نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.
☷ فهرس الكتابمن باب من جوزي بخير عمله
ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون؟ أرضوا بالمقام فأقاموا؟ أم تركوا هناك فناموا؟ أقسم قس قسما، حقا لا حانثا فيه ولا آثما، إن لله دينا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه، ونبيا قد حان حينه، وأظلكم أوانه، وأدرككم إبانه، فطوبى لمن أدركه فآمن به وهداه، وويل لمن خالفه وعصاه.
ثم قال: تبا لأرباب الغفلة، والأمم الخالية، والقرون الماضية.
يا معشر إياد، أين الآباء والأجداد؟ وأين المريض والعواد؟ وأين الفراعنة الشداد؟ أين من بنى وشيّد وزخرف ونجّد؟ أين المال والولد؟ أين من بغى وطغى وجمع فأوعى؟ و قال: أنا ربكم الأعلى. ألم يكونوا أكثر منكم أموالا؟ وأطول منكم آجالا؟ طحنهم الثرى بكلكله، ومزّقهم بطوله، فتلك عظامهم بالية، وبيوتهم خالية، عمرتها الذئاب العاوية، كلا، بل هو الله الواحد المعبود ليس بوالد ولا مولود.
ثم أنشأ يقول:
في الذاهبين الأولي ن من القرون لنا بصائر
لما رأيت مواردا للموت ليس لها مصادر
ورأيت قومي نحوها يمضي الأصاغر والأكابر
لا يرجع الماضي إليّ ولا من الباقين عابر
أيقنت إني لا محا لة حيث صار القوم صائر
قال: ثم جلس، وقام رجل من الأنصار بعده كأنه قطعة جبل ذو هامة عظيمة، وقامة جسيمة، قد دوّم عمامته وأرخى ذؤابته، منيف أنوف أشدق، أجش الصوت، فقال: يا سيد المرسلين وصفوة رب العالمين، لقد رأيت من قس عجيبا، وشهدت منه أمرا غريبا.
فقال: «ما الذي رأيته وحفظته عنه؟» ، فقال: خرجت في الجاهلية أطلب بعيرا إليّ شرد مني، أقفو أثره، وأطلب خبره في نتائف حفاف ذات دعادع وزعازع، ليس لها للركب مقيل، و لا لغير الجن عليها سبيل، وإذا أنا بموئل مهول في طود عظيم، ليس فيه إلا البوم، و أدركني الليل فولجته مذعورا، لا آمن فيه حتفي، ولا أركن إلى غير سيفي، فبتّ بليل طويل كأنه بليل موصول، أرقب الكواكب، وأرمق الغيهب، حتى إذا الليل عسعس، وكاد الصبح أن يتنفس، هتف بي هاتف يقول:
يا أيها الراقد في الليل الأجم قد بعث الله نبيا في الحرم
رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=387
نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.

