لواقح الأنوار القدسية في مناقب الأخيار والصوفية
وهو كتاب الطبقات الكبرى
تأليف الشيخ عبد الوهاب الشعراني
![]() |
![]() |
ومنهم سيدي الشيخ أمين الدين إمام جامع الغمري (رضي الله عنه)
كان رضي الله عنه من الراسخين في العلم، وانتهت إليه الرئاسة في علو السند بالكتب الستة وغيرها، وكان يقرأ السبع وله صوت بالمحراب لم يسمع السامعون في عصره مثله، ولما دخل السلطان ابن عثمان فريد أيام الغوري مصر طلبوا له إماماً يخطب به فأجمع رأي أهل مصر كاملا على الشيخ أمين الدين رضي الله عنه فصار يؤم به إلى أن سافر إلى الروم.
وكان رضي الله عنه ينزل من بيته يتوضأ، ويصلي ما شاء الله تعالى أن يصلي ثم يصعد الكرسي فيقرأ في المصحف قبل الفجر نحو سبعة عشر حزباً سراً فإذا أذن للصبح قرأ جهراً
قراءة تكاد تأخذ القلوب من أماكنها فمر نصراني من مباشري الديوان يوماً في السحر فرق قلبه فطلع، وأسلم على يد الشيخ رضي الله عنه، وهو يقرأ على الكرسي، وصار يبكي، وحسن إسلامه، ورأيته يصلي خلفه إلى أن مات، كان الناس يأتون إلى الصلاة خلفه من بولاق، ومن نواحي الجامع الأزهر في صلاة الصبح لحسن صوته، وخشوعه، وكثرة بكائه حتى يبكي غالب الناس خلفه، وكان سيدي أبو العباس الغمري رضي الله عنه يقول الجامع جثة، والشيخ أمين الدين رضي الله عنه روحها، ومصداق ذلك أن الناس كانوا يخرجون من الجامع في مثل خروج الحج فلم يبق في الجامع إلا هو فكأن الجامع لم يخرج منه أحد، وكان رضي الله عنه إذا سافر صار الجامع كأنه ما فيه أحد. ومما وقع لي معه أنني كنت أقابل معه في شرح البخاري في جزاء الصيد فذكر جزاء التيتل فقلت ما هو التيتل فقال هذا لوقت تنظره فخرج التيتل من المحراب فوقف على كتفي فرأيته دون الحمار، وفوق تيس المعز، وله لحية صغيرة فقال ها هو ثم دخل الحائط فقبلت رجله فقال اكتم حتى أموت، ورأيته بعد موته بسنتين فروى لي حديثاً سنده بالسرياني، ومتنه بالعربي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال " من أدمن النوم بعد صلاة الصبح ابتلاه الله تعالى بوجع الجنب " وفي رواية " ابتلاه الله في جنبه بالبعج " ، ومكث رضي الله عنه سبعاً وخمسين سنة إماماً لم يدخل وقت واحد عليه، وهو على غير، وضوء، وليلة مات كان مريضاً فزحف إلى ميضأة الجامع فوقع بثيابه فيها فطلع، والناس يحاذونه فصلى بالناس المغرب وثيابه تخر ماء وبقي معه العزم إلى أن مات، وكان يلبس الثياب الزرق، والجبب السود، ويتعمم بالقطن غير المقصور، وكان رضي الله عنه يتفقد الأرامل، والمساكين، والعميان، ويتعب لهم في حوائجهم، ويجمع لهم الزكوات، ويفرقها عليهم، ولا يأخذ لنفسه شيئاً، وكان يعطي ذلك سراً، وما علم الناس بذلك إلا بعد موته. مات رضي الله عنه في سنة تسع وعشرين وتسعمائة، ودفن بتربته خارج باب النصر. لقرب من سيدي إبراهيم الجعبري رضي الله عنهما.
![]() |
![]() |






