نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتابمن محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار
يشغله أبدا عنه شاغل. هو معه كالميت بين يدي الغاسل، يقلبه في أي الجهات كيف شاء، ويكشف عن قلبه كل غشاء، فينظره بعين التحقيق، فيرد إليه الخلق من كل طريق. فالعارف من آفات الغير محفوظ، وكل ما سوى الحق عنه مرفوض. ركن إلى الحصن المنيع فأواه، ودق نظره في معرفته فتمعنى بمعناه، فنودي من حضرة مولاه: وحّدني فإني أنا الله.
حكي عن النعمان بن المنذر أنه خرج لصيد ومعه عديّ بن زيد العبّادي، فمرّ بآرام، وهي القبور، فقال عدي: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ قال: لا. قال: إنها تقول:
أيها الركب المخبّون على الأرض تمرّون
لكما كنتم كنّا وكما نحن تكونون
فقال: أعدها، فأعادها. فرجع كئيبا، وترك صيده.
وخرج معه مرة أخرى، فوقف على القبور بظاهر الحيرة فقال: أبيت اللعن، أتدري ما تقول هذه الآرام؟ فقال: لا. فقال: إنها تقول:
ربّ ركب قد أناخوا عندنا يشربون الخمر بالماء الزلال
ثم أضحوا ضعف الدهر بهم وكذاك الدهر حالا بعد حال
فانصرف أيضا وترك صيده.
ورسول الله صلى الله عليه وسلم وروينا من حديث أحمد بن عبد الله بن عباس. حدّثه عن أبيه أن عمر بن عبد العزيز شيّع جنازة، فلما انصرفوا تأخر عمر وأصحابه ناحية عن الجنازة، فقال له أصحابه: يا أمير المؤمنين، جنازة أنت وليّها تأخرت عنها و تركتها! فقال: نعم، ناداني القبر من خلفي: يا عمر بن عبد العزيز، ألا تسألني ما صنعت بالأحباب؟ قلت: بلى.
قال: خرقت الأكفان، ومزّقت الأبدان، ومصصت الدم، وأكلت اللحم. قال: ألا تسألني ما صنعت بالأوصال؟ قلت: بلى. قال: نزعت الكتفين من الذراعين، والذراعين من العضدين، و العضدين من الوركين، والوركين من الفخذين، والفخذين من الركبتين، والركبتين من الساقين، والساقين من القدمين.
ثم بكى عمر، ثم قال: ألا إن الدنيا بقاؤها قليل، وغرورها كثير، وعزيزها ذليل، وغنيّها فقير، وشابّها يهرم، وحبّها يموت. ولا يغرّنكم إقبالها مع معرفتكم بسرعة إدبارها، والمغرور من اغترّ بها.
أين سكانها الذين بنوا مدائنها، وشقّوا أنهارها، وغرسوا أشجارها، وأقاموا فيها
رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=111
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

