مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.
☷ الفهرسسورة الإخلاص — الآيات 1
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1)
قال تعالى في أول سورة الإخلاص لنبيه عليه السلام «قُلْ هُوَ اللَّهُ»
[ «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» الآية : ]
فابتدأ بالضمير ، ولم يجر له ذكر متقدم يعود عليه في نفس القرآن ، لأنه ما تمّ موجود يصح أن يضمر قبل الذكر إلا من يستحق الغيب المطلق ، الذي لا يمكن أن يشهد بحال من الأحوال ، فيكون ضمير الغيب له كالاسم الجامد العلم للمسمى ، يدل عليه بأول وهلة ، من غير أن يحتاج إلى ذكر متقدم مقرر في نفس السامع يعود عليه هذا الضمير ، فلا يصح أن يقال هو إلا في اللّه خاصة ، فإذا أطلق على غير اللّه فلا يطلق إلا بعد ذكر متقدم معروف بأي وجه كان مما يعرف به ،
ويصح الإضمار قبل الذكر في ضرورة الشعر مثل قول الشاعر [ جزى ربه عني عدي بن حاتم ] وإن كانت اليهود قد قالت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : انسب لنا ربك ؛ فربما يتوهم صاحب اللسان أن هذا الضمير يعود على الرب الذي ذكرته اليهود ، ولتعلم أن هذا الضمير لا يراد به الرب الذي ذكرته اليهود ،
لأن اللّه يتعالى أن يدرك معرفة ذاته خلقه ، ولذلك قال «قُلْ هُوَ اللَّهُ» فاختار الحق الاسم اللّه لنفسه ، وأقامه في الكلمات مقامه ،
فهو الاسم الذي ينعت ولا ينعت به ، فجميع الأسماء نعته ، وهو لا يكون نعتا ، ولهذا يتكلف فيه الاشتقاق ، فهو اسم جامد علم ، موضوع للذات في عالم الكلمات والحروف ،
لم يتسم به غيره جل وعلا ، فعصمه من الاشتراك ، كما دل أن لا يكون ثمّ إله غيره ،
وما ذكر في السورة كلها شيئا يدل على الخلق ، بل أودع تلك السورة التبري من الخلق ، فلم يجعل المعرفة به نتيجة عن الخلق ،
فقال تعالى «وَلَمْ يُولَدْ» ولم يجعل الخلق في وجوده نتيجة عنه كما يزعم بعضهم بأي نسبة كانت فقال تعالى (لَمْ يَلِدْ) ونفى التشبيه بأحدية كل أحد بقوله (وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ)
وأثبت له أحدية لا تكون لغيره ، وأثبت
له الصمدانية ، وهي صفة تنزيه وتبرئة ، فارتفع أن يكون الضمير يعود على الرب المذكور المضاف إلى الخلق في قولهم له صلّى اللّه عليه وسلّم : انسب لنا ربك ؛
فأضافوه إليه لا إليهم ، ولما نسبه صلّى اللّه عليه وسلّم بما أنزل عليه لم يضفه لا إليه ولا إليهم بل ذكره بما يستحقه جلاله ، فإذا ليس الضمير في «هُوَ اللَّهُ» يعود على من ذكر ،
فإذا عرفت ما ذكرناه عرفت أن الإضمار قبل الذكر لا يصح إلا على اللّه ، وبعد الذكر تقع فيه المشاركة ، قال تعالى (اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) فأعاد الضمير على اللّه المذكور في أول الآية ،
وهنا قال تعالى «قُلْ هُوَ اللَّهُ» فأثبت الوجود «أَحَدٌ» فنفى العدد وأثبت الأحدية للّه سبحانه ، أي لا يشارك في هذه الصفة ، صفة الأحدية ، فالأحدية لا تثبت إلا للّه مطلقا ، وأما ما سوى اللّه فلا أحدية له مطلقا ، قال تعالى (وَلا يُشْرِكْ بِعِبادَةِ رَبِّهِ أَحَداً) أما الواحد فإنا نظرنا في القرآن ، هل أطلقه الحق على غيره كما أطلق الأحدية ؟
فلم أجده ، وما أنا منه على يقين ، فإن كان لم يطلقه فهو أخص من الأحدية ، ويكون اسما للذات علما ، لا يكون صفة كالأحدية ، فإن الصفة محل الاشتراك ،
ولهذا أطلقت الأحدية على كل ما سوى اللّه في القرآن ، ولا يعتبر كلام الناس واصطلاحهم ، وإنما ينظر ما ورد في القرآن الذي هو كلام اللّه ، فإن وجد في كلام اللّه لفظ الواحد ، كان حكمه حكم الأحدية ، للاشتراك اللفظي فيه ،
وإن كان لا يوجد في كلام اللّه لفظ الواحد يطلق على الغير ، فيلحقه بخصائص ما تستحقه الذات ، ويكون كالاسم اللّه الذي لم يتسم به أحد سواه ، واعلم أن مشيئة اللّه تعالى وإرادته وعلمه وقدرته ذاته ، تعالى اللّه أن يتكثر في ذاته ، بل له الوحدة المطلقة ، وهو الواحد الأحد ، إذ العين واحدة لا متحدة ، وفي العبد متحدة لا واحدة ،
فالأحدية للّه ، والاتحاد للعبد لا الأحدية ، فإنه لا يعقل العبد إلا بغيره لا بنفسه ، فلا رائحة له في الأحدية أبدا ، والحق قد تعقل له الأحدية ، وقد تعقل بالإضافة ، لأن الكل له ، بل هو عين الكل ، لا كلية جمع ، بل حقيقة أحدية تكون عنها الكثرة ،
ولا يصح هذا إلا في جناب الحق خاصة ، فلا يصدر عن الواحد أبدا في قضية العقل إلا واحد ، إلا أحدية الحق فإن الكثرة تصدر عنها ، لأن أحديته خارجة عن حكم العقل وطوره ، فأحدية حكم العقل هي التي لا يصدر عنها إلا واحد ، وأحدية الحق لا تدخل تحت حكم ، كيف يدخل تحت الحكم من خلق الحكم والحاكم ؟
لا إله إلا هو العزيز الحكيم ، فليس للحق من الصفات النفسية سوى واحدة لأحديته ، وهي عين ذاته ، فليس له فصل مقوم يتميز به عما وقع
له من الاشتراك فيه مع غيره ، بل له الأحدية الذاتية التي لا تعلل ولا تكون علة ، فهي الوجود ، فهو سبحانه من حيث نفسه له أحدية الأحد ، ومن حيث أسماؤه له أحدية الكثرة .
الرابط الدائم: /books/tafsir.php?id=2303
إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

