المكتبة الأكبرية: موسوعة الحديث الشريف: (موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1464)]
(موطأ مالك) - [الحديث رقم: (1464)]
و حَدَّثَنِي عَنْ مَالِك عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ لَهُ إِنَّ لِي يَتِيمًا وَلَهُ إِبِلٌ أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا وَتَلُطُّ حَوْضَهَا وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ
( ش ) : قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ إِنْ كُنْت تَبْغِي ضَالَّةَ إبِلِهِ أَيْ تَطْلُبُ مَا ضَلَّ مِنْهَا وَتَقْتَفِي أَثَرَهُ وَتَنْشُدُهُ يُرِيدُ عَلَى حَسَبِ مَا تَفْعَلُ بِضَالَّةِ إبِلِك ; لِأَنَّهُ هُوَ الِابْتِغَاءُ الْمُعْتَادُ وَقَوْلُهُ وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا يُرِيدُ تَطْلِي الجربة مِنْهَا بِالْهَنَاءِ وَهُوَ الْقَطْرَانُ وَقَوْلُهُ وَتُلِيطُ حَوْضَهَا يُرِيدُ تَرُمُّ حَوْضَهَا الَّذِي تَشْرَبُ مِنْهُ وَتَكْنُسُهُ وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا يُرِيدُ يَوْمَ شُرْبِهَا قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى وَابْنُ نَافِعٍ وَقَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ لُطْت الْحَوْضَ لُوطًا طَيَّنْته. ( فَصْلٌ ) وَقَوْلُهُ فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ عَلَى مَعْنَى الْإِبَاحَةِ لَهُ لِيَشْرَبَ مِنْ لَبَنِهَا عَلَى هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يَضُرَّ بِأَوْلَادِهَا وَقَوْلُهُ وَلَا نَاهِكٍ فِي الْحَلَبِ يُرِيدُ مُسْتَأْصِلَ اللَّبَنِ قَالَهُ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ نَافِعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَعْشَى , وَالْحَلَبُ بِفَتْحِ اللَّامِ اللَّبَنُ وَبِتَسْكِينِ اللَّامِ الْفِعْلُ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ لَا أَعْلَمُ أَنَّهُ يَجُوزُ لِوَلِيِّ الْيَتِيمِ أَنْ يُصِيبَ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا إِلَّا مِنْ اللَّبَنِ إِنْ كَانَ بِمَوْضِعٍ لَا ثَمَنَ لَهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : وَلَا تَأْكُلُوهَا إسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ. وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ فَذَهَبَ عُمَرُ إِلَى أَنَّهُ إِنْ كَانَ فَقِيرًا أَكَلَ بِالْمَعْرُوفِ , ثُمَّ قَضَى رَوَاهُ حَارِثَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ قَالَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ يَقُولُ أَنْزَلْت مَالَ اللَّهِ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ وَالِي الْيَتِيمِ إِنْ اسْتَغْنَيْت اسْتَعْفَفْت وَإِنْ افْتَقَرْت أَكَلْت , ثُمَّ قَضَيْت وَرَوَاهُ عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَهُ مُجَاهِدٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَرَوَى مُقَسِّمٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَعْنَاهُ فَلْيُقَوِّتْ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ مَالِهِ وَلَا يُصِبْ مِنْ مَالِ الْيَتِيمِ شَيْئًا وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ أَبِي الْحَسَنِ الْبَصْرِيُّ : مَعْنَاهُ يَأْكُلُ مِنْ الصَّامِتِ وَغَيْرِهِ وَلَا يَقْضِي وَقَالَ عَطَاءٌ يَأْكُلُ مَعَهُمْ بِقَدْرِ خِدْمَتِهِ وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ رَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إنَّمَا ذَلِكَ فِي الرَّسَلِ وَالثَّمَرَةِ دُونَ صُلْبِ الْمَالِ وَفِي الْعُتْبِيَّةِ مِنْ رِوَايَةِ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَمَّا أَكْلُ الْفَاكِهَةِ وَشُرْبُ اللَّبَنِ فَخَفِيفٌ وَلَا يُنْتَفَعُ بِظَهْرِ إبِلِهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَرَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَعْنَاهُ فِي الْيَتِيمِ إِذَا كَانَ فَقِيرًا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ فَقْرِهِ وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا أَنْفَقَ عَلَيْهِ بِقَدْرِ غِنَاهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو إِسْحَاقَ وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ : يَقْضِي مَا أَكَلَ بِالْبَيِّنِ وَاحْتَجُّوا فِي ذَلِكَ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنْ يُشْهِدَ عَلَيْهِمْ بِمَا يَدْفَعُ إِلَيْهِمْ مِمَّا يَبْقَى وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ : أَنْ يَأْكُلَ النَّاظِرُ مِنْهُ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا مَضَرَّةَ عَلَى الْيَتِيمِ فِيهِ فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَوْ اسْتَعَفَّ لَكَانَ خَيْرًا لَهُ لَكِنْ إِنْ احْتَاجَ النَّاظِرُ لَهُ إِلَى أَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ حَاجَتِهِ فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ الِاقْتِرَاضِ فَيَكُونُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إِلَّا لِضَرُورَةٍ وَحَاجَةٍ لَا لِتَرَفُّهٍ وَلَا تَكَسُّبٍ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ بِقَدْرِ عَمَلِهِ وَنَظَرِهِ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَلْتَزِمْ النَّظَرَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنَّمَا الْتَزَمَهُ عَلَى وَجْهِ التَّطَوُّعِ دُونَ عِوَضٍ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى ذَلِكَ عِوَضًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ. ( مَسْأَلَةٌ ) وَفِي الْعُتْبِيَّةِ سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الْيَتِيمِ يَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ فَيَأْخُذُ نَفَقَتَهُ فَيُرِيدُ أَنْ يَخْلِطَهَا بِنَفَقَتِهِ وَيَكُونَ طَعَامُهُمْ وَاحِدًا فَقَالَ مَالِكٌ إِنْ كَانَ يَعْلَمُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّفَضُّلِ عَلَى الْيَتِيمِ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَإِنْ كَانَ لَا يَنَالُ الْيَتِيمَ مِنْ ذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْ حَقِّهِ فَلَا يُعْجِبُنِي وَهَذَا مِنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِ التَّنَاهِي فِي التَّحَرُّزِ لِكَثْرَةِ مَا حَدَثَ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ التَّحَامُلِ وَعِنْدِي أَنَّهُ إِذَا أَكَلَ الْيَتِيمُ بِقَدْرِ حَقِّهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَفِي إفْرَادِهِ بِقُوتِهِ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ وَعَلَى النَّاظِرِ لَهُ فِي الْغَالِبِ , وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ.



