تجاوز إلى المحتوى
✦ إشارات تفسيرية في آيات القرآن

سورة ص — الآيات 66-69 — إشارات تفسيرية في آيات القرآن

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

۞ قراءة النص

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

☷ الفهرس
رقم السجل 1544

سورة ص — الآيات 66-69

رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (66) قُلْ هُوَ نَبَأٌ عَظِيمٌ (67) أَنْتُمْ عَنْهُ مُعْرِضُونَ (68) ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (69)

الخلاف فيما علا عن رتبة المولد من الأركان أقل وإن كان لا يخلو ، ألا ترى إلى الملأ الأعلى كيف يختصمون ؟

وما كان لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون حتى أعلمه اللّه بذلك ، فقال تعالى مخبرا عن نبيه صلّى اللّه عليه وسلم «ما كانَ لِي مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلى إِذْ يَخْتَصِمُونَ»

وقال النبي صلّى اللّه عليه وسلم : [ إن اختصام الملأ الأعلى في الكفارات ، ونقل الأقدام إلى


الصلاة في الجماعات ، وإسباغ الوضوء في المكاره ، والتعقيب «1» في المساجد إثر الصلوات ] فمعنى ذلك أي هذه الأعمال أفضل ؟

ومعنى أفضل على وجهين :

الواحدأي الأعمال أحب إلى اللّه من هذه الأعمال ،

والوجه الآخرأي الأعمال أعظم درجة في الجنة للعامل بها ، فنزاع الملائكة هنا في الأولى ؛ وقد ورد اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب في الشخص الذي مات بين القريتين ؛

ومن اختصام الملأ الأعلى أن ملائكة التوحيد والوحدات - وهم من ملائكة العرش الذين لا يرون إلا الكلمة الواحدة وهي الرحمة العامة - إذا جمعهم مع المقسمات - وهم من ملائكة الكرسي أي المقسمات أمرا الذين لا يشهدون إلا انقسام الكلمة إلى رحمة وغضب - إذا جمعهم مجلس واحد وجرت بينهما مفاوضات في الأمر اختصما ،

لأنهما على النقيض ، وهذا من جملة ما يختصم فيه الملأ الأعلى ، فيقول الصنف الواحد بالوحدة ، ويقول الآخر بالانقسام والثنوية.

فالخصام من حكم الملائكة لأنها تحت حكم الطبيعة ، ولولا أن الملأ الأعلى له جزء من الطبيعة ، ومدخل من حيث هيكله النوري ، ما وصفهم الحق بالخصام ، ولا يختصم الملأ الأعلى إلا من حيث المظهر الطبيعي الذي يظهر فيه ، كظهور جبريل في صورة دحية ، وكذلك ظهورهم في الهياكل النورية المادية ، وهي هذه الأنوار التي تدركها الحواس ، فإنها لا تدركها إلا في مواد طبيعية عنصرية ، وأما إذا تجردت عن هذه الهياكل فلا خصام ولا نزاع ، إذ لا تركيب .

ولنبين أولا سبب الاختصام فنقول : هذه الآية مما يدل على أن الملائكة من عالم الطبيعة مخلوقون ، مثل الأناسي غير أنهم ألطف ، كما أن الجن ألطف من الإنسان مع كونهم من نار من مارجها ، والنار من عالم الطبيعة ، فكذلك الملائكة عليهم السلام من عالم الطبيعة ، وهم عمّار الأفلاك والسماوات ، فإنهم يختصمون ، والخصام من الطبيعة لأنها مجموع أضداد ، والمنازعة والمخالفة هي عين الخصام ، ولا يكون إلا بين ضدين ، فلو لا أن الملائكة في نشأتها على صورة نشأتنا ، أي أن نشأتها عنصرية ، ما ذكر اللّه عنهم أنهم يختصمون ، والخصام لا يكون إلا مع الأضداد ، فالملائكة عليهم السلام لو لم تكن الأنوار التي خلقت منها موجودة من الطبيعة ، مثل السماوات التي عمرتها هؤلاء الملائكة ، فإنها كانت دخانا ، فكانت السماوات أجساما شفافة ، لأن كمية الحرارة واليبس فيه أكثر من الرطوبة ، وخلق اللّه عمّار كل فلك من طبيعة فلكه ، فلذلك


(1) التعقيب هو الجلوس في المسجد بعد الفراغ من الصلاة لذكر اللّه .


كانت الملائكة من عالم الطبيعة ، وإن كانت أجسامهم نورية فمن نور الطبيعة ، كنور السراج ، فأثر فيهم حكم الطبيعة الخصام لما فيها من التقابل والتضاد ، والضد والمقابل منازع لمقابله ، فهذه هي الحقيقة التي أورثتهم الخصومة ، ونعتوا بأنهم يختصمون لأن الخصام لا يكون إلا فيمن ركب من الطبائع لما فيها من التضاد ، فلا بد فيمن يتكون عنها أن يكون على حكم الأصل ، فالنور الذي خلقت منه الملائكة نور طبيعي ، فكانت فيها الموافقة من وجه والمخالفة من وجه ، فهذا سبب اختلاف الملأ الأعلى فيما يختصمون فيه . ومما دعا الملأ الأعلى إلى الخصام التخيير في الكفارات ، والتخيير حيرة فإنه يطلب الأرجح أو الأيسر ، ولا يعرف ذلك إلا بالدليل ، فلو أن اللّه يعلمهم بما هو الأفضل عنده من هذه الأعمال والأحب إليه ما تنازعوا ، ولو أنهم يكشفون ارتباط درجات الجنان بهذه الأعمال لحكموا بالفضيلة للأعلى منها ، وإنما اللّه سبحانه غيّب عنهم ذلك ، فهم في هذه المسألة بمنزلة علماء البشر إذا قعدوا في مجلس مناظرة فيما بينهم في مسئلة من الحيض الذي لا نصيب لهم فيه ، بخلاف المسائل التي لهم فيها نصيب ، وإنما قلنا ذلك لأن الكفارات إنما هي لإحباط ما خالف فيه المكلف ربه من أوامره ونواهيه ، والملائكة قد شهد اللّه لهم بالعصمة أنهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون به ، وما بلغنا أن عندهم نهي ، وإذا لم يعصوا وكانوا مطيعين فليس لهم في أعمال الكفارات قدم ، فهم يختصمون فيما لا قدم لهم فيه ، وكذلك ما بقي من الأعمال التي لا قدم لهم فيها ، فهم مطهرون فلا يتطهرون فلا يتصفون في طهارتهم بالإسباغ والإبلاغ في ذلك وغير الإسباغ ، وكذلك المشي إلى مساجد الجماعات لشهود الصلوات ليس لهم هذا العمل ، فإن قلت : فإنهم يسعون إلى مجالس الذكر ،

ويقول بعضهم لبعض : هلموا إلى بغيتكم .

فاعلم أن الذكر ما هو عين الصلاة ، ونحن إنما نتكلم في عمل خاص في الجماعة ليس لهم فيه دخول مثل ما لبني آدم ، فإنهم ليسوا على صور بني آدم بالذات ، وإنما لهم التشكل فيهم ، وقد علم جبريل عليه السلام رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم الصلوات بالفعل ، وتلك من جبريل حكاية يحكيها للتعليم والتعريف بالأوقات ؛ وأما التعقيب إثر الصلوات فإنما ذلك للمصلين على هذه الهيئة المخصوصة التي ليست للملائكة ، فما اختصموا في أمر هو صفتهم ، فلهذا ضربنا مسئلة الحيض مثلا ، وسبب ذلك أن الملائكة تدعو بني آدم في لماتها إلى العمل الصالح وترغبهم في الأفضل ، فلهذا اختصمت في الأفضل حتى تأمرهم به . وأم


قوله صلّى اللّه عليه وسلم كفارات جمع كفّارة ببنية المبالغة ، إنباء بذلك على أنه لصورة العمل الواحد أنواع كثيرة من البلاء ، وأن الكفارات إنما شرعت لتكون حجابا بين العبد وبين ما عرّض إليه نفسه من حلول البلايا بالمخالفات التي عملها ، مأمورا كان بذلك العمل أو منهيا عنه ، فكانت الكفارات عواصم من القواصم ، كما أن للشيء الواحد وإن لم يكن معصية كفارات مختلفة ، مثل الحاج يحلق رأسه لأذى يجده ، أو المتمتع أو المظاهر أو من حلف على يمين فرأى خيرا منها ، فإن مثل هذا له كفارات مختلفة ، أيّ عمل مكفر فعل سقط عنه الآخر ، فقام هذا العمل الواحد مقام ما بقي مما سقط عنه ، فيتصور خطاب الملائكة أي كفارات التخيير أولى بأن يفعل ، أو لما ذا تكون كفارة وما عمل شيئا تجب أن تتوجه فيه العقوبة حتى تكون هذه الكفارة تدفعه ، فالملأ الأعلى يختصمون في مثل هذا أيضا ، ولكي تخرج من الحيرة فإذا خيرك الحق في أمور فانظر إلى ما قدم منها بالذكر فاعمل به ، فإنه ما قدمه حتى تهمم به وبك ، فكأنه نبّهك على الأخذ به ، فما تزول الحيرة عن التخيير إلا بالأخذ بالمتقدم ، تلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم حين أراد السعي في حجة الوداع (إِنَّ الصَّفا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعائِرِ اللَّهِ) ثم قال : [ أبدأ بما بدأ اللّه به ] فبدأ بالصفا ، وهذا عين ما أمرتك به لإزالة حيرة التخيير ، لقد كان لكم في رسول اللّه أسوة حسنة ، والظاهر من هذه الآية في هذا الأمر أن الملائكة لهم نظر فكري يناسب خلقهم ، فإنه لما نبهت الشريعة باختصام الملأ الأعلى علمنا أنه من عالم الطبيعة ، وأن للطبيعة في الملائكة أثرا كما أن للأركان في أجسام المولدات أثرا ، فإن أردت أن ترفعه عنها ، وتنزله منزلتها منها ، فقل : لاختلاف الأسماء ، وهذا أوضح ما يكون من الإيماء .

(69) الفتوحات ج 2 / 251 - ج 3 / 26 - ج 4 / 391 - ج 1 / 586 - ج 3 / 432 - ج 1 / 586 - ج 2 / 93 - ج 3 / 26 - ج 2 / 651 - ج 4 / 447 - ج 3 / 26 - ج 2 / 472 - ج 3 / 26 - ج 4 / 408 - ج 3 / 26 - ج 4 / 408 - ج 3 / 26 - ج 4 / 391 - ج 3 / 137 - ج 4 / 391
الطبعة والمصدر

إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

شارك هذه الصفحة