تجاوز إلى المحتوى
✦ إشارات تفسيرية في آيات القرآن

سورة غافر — الآيات 34-35 — إشارات تفسيرية في آيات القرآن

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

۞ قراءة النص

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

☷ الفهرس
رقم السجل 1599

سورة غافر — الآيات 34-35

وَلَقَدْ جاءَكُمْ يُوسُفُ مِنْ قَبْلُ بِالْبَيِّناتِ فَما زِلْتُمْ فِي شَكٍّ مِمَّا جاءَكُمْ بِهِ حَتَّى إِذا هَلَكَ قُلْتُمْ لَنْ يَبْعَثَ اللَّهُ مِنْ بَعْدِهِ رَسُولاً كَذلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتابٌ (34) الَّذِينَ يُجادِلُونَ فِي آياتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطانٍ أَتاهُمْ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ (35)

[ «كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» : ]

«كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبّارٍ» وهذا من رحمة اللّه الخفية ، فإنه طبع على قلب كل من ظهر في ظاهر لقومه بصفة الكبرياء والجبروت ، وما جعل ذلك في قلوبهم بسبب


طابع العناية ، فهم عند نفوسهم بما يجدونه من العلم الضروري أذلاء صاغرون لذلك الطابع ، فما دخل الكبرياء على اللّه قلب مخلوق أصلا ، وإن ظهرت منه صفات الكبرياء فثوب ظاهر لا بطانة له منه ، فاللّه يطبع على قلب كل متكبر جبار أن يدخله كبرياء إلهي أصلا ، إذ لا ينبغي ذلك الوصف إلا لمن لا يتقيد وهو الحق تعالى ،

فلا يدخل القلب الكبرياء والجبروت وإن ظهر بهما ، فإن الإنسان يعرف في قلبه أنه لا فرق بالأصالة بينه وبين من تكبر عليهم وتجبر ، فلا يدخله كبر وإن ظهر به ، فإنه مجبول على الذلة والافتقار والحاجة بالأصالة ، لا يقدر أن ينكر هذا من نفسه ؛ وذلك يعني أن الطابع الإلهي يمنع أن تدخل هذه الصفات القلب ،

فيظهر المدعي في ظاهره الكبرياء والجبروت على من استحق من قومه - إما في زعمه وتخيله ، وإما في نفس الأمر -وهو في قلبه معصوم من ذلك الكبرياء والجبروت ، لأنه يعلم عجزه وذلته وفقره لجميع الموجودات ،

وأن قرصة البرغوث تؤلمه ، والمرحاض يطلبه لدفع ألم البول والخراء عنه ، ويفتقر إلى كسيرة خبز يدفع بها عن نفسه ألم الجوع ، فمن صفته هذه كل يوم وليلة ، كيف يصح أن يكون في قلبه كبرياء وجبروت ؟!

وهذا هو الطابع الإلهي على قلبه فلا يدخله شيء من ذلك ، فإن الاسم الغيور ختم على كل قلب أن تدخله ربوبية الحق نعتا له ، فما من أحد يجد في قلبه أنه رب إله ، بل يعلم من نفسه أنه فقير محتاج ذليل .

وأما ظهور ذلك على ظاهره فمسلّم ، وجعل اللّه لهذه الصفات مواطن يظهر فيها بهذه الأوصاف ولا يكون مذموما ، وجعل لها مواطن يذمه فيها ، جاء في الخبر قوله تعالى

[ الكبرياء ردائي والعظمة إزاري من نازعني واحدا منهما قصمته ] .

فالكبرياء والعظمة من النعوت التي غار اللّه عليها أن تكون لغير اللّه فحجرها ، ولذلك قال : «يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» فلا يدخل مع هذا الطابع قلب كون من الأكوان تكبر على اللّه ولا جبروت لأجل هذا الطبع ،

فعلم كل من أظهر من المخلوقين دعوى الألوهية كفرعون وغيره ، وتكبر وتجبر ، كل ذلك في ظاهر الكون ، وهذا الذي ظهرت منه صفة الكبرياء مطبوع على قلبه أن يدخل فيه الكبرياء على اللّه ، فإنه يعلم من نفسه افتقاره وحاجته وقيام الآلام به من ألم جوع وعطش وهواء ومرض ، التي لا تخلو هذه النشأة الحيوانية عنه في هذه الدار ،

وتعذر بعض الأغراض أن تنال مرادها ، وتألمه لذلك ، ومن هذه صفته من المحال أن يتكبر في نفسه على ربه ، فهذا معنى الطابع الذي طبع اللّه على قلب المتكبر الذي يظهر لكم به من الدعوى


" الْجَبَّارُ " بجبركم على ما يريد ، فلا يتكبر على اللّه فيما بينه وبين اللّه أحد من خلق اللّه هذا محال وقوعه ، والقدر الذي وقع عليه التحجير الظاهر ، عليه وقع الذم لمن انتهكه وأضافه إلى نفسه ، وكذبوا على اللّه فيه ،

فلا يدخل قلب إنسان الكبر على اللّه ، ولكن يدخله الكبر على خلق اللّه ، وهو الذي يزال منه ،

وحينئذ يدخل الجنة ، فإنه لا يدخل الجنة من في قلبه مثقال حبة من كبر على غير اللّه حتى يزال ، وأما على اللّه فمحال ، فإن اللّه قد طبع على القلوب التواضع له وإن ظهر من بعض الأشخاص صورة الكبرياء على اللّه ،

وهو الذي جاءت به الوسائط وهم الرسل عليهم السلام من اللّه لا على اللّه ، فإنه يستحيل الكبرياء من المخلوق عليه ،

لأن الافتقار ذاتي ولا يمكن للإنسان أن يجهل ذاته :

العلم أفضل ما يقنى ويكتسب *** والعلم أزين ما حلّى النفوس به

بالعلم يطبع رب العالمين على *** قلب العبيد فلا كبر يحل به

لأنه يجد الأبواب مغلقة *** بفطرة هو فيها أو مكسبه

قل كيف شئت فإن الأمر يقلبه *** ولا تخف من غوي في تطلبه

وكيف يدخل كبر من حقيقته *** فقر وعجز وموت عند منتبه ؟

شخص يرى قرصة البرغوث تؤلمه *** إلى مكاره يلقى في تقلبه

فالحس يعلم هذا من يقوم به *** لدى إقامته أو حال مذهبه

«كَذلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ» فهو المتكبر سبحانه الجبار ، والعبد إذا اتصف بما تناقض حقيقته من أوصاف العظمة والكبرياء التي تستحقها الربوبية ، يقع في سخط اللّه ، فلهذا قال صلّى اللّه عليه وسلّم : [ أعوذ بك منك ] أي أن أكون متكبرا جبارا ، فهو يستعيذ من كبريائه أن يقوم به بكبريائه سبحانه .

لقد طبع اللّه القلوب بطابع *** من الطبع حتى لا يداخلها الكبر

وكيف يكون الكبر في قلب عاجز *** ذليل له من ذاته العجز والفقر

(35) الفتوحات ج 2 / 328 - ج 3 / 514 - ج 1 / 436 - ج 4 / 230 - ج 3 / 220 - ج 4 / 230 - ج 2 / 342 - ج 3 / 514 - ج 2 / 342 ، 244 - ج 3 / 358 - الديوان 152 - إيجاز البيان آية 43 - الديوان / 202
الطبعة والمصدر

إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

شارك هذه الصفحة