تجاوز إلى المحتوى
✦ مشاهد الأسرار القدسية

شروط الحصول على هذه العلوم

النص المعروض من محفوظات المكتبة الأكبرية على الموقع.

۞ قراءة النص

نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.

☷ فهرس الكتاب
رقم المقطع: 18

شروط الحصول على هذه العلوم

وسبيل الحصول على هذه العلوم المذكورة في قلوب أهل الحقائق له شروط جمة ، لا يفي بها إلا أهل العناية والتوفيق ، والسالكين سواء الطريق .فنقول : إن القلب على خلاف بين أهل الحقائق والمكاشفات ، كالمرآة المستديرة . لها ستة أوجه - وقال بعضهم ثمانية . هذا محل خلاف ، ولولا التطويل وخروجنا عما قصدناه من الاختصار ، لأزلنا الخلاف ، وبينّا وجه الجمع بين هذين المقامين بأدلة قاطعة . لكن تممنا هذا المقصد بكتابنا المترجم : بـ 'جلاء القلوب' . ولا يُلتفت إلى من زاد لها وجها تاسعا ، لأن الحكمة الإلهية منعت من ذلك ، ولا في الإمكان أن يوجد لها في الوجوه ما لا يتناهى ، إذ صفات الجلال لا تحصى .ولعلك تقول : أستشعر من هذا القول الذي ذكرته مناقضة الإمام أبي حامد حيث قال : ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم .نعم ! يشعر ذلك عند من يقصر إدراكه عن الاطلاع إلى هذه العلوم السماوية . وأما عند من فحص عن كلامنا ، وبحث عن حقيقة ما أشرنا إليه يرى أن لا مناقضة بينهما . وقد أشبعنا القول بالأدلة الواضحة في شرح كلام الإمام أبي حامد رضي الله عنه ليس في الإمكان أبدع من هذا العالم في كتاب ( الجمع والتفصيل في كتاب التنزيل ) لما تكلمنا على قوله تعالى :{ وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً }ثم نقول : قد جعل الله في مقابلة كل وجه من وجوه القلب حضرة تقابلها من أمهات الحضرات الإلهية تقابله . فمتى جلي وجه من هذه الوجوه تجلت تلك الحضرة فيه . فإذا أراد الله سبحانه وتعالى أن يمنح عبده من هذه العلوم شيئاً ، تولى سبحانه بتوفيقه مرآة قلبه ، فيطهرها بعين اللطف والتوفيق ، وأمدها ببحر التأييد . فاهتدى ذلك الموفق للرياضات والمجاهدات ، ووجد الإرادة والمحبة من قلبه ، فبادرت الجوارح بالطاعة للقلب ، إّذ هو مالكها وسيدها . فاستعمل الأذكار ، وعلق الهمة ، وتخلق بأخلاق الله ، وغسل قلبه بماء المراقبة حتى يتخلى عن القلب صدأ الأغيار ، وتتجلى فيه حظائر الأسرار .الوجه الأول :ينظر على حضرة الأحكام ، وصقالة ذلك الوجه بالمجاهدات .والوجه الثاني :ينظر إلى حضرة الاختيار والتدبير ، وصقالة الوجه بالتسليم والتفويض .والوجه الثالث :ينظر إلى حضرة الإبداع ، وصقالة ذلك الوجه بالفكر والاعتبار .والوجه الرابع :ينظر إلى حضرة الخطاب ، وصقالته بخلع الأكوان .والوجه الخامس :ينظر إلى حضرة الحياة ، وصقالته بالتبرؤ ، والفناءوالوجه السادس :وهو الثامن عند من أثبتها ثمانية . ينظر إلى حضرة ما لا يقال ، وصقالته بـ { يَا أَهْلَ يَثْرِبَ لَا مُقَامَ لَكُمْ }وأما الوجهان اللذان هما محل الخلاف ، فأهل السنة صرفوهما إلى حضرة الأحكام . وغيرهم قال :- إن أحدهما : ينظر إلى حضرة المشاهدة ، وصقالته ببيع النفس .- والآخر ينظر إلى حضرة السماع ، وصقالته بالصمت والأدب .وليس ثمة وجه تاسع ، ولا كشف لها سبحانه حضرة زائدة على هذه الثمانية . فكانت تجهلها إذ ليس لها وجه تتجلى فيه بالحكمة الإلهية التي سبقت بالإرادة القديمة . وهنا موضع نزاع بين الأشعرية والصوفية ، دقيق لا يتفطن له إلا صاحب ذوق .ثم لتعلم أن لهذه الحضرات أبوابا في مقابلة ما على وجه المرآة من الصدأ .تسمى أبواب المشيئة ، فعلى قدر الصقالة يكون التجلي ، وعلى قدر ما يفتح من الأبواب يكون الكشف . فليس كل مرآة مجلوة يكشف لها ، لكنها معدة لقبول الصور .كذلك ليس كل من سلك هذا الطريق يكشف له . قد يدخر له إلى يوم القيامة أعني قيامته ، كما تدخر المرآة المحسوسة إلى يوم ما ، أو لأيّ معنى صقلت ، أو لأيّ فائدة وجدت . لكن يلوح لها بوارق من المطلوب ، وإن كانت لا تخلى عن صور ولكن الصور التي قصدنا في هذا الباب صور مخصوصة انفردت بها مرآة أهل الحقائق .فإذا رقيت إلى هذه المنازل ، واطلعت على هذه المقامات ، صارت الغيوب مشاهدة في حقك : أعني غيوب ما بطن في ظاهر علوم الدين ، لا في يجيء فلان ، وزنى فلان . فإن تلك مكاشفات السالكين ، وإن تشوش عليك خاطرك ، ولم ترزق الإيمان بهذا المقام ، فقد أجرى الله لك في ظاهر الكون مثالا ترتقي به إلى ما ذكرناه ، وهي المرآة المحسوسة تتجلى فيها سائر المحسوسات على قدر صقالتها وجلائها .وقد نبه على ذلك سيد البشر صلى الله عليه وسلم حيث قال :( إن القلوب لتصدأ كما يصدأ الحديد )قيل : فما جلاؤها ؟قال صلى الله عليه وسلم : ذكر الله وتلاوة القرآن )فقديما نصبت الأمثال أدلة لعلوم ربانية ، فمن وقف مع المثال ضل ، ومن رقي عنه إلى الحقيقة اهتدى .ثم لتعلم أن لهذه الحضرات أسرارا ظاهرة وأسرارا باطنة .فالأسرار الظاهرة لأهل الاستدراج ، والباطنة لأهل الحقائق . فليس كل حكيم حكيما . بل إن الحكيم من حَكَمَتْهً الحكمة ، وقيدته بالوقوف بفصل الخطاب ، ونعته أن ينظر إلى سوى خالقه ، ولازم المقاربة على كل أحيانه فليس من نطق بالحكمة ولم تظهر آثارها عليه يسمى حكيما .فالنبي صلى الله عليه وسلم قد قال : ( رُبَّ حامل فقه ليس بفقيه ) ، إنما هي أمانة عنده ، يؤديها إلى غيره { كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً } فإذا صدرت منك حكمة ، فانظرها في نفسك فإن كنت قد تحليت بها ، فأنت صاحبها ، وإن رأيت نفسك عارية منها فأنت حامل ومسؤول عنها وتحقيق هذا أن تنظر إلى استقامتك على الطريق الأوضح ، والمهيع السديد والميزان الأرجح في قولك وفعلك وقلبك . إذ الناس في الاستقامة سبعة أقسام فقسمان لهما الفضل ، الخمسة عليهم الدرك :- فمستقيم بقوله وفعله وقلبه .- ومستقيم بفعله وقلبه دون قوله .فهذان لهما الفضل ، والأول أعلى .- ومستقيم بقوله وفعله دون قلبه ، يُرجى له النفع بغيره .- ومستقيم بقوله وقلبه دون فعله .- ومستقيم بفعله دون قوله وقلبه .- ومستقيم بقوله دون فعله وقلبه .فهؤلاء عليهم ، لا لهم . لكن بعضهم فوق بعض . ولست أعني في الاستقامة بالقول ترك الغيبة والنميمة وشبهها ، فإن الفعل يشمل ذلك وإنما نعني بالاستقامة في القول أن يرشد غيره بقوله إلى الصراط المستقيم . وقد يكون عريا ما أرشد إليه . فهذا نعني بالاستقامة . ويجمع عليه ذلك مثال واحد :وهو رجل تفقه في أمر صلاته وحققها ، ثم علمها لغيره ، فهذا مستقيم في قوله .ثم حضر وقتها فأداها على حد ما علمها وحافظ على أركانها الظاهرة ، فهذا مستقيم في فعله .ثم علم أن مراد الله منه في تلك الصلاة حضور قلبه لمناجاته ، فأحضره . فهذا مستقيم في قلبه .ثم احمل هذا المثال على ما بقي من الأقسام ، تجده واضحا إن شاء الله تعالى .ثم لتعلم أن العلل التي تصدك عن طريق الاستقامة الكاملة غير منحصرة ، مستقرها كتاب الله ، وحديث رسوله صلى الله عليه وسلم : ( فلا تأمن مكر الله ، فإنه { فَلاَ يَأْمَنُ مَكْرَ اللّهِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ } ) وأنّى لك بالأمن ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : ( اللهم إني أستغفرك مما علمت ومما لم أعلم . فقيل له : أتخاف يا رسول الله ؟ قال : وما يؤمنني ، والقلب بين إصبعين من أصابع الرحمن ، يقلبه كيف يشاء ) .والله تعالى يقول : { وَبَدَا لَهُم مِّنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } .فالإنسان محل للتغيير ، قابل لكل صفة ترد عليه . ولذلك قال بعض العارفين : 'لو عُرضَت علي الشهادة على باب الدار ، والموت على التوحيد عند باب الحجرة ، لاخترت الموت على الشهادة ، لأني لا أدري يُرض لقلبي من التغيير عن التوحيد إلى باب الحجرة . فكن على حذر ما دام تركيبك' .قال تعالى لموسى عليه السلام في التوراة : ( يا ابن آدم ، لا تأمن مكري حتى تجوز على الصراط ) . فالآفات رحمك الله كثيرة الخطوب . والطريق دقيق ، أدق من الشعرة وأحد من السيف . لا يثبت عليه إلا أهل العناية . فباللحظة والخطرة تزل الأقدام . ألا ترى أبا سليمان الداراني يقول : سمعت من بعض الأمراء شيئاً فأردت أن أنكر فخفت أن يقتلني ، وما خفت من الموت ، ولكن خفت أن يتعرض لقلبي شيء من التزين للخلق عند خروج روحي فكففت .فانظر حذرهم من الزلل مخافة الفوت ، وإن أردت أنوارهم وأسرارهم فاسلك آثارهم .

رابط دائم لهذا المقطع: /books/mashahid.php?id=18

تنبيه: قد تتفاوت دقة التحقيق أو النسبة في بعض نصوص المكتبة. هذا التحديث يحسّن العرض والبحث ولا يغيّر محتوى الكتب أو يثبت صحة نسبتها.
الطبعة والمصدر

نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

شارك هذه الصفحة