذَا قَالَ لِئَلَّا يَفُوتَهُ عِلْمُ ذَلِكَ حِينَ فَاتَهُ حُضُورُهُ فَقِيلَ لَهُ : إنَّهُ نَهَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَلَمْ يَحْتَجْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَنْ يَذْكُرَ مَنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ لِمَا قَدْ عُلِمَ أَنَّ مِثْلَهُ لَا يَأْخُذُ إِلَّا عَمَّنْ يَثِقُ بِهِ عَلَى نَقْلِ الدِّينِ إِلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي عَدَالَةِ جَمِيعِ الصَّحَابَةِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْأَخْذِ بِمَرَاسِيلِهَا وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ مَنْ عُلِمَ مِنْ حَالِهِ مِنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ لَا يُرْسِلُ إِلَّا عَمَّنْ يَحْتَجُّ بِحَدِيثِهِ. ( فَصْلٌ ) وَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم عَنْ أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ الدُّبَّاءُ هُوَ الْقَرْعُ هُوَ مَا طُلِيَ بِالزِّفْتِ وَهُوَ الْقَارُ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : قَالَ أَهْلُ الْعِلْمِ : إنَّمَا نَهَى عَنْهُ لِئَلَّا يُعَجِّلَ تَغْيِيرَ مَا يُنْبَذُ فِيهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : فَأَخَذَ مَالِكٌ بِكَرَاهِيَةِ نَبِيذِ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَالتَّخْلِيلُ أَحَبُّ إلَيَّ فِيهَا وَبِهِ أَقُولُ وَجْهُ رِوَايَةِ الْمَنْعِ مَنْعُ الْفِعْلِ وَهُوَ الِانْتِبَاذُ وَنَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَالنَّهْيُ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ أَوْ الْكَرَاهِيَةَ وَدَلِيلُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ هَذَا مَعْنَى يُعَجِّلُ شِدَّةَ النَّبِيذِ وَيُغَيِّرُهُ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا كَالْخَلِيطَيْنِ وَوَجْهُ مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ ابْنُ حَبِيبٍ مَا زَعَمَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَتَعَلَّقَ فِي ذَلِكَ بِمَا رُوِيَ عَنْ بُرَيْدَةَ الْأَسْلَمِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم قَالَ : كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ النَّبِيذِ إِلَّا فِي سِقَاءٍ فَاشْرَبُوا وَاتَّقُوا كُلَّ مُسْكِرٍ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّهُ شَرَابٌ لَيْسَتْ فِيهِ شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ مُبَاحَ الِانْتِبَاذِ أَصْلُ ذَلِكَ إفْرَادُهُ وَانْتِبَاذُهُ فِي السِّقَاءِ. ( فَرْعٌ ) فَإِذَا قُلْنَا بِالْمَنْعِ مِنْ الِانْتِبَاذِ فِيهَا فَمَنْ اجْتَرَأَ عَلَى ذَلِكَ جَازَ أَنْ يَشْرَبَ النَّبِيذَ مَا لَمْ يَسْكَرْ كَتَخْلِيلِ الْخَمْرِ مَنْ اجْتَرَأَ عَلَيْهَا وَخَلَّلَهَا لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شُرْبُهَا. ( مَسْأَلَةٌ ) وَهَذَا إِذَا كَانَ الْمُزَفَّتُ إنَاءً غَيْرَ الزُّقَاقِ وَأَمَّا الزُّقَاقُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ إبَاحَةَ الِانْتِبَاذِ فِي الزُّقَاقِ الْمُزَفَّتَةِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ الزُّقَاقِ وَبَيْنَ غَيْرِهَا مِنْ الظُّرُوفِ الَّتِي يَجُوزُ الِانْتِبَاذُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ تَزْفِيتٍ أَنَّهُ إِذَا زُفِّتَ الْجَمِيعُ لَيْسَ بِبَيِّنٍ وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُمْنَعَ الْمُزَفَّتُ وَذَلِكَ كُلُّهُ زُقَاقًا وَغَيْرَهَا لِأَنَّ النَّهْيَ وَرَدَ عَامًّا عَنْ الْمُزَفَّتِ وَلَمْ يَخُصَّ زُقَاقًا مِنْ غَيْرِهَا. ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا الْجِرَارُ فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَجَازَ نَبِيذَ الْجِرَارِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ : وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرِيدَ الْجِرَارَ الْعَارِيَةَ مِنْ الْحَنْتَمِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم أَرْخَصَ فِي نَبِيذِ الْجِرَارِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ مَعْنَى نَبِيذٌ لَا يُعَجِّلُ الشِّدَّةَ الْمُطْرِبَةَ فَلَمْ يُمْنَعْ الِانْتِبَاذُ كَالْأَسْقِيَةِ وَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم نَهَى عَنْ نَبِيذِ الْجِرَارِ فَلَعَلَّهُ أَنْ يُرِيدَ الَّذِي طُلِيَ بِالْحَنْتَمِ أَوْ الْمُزَفَّتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا الْحَنْتَمُ فَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَرْخَصَ فِيهِ وَقَدْ رَوَى الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَنْعَ مِنْهُ عَلَى التَّحْرِيمِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ : وَعِنْدِي أَنَّ الْمَنْعَ مِنْهُ كَالْمَنْعِ مِنْ الْمُزَفَّتِ لِأَنَّهُ يَحْدُثُ مِنْ إسْرَاعِ الشِّدَّةِ مَا يُحْدِثُهُ الْمُزَفَّتُ وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ أَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم فَقَالُوا : إنَّا نَأْتِيك مِنْ شُقَّةٍ بَعِيدَةٍ وَبَيْنَنَا وَبَيْنَك هَذَا الْحَيُّ مِنْ كُفَّارِ مُضَرٍ وَلَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نَأْتِيَك إِلَّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ نُخْبِرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا نَدْخُلُ بِهِ الْجَنَّةَ فَأَمَرَهُمْ بِأَرْبَعٍ وَنَهَاهُمْ عَنْ أَرْبَعٍ أَمَرَهُمْ بِالْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَحْدَهُ هَلْ تَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاللَّهِ وَحْدَهُ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَإِقَامُ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزَّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَتُعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الدُّبِّ وَالْحَنْتَمِ وَالْمُزَفَّتِ وَرُبَّمَا قَالَ الرَّاوِي النَّقِيرَ وَرُبَّمَا قَالَ الْمُقَيَّرَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم وَاحْفَظُوهَا وَأَخْبِرُوا بِهَا مَنْ وَرَاءَكُمْ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَالْحَنْتَمُ الْجَرُّ وَهُوَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ فَخَّارٍ أَبْيَضَ أَوْ أَخْضَرَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ يَحْتَاجُ إِلَى تَأَمُّلٍ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ فَخَّارٍ حَنْتَمًا وَإِنَّمَا الْحَنْتَمُ مَا طُلِيَ مِنْ الْفَخَّارِ بِالْحَنْتَمِ الْمَعْمُولِ مِنْ الزُّجَاجِ وَغَيْرِهِ وَهُوَ يُعَجِّلُ الشِّدَّةَ فِي الشَّرَابِ وَأَمَّا الْفَخَّارُ الَّذِي لَمْ يُطْلَ فَلَا وَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحَجَرِ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَأَمَّا النَّقِيرُ فَهُوَ الْعُودُ الْمَنْقُورُ وَقَدْ رَوَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَرِهَهُ وَهُوَ عِنْدَهُ كَالْمُزَفَّتِ وَجْهُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَنَّهُ لَا يَبْلُغُ مِنْ التَّعْجِيلِ مَبْلَغَ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ وَكُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا فِيهَا وَوَجْهُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ هَذَا ظَرْفٌ يُعَجِّلُ تَغْيِيرَ مَا يُنْبَذُ بِهِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْنَعَ الِانْتِبَاذُ فِيهِ كَالدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ.



