المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1371)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1371)]
حَدَّثَنِي يَحْيَى عَنْ مَالِك عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّ سَائِبَةً أَعْتَقَهُ بَعْضُ الْحُجَّاجِ فَقَتَلَ ابْنَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَائِذٍ فَجَاءَ الْعَائِذِيُّ أَبُو الْمَقْتُولِ إِلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ يَطْلُبُ دِيَةَ ابْنِهِ فَقَالَ عُمَرُ لَا دِيَةَ لَهُ فَقَالَ الْعَائِذِيُّ أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلَهُ ابْنِي فَقَالَ عُمَرُ إِذًا تُخْرِجُونَ دِيَتَهُ فَقَالَ هُوَ إِذًا كَالْأَرْقَمِ إِنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ وَإِنْ يُقْتَلْ يَنْقَمْ
( ش ) : قَوْلُهُ أَنَّ سَائِبَةً أَعْتَقَهُ بَعْضُ الْحُجَّاجِ عِتْقُ السَّائِبَةِ هُوَ أَنْ يَقُولَ لِلْمُعْتَقِ اذْهَبْ فَأَنْتَ حُرٌّ سَائِبَةً قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَالْمَوَّازِيَّةِ أَوْ يَقُولَ أَنْتَ سَائِبَةً فَيُرِيدُ الْعِتْقَ قَالَ أَصْبَغُ : لَا يُعْجِبُنِي قَوْلَهُ يُرِيدُ الْعِتْقَ وَلَفْظُ التَّسْيِيبِ لَفْظُ الْحُرِّيَّةِ , وَإِنْ لَمْ يُرِدْهَا إِلَّا أَنْ يَكُونَ لِقَوْلِهِ سَبَبٌ غَيْرُ الْحُرِّيَّةِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ أَكْرَهُ عِتْقَ السَّائِبَةِ ; لِأَنَّهُ كَهَيْئَةِ الْوَلَاءِ قَالَ أَصْبَغُ وَسَحْنُونٌ لَا يُعْجِبُنَا كَرَاهِيَتَهُ لِذَلِكَ وَهُوَ جَائِزٌ كَمَا يُعْتَقُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا كَرَاهِيَةَ فِيهِ , وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ وَقَدْ تَتْرُكُ النَّاسُ عِتْقَ السَّوَائِبِ فَإِنْ فَعَلَهُ أَحَدٌ فَالْوَلَاءُ لِلْمُسْلِمِينَ وَرَأَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ وَلَاءَهُ لِمُعْتِقِهِ قَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ , وَقَالَهُ ابْنُ نَافِعٍ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ بأوعب مِنْ هَذَا , وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ السَّائِبَةُ لِيَوْمِهَا يُرِيدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي كِتَابِ ابْنِهِ فِي التَّفْسِيرِ وَذَلِكَ مِثْلُ الرَّجُلِ يُعْتِقُ عَبْدَهُ سَائِبَةً , ثُمَّ يَمُوتُ الْمُعْتَقُ وَلَا وَارِثَ لَهُ فَلَيْسَ لِلْمُعْتِقِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مِيرَاثِهِ شَيْئًا. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ فَقَتَلَ ابْنَ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَائِذٍ فَطَلَبَ أَبُو الْمَقْتُولِ دِيَةَ ابْنِهِ يَقْتَضِي أَنَّ قَتْلَهُ كَانَ خَطَأً , وَلِذَلِكَ لَمْ يَجِبْ فِيهِ غَيْرُ الدِّيَةِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَمْدًا وَاخْتَارَ الدِّيَةَ عَلَى رِوَايَةِ التَّخْيِيرِ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُ عُمَرَ لَا دِيَةَ لَهُ مَعْنَاهُ وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ لَا عَاقِلَةَ لَهُ تَلْزَمُهَا الدِّيَةُ ; لِأَنَّ أَدَاءَ الدِّيَةِ يَلْزَمُ الْعَاقِلَةَ , وَهَذَا لَا عَاقِلَةَ لَهُ , وَمَذْهَبُ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مَنْ لَا قَوْمَ لَهُ يَعْقِلُ عَنْهُ الْمُسْلِمُونَ وَيَرِثُونَ عَقْلَهُ رَوَاهُ ابْنُ الْمَوَّازِ وَغَيْرُهُ عَنْهُ , وَهَذَا إِذَا قُلْنَا أَنَّ وَلَاءَهُ لِلْمُسْلِمِينَ وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ ابْنِ نَافِعٍ وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ عَقْلُ مَنْ أُعْتِقَ مِنْ الْبَرْبَرِ عَلَى مَوَالِيهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَغَيْرِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمُعْتَقُ سَائِبَةً غَيْرَ مُسْلِمٍ , وَقَدْ الْتَزَمَ الْمَقَامَ بِأَرْضِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ , وَلَمْ يُوجَدْ مَنْ يَعْقِلُ مَعَهُ , وَلَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ وَقَدْ قَالَ الْمُغِيرَةُ إِنَّ أَهْلَ الْجِزْيَةِ إِنْ وُجِدَتْ لَهُمْ مَعَاقِلُ يَتَعَاقَلُونَ عَلَيْهَا حُمِلُوا عَلَيْهَا , وَإِلَّا فَذَلِكَ فِي مَالِ الْجَانِي وَيَكُونُ مَعْنَى قَوْلِ عُمَرَ لَا دِيَةَ لَهُ يُرِيدُ لَيْسَ لَهُ الْآنَ دِيَةٌ لِعَدَمِ عَاقِلَةِ الْجَانِي وَفَقْرِهِ , وَقَالَ أَشْهَبُ وَسَحْنُونٌ يَعْقِلُ مَعَهُ أَهْلُ جِزْيَتِهِ فَلَا يَصِحُّ عَلَى هَذَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ التَّأْوِيلِ , وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُعْتَقُ سَائِبَةً إِنْ كَانَ غَيْرَ مُسْلِمٍ أَنْ يَدْخُلَ بِأَرْضِ الْحَرْبِ ثُمَّ يَدْخُلَ مُسْتَأْمَنًا فَيَقْتُلَ مُسْلِمًا خَطَأً فَقَدْ قَالَ أَشْهَبُ فِي الْعُتْبِيَّةِ يُحْبَسُ وَيُرْسَلُ إِلَى أَهْلِ مَوْضِعِهِ وَكُورَتِهِ الَّتِي هُوَ مِنْهَا فَيُجِيزُونَ مَا صَنَعَ , وَمَا يَلْزَمُهُمْ فِي حُكْمِنَا فَإِنْ أَدَّوْا عَنْهُ , وَإِلَّا لَمْ يَلْزَمْهُ إِلَّا مَا كَانَ يُؤَدَّى مَعَهُمْ وَرَوَى عَنْهُ سَحْنُونٌ أَنَّ الدِّيَةَ فِي مَالِ الْجَانِي دُونَ غَيْرِهِ فَعَلَى هَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولَ عُمَرُ لَا دِيَةَ لَهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْجَانِي مَالٌ , وَرَوَى أَبُو زَيْدٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ الدِّيَةُ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ وَالْحَرْبِيِّينَ. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُ الْعَائِذِيِّ أَرَأَيْتَ لَوْ قَتَلَهُ ابْنِي عَلَى مَعْنَى اسْتِعْلَامِ حُكْمِهِ وَلَعَلَّهُ جُوِّزَ ; لِأَنَّهُ لَا دِيَةَ لَهُ كَمَا لَا دِيَةَ عَلَيْهِ فَأَعْلَمَهُ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ عَاقِلَتَهُ خَطَأً الدِّيَةُ إِذَا كَانَ مِمَّنْ لَهُ عَاقِلَةٌ فَقَالَ الْعَائِذِيُّ : إِنَّ هَذَا كَالْأَرْقَمِ يُرِيدُ كَالْحَيَّةِ إِنْ يُتْرَكْ يَلْقَمْ يُرِيدُ يَعَضُّ وَيَنْهَشُ , وَإِنْ يَقْتُلْ يَنْقِمْ يُرِيدُ يَنْتَقِمُ مِنْ قَاتِلِهِ ضَرَبَهُ مَثَلًا لِقَاتِلِ ابْنِهِ أَنَّهُ يَنْتَصِفُ مِمَّنْ جَنَى عَلَيْهِ وَلَا يَنْتَصِفُ مِنْ جِنَايَةٍ يَجْنِيهَا.



