مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.
☷ الفهرسسورة غافر — الآيات 13-15
هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ (13) فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكافِرُونَ (14) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ (15)
«رَفِيعُ الدَّرَجاتِ»
[ «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ . . .» الآية ]
فالرفعة له سبحانه بالذات ، وهي للعبد بالعرض ، وجعل له سبحانه درجات يظهر فيها لعباده ، فإن لكل اسم من الأسماء الإلهية مرتبة ليست للآخر ، والمراتب لا تتناهى وهي الدرجات ، وفيها رفيع وأرفع ، وما ثمّ رتبة إلا رفيعة ، وتقع المفاضلة في الرفعة ، ودرجات الحق ليست لها نهاية ، لأن التجلي فيها وليس له نهاية ، ومن جهة أخرى
فإن قوله «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ» إنما ذلك على خلقه ، فبالرتبة علم الفاضل والمفضول ، وبها ميز بين اللّه والعالم ، وبها ظهرت حقائق ما هي عليه الأسماء الإلهية من عموم التعلق وخصوصه «ذُو الْعَرْشِ»
- الوجه الأول-ومن هذه المنزلة تنزل النبوة ، ينزلها رفيع الدرجات ذو العرش على العبد ، بأخلاق صالحة ، وأعمال مشكورة حسنة في العامة ، تعرفها القلوب ، ولا تنكرها النفوس ، وتدل عليها العقول ، وتوافق الأغراض ، وتزيل الأمراض ، فإذا حصل العبد في تلك المنزلة من رفيع الدرجات ذي العرش ،
ونظر الحق من هذا الواصل إلى تلك المنزلة نظر استنابة وخلافة ، ألقى الروح بالإنباء من أمره على قلب ذلك الخليفة المعتنى به ، فتلك نبوة التشريع ،
وهي قوله تعالى : «يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ» فالإنذار أبدا مقرون بنبوة التشريع
- الوجه الثاني - «رَفِيعُ الدَّرَجاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ» لما كان العلم تحيا به القلوب ، كما تحيا بالأرواح أعيان الأجسام كلها ، سمى العلم روحا ، تنزل به الملائكة على قلوب عباد اللّه وتلقيه وتوحي به ،
مثل قوله تعالى : (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ) فهذا نزول للروح بالواسطة ، وللّه إلقاء للروح من غير واسطة في حق عباده أيضا ، فأما إلقاؤه ووحيه به فقوله : «يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ»
وقوله : (وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا)
وأما قوله تعالى : «عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ» جاء بمن وهي نكرة ، فالروح بينه تعالى وبين من شاء من عباده بالبشارة والنذارة ، فإذا نزل هذا الروح في قلب العبد بتنزيل الملك أو بإلقاء اللّه ووحيه ، حيي به قلب المنزل عليه ، فكان صاحب شهود ووجود ، لا صاحب فكر وتردد ، ولا علم يقبل عليه دخلا فينتقل صاحبه من درجة القطع إلى حال النظر ، فالعبد المجتبى إما يعرج فيرى ، أو ينزل عليه في موضعه «لِيُنْذِرَ يَوْمَ التَّلاقِ» فجاء بما ليس بشرع ولا حكم ، بل بإنذار ، فقد يكون الولي بشيرا ونذيرا ، ولكن لا يكون مشرعا ، فإن الرسالة والنبوة بالتشريع قد انقطعت ، فلا رسول بعده صلّى اللّه عليه وسلّم ولا نبي ، أي لا مشرع ولا شريعة ؛ واعلم أن الأرواح النورية المسخرة - لا المدبرة - تنزل على قلوب العارفين بالأوامر والشؤون الإلهية والخيرات بحسب ما يريده الحق بهذا العبد ، فترقيه بما نزلت به إليه ترقية وتخليصا إلى الحجاب الأقرب من الحجب البعيدة ، إلى أن يتولاه اللّه بارتفاع الوسائط ،
وهو قوله تعالى في هذه الآية «يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ»
أما قوله تعالى في سورة النحل) : يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ
بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) ولم يقل هو ، فكان الروح هو الملقى من عند اللّه إلى قلوب عباده ، ويكون أمر اللّه هو الذي ألقاه ،
ويكون ذلك الروح صورة قوله (لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ)
فارتفعت الوساطة إذ كان عين الوحي المنزل هو عين الروح ، وكان الملقي هو اللّه لا غيره ، فهذا الروح ليس عين الملك ، وإنما هو عين المألكة ،
ومثل هذا الروح لا تعرفه الملائكة لأنه ليس من جنسها ، فإنه روح غير محمول ، ليس نورانيا والملك روح في نور ، وأما الملائكة فقد يكونون ممن اختص بهم الرسل
وهو قوله تعالى : (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ) فهو رسول الرسول ، وأما تنزل الأرواح الملكية على قلوب العباد ، فإنهم لا ينزلون إلا بأمر اللّه الرب ، وليس معنى ذلك أن اللّه يأمرهم من حضرة الخطاب بالإنزال ، وإنما يلقي إليهم ما لا يليق بمقامهم في صورة من ينزلون عليه بذلك ، فيعرفون أن اللّه قد أراد منهم الإنزال والنزول بما وجدوه في نفوسهم من الوحي الذي لا يليق بهم ، وأن ذلك الوحي من خصائص البشر ، ويشاهدون صورة المنزل عليه في الصور التي عندهم تسبيحها [ يا من أظهر الجميل وستر القبيح ]
للستور التي تسدل وترفع ، فيعرفون من تلك الصور من هو صاحبها في الأرض ، فينزلون عليه ويلقون إليه ما ألقي إليهم ؛ فعلوم الغيب تنزل بها الأرواح على قلوب العباد ، فمن عرفهم تلقاهم بالأدب وأخذ منهم بالأدب ، ومن لم يعرفهم أخذ علم الغيب ولا يدري ممن ، كالكهنة وأهل الزجر وأصحاب الخواطر وأهل الإلهام ، يجدون العلم بذلك في قلوبهم ولا يعرفون من جاءهم به ، وأهل اللّه يشاهدون تنزل الأرواح على قلوبهم ، ولا يرون الملك النازل إلا أن يكون المنزل عليه نبيا أو رسولا ،
قال تعالى : (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ)
فالولي يشهد الملائكة ولكن لا يشهدها ملقية عليه أو يشهدون الإلقاء ويعلمون أنه من الملك من غير شهود ، فلا يجمع بين رؤية الملك والإلقاء منه إلا نبي أو رسول ، وبهذا يفترق ويتميز النبي من الولي ، أعني النبي صاحب الشرع المنزل ،
وقد أغلق اللّه باب التنزل بالأحكام المشروعة ، وما أغلق باب التنزل بالعلم بها على قلوب أوليائه ، وأبقى لهم التنزل الروحاني بالعلم بها ، ليكونوا على بصيرة في دعائهم ، إلى اللّه بها ، كما كان من اتبعوه وهو الرسول ،
ولذلك قال : (أَدْعُوا إِلَى اللَّهِ عَلى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي) فهو أخذ لا يتطرق إليه تهمة عندهم.
وأما كيفية الإلقاء فموقوفة على الذوق وهو الحال ، ولا بد أن يكون قلب الملقى
إليه مستعدا لما يلقى إليه ، ولولاه ما كان القبول ، وليس الاستعداد في القبول ، وإنما ذلك اختصاص إلهي ،
يقول صلّى اللّه عليه وسلّم فيمن حفظ القرآن : [ إن النبوة قد أدرجت بين جنبيه ] وهو من استظهر القرآن ، فله ذوق الإنزال على قلبه من تنزل الروح به وهو استظهار القرآن ، أي أخذه عن ظهر ، فهذا التنزل مستمر فيمن شاء اللّه من عباده ، وهو تنزل القرآن على قلوب الأولياء ، ما انقطع مع كونه محفوظا لهم ولكن لهم ذوق الإنزال .
الرابط الدائم: /books/tafsir.php?id=1594
إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

