تجاوز إلى المحتوى
✦ إشارات تفسيرية في آيات القرآن

سورة الإخلاص — الآيات 3 — إشارات تفسيرية في آيات القرآن

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

۞ قراءة النص

مجموعة من الإشارات والتأويلات المحفوظة في قاعدة كتب الموقع.

☷ الفهرس
رقم السجل 2305

سورة الإخلاص — الآيات 3

لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3)


[ " لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ " الآية :]

-الوجه الأول -فنفى الوالد والولد

- الوجه الثاني -من قوله تعالى «لَمْ يَلِدْ» فيه تنزيه الذات ، فلا يصح أن يكون علة لمعلول ، ولا شرطا لمشروط ، ولا حقيقة لمحقق ، ولا دليلا لمدلول ، ولا سيما وقد قال سبحانه «لَمْ يَلِدْ» مطلقا وما قيد ، فلو كان حقيقة لولد محققا ،

ولو كان دليلا لولد مدلولا ، ولو كان علة لولد معلولا ، ولو كان شرطا لولد مشروطا «وَلَمْ يُولَدْ» فهو تعالى منزه عن أن يكون وجوده معلولا لعلة تتقدمه في الرتبة ، أو مشروطا بشرط متقدم ، أو محققا لحقيقة حاكمة ، أو مدلولا لدليل يربطه به وجه الدليل ،

فهو تعالى عن المناسبة ، فالمناسبة بين الخلق والحق غير معقولة ولا موجودة ، فلا يكون عنه شيء من حيث ذاته ، ولا يكون عن شيء من حيث ذاته ، وكل ما دل عليه الشرع أو اتخذه العقل دليلا إنما متعلقة الألوهة لا الذات ،

واللّه من كونه إلها هو الذي يستند إليه الممكن لإمكانه ، فهو سبحانه المستند المجهول ، الذي لا تدركه العقول ، ولا تفصل إجماله الفصول ،

ولو وقف العاقل من المؤمنين على معنى قوله تعالى في كتابه «وَلَمْ يُولَدْ» وعلم أن ما أنتجه العقل من فكره بتركيب مقدمتيه أن تلك النتيجة للعقل عليها ولادة ،

وأنها مولودة عنه ، وهو قد نفى أن يولد ، فأين الإيمان ؟

وليس المولود إلا عينه ، بخلاف ما إذا أنتج العقل نسبة الأحدية له ، فما معقولية الأحدية للواحد عين من نسبت إليه الأحدية ، فللعقل على الأحدية ولادة ، وعلى الاستناد إليه ولادة ، وعلى كل لا يكون له على عينه ولادة ، فأما هويته وحقيقته فما للعقل عليها ولادة ، وقد نفى ذلك بقوله «وَلَمْ يُولَدْ» ومن هنا تعرف أن كل عاقل له في ذات اللّه مقالة إنما عبد ما ولده عقله ، فإن كان مؤمنا كان طعنا في إيمانه ، وإن لم يكن مؤمنا فيكفيه أنه ليس بمؤمن ، ولا سيما بعد بعثة محمد صلّى اللّه عليه وسلّم العامة ، وبلوغها إلى جميع الآفاق :

إنما اللّه إله واحد *** ودليلي قل هو اللّه أحد

فإذا ما تهت في أسمائه *** فاعلم أن التيه من أجل العدد

يرجع الكل إليه كلما *** قرأ القارئ اللّه الصمد

لم يلد حقا ولم يولد ولم *** يك كفوا للإله من أحد

فيحار العقل فيه عندما *** يغلب الوهم عليه بالمدد

ثم يأتيه مشدا أزل *** جاء في الشرع ويتلوه أبد


وبنا كان له الحكم به *** فإذا زلنا فكون ينفرد

فالحق تعالى له الوحدة المطلقة ، وهو الواحد الأحد ، اللّه الصمد ، لم يلد فيكون مقدمة ، ولم يولد فيكون نتيجة ، فإنه لو أن العقل يدرك الحق حقيقة بنظره ودليله ويعرف ذاته لكان مولدا عن عقله بنظره ، فلم يولد سبحانه للعقول كما لم يولد في الوجود ، ولم يلد بإيجاده الخلق لأن وجود الخلق لا مناسبة بينه وبين وجود الحق ، والمناسبة تعقل بين الوالد والولد ، إذ كل مقدمة لا تنتج غير مناسبها ، ولا مناسبة بين اللّه وبين خلقه إلا افتقار الخلق إليه في إيجادهم ، وهو الغني عن العالمين .

لذا منع الرحمن في وحيه على *** لسان رسول اللّه في ذاته النظر

فقال ولا تقف الذي لست عالما *** به فيكون الناظرون على خطر

فلم يولد الرحمن علما ولم يلد *** وجودا فحقق من نهاك ومن أمر

فقوله تعالى «لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ» تنزيه الذات ، فلا تتعلق ولا يتعلق بها ، ولذلك قال تعالى :

[سورة الإخلاص (112) : آية 4]

وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ (4)

[ «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» الآية : ]

فيكون به وجود العالم نتيجة عن مقدمتين ، عن الحق والكفوء ، تعالى اللّه ، وبهذا وصف نفسه سبحانه في كتابه لما سئل النبي صلّى اللّه عليه وسلّم عن صفة ربه ، فنزلت سورة الإخلاص تخلصت من الاشتراك مع غيره تعالى اللّه في تلك النعوت المقدسة والأوصاف

- الوجه الثاني - «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» فنفى الصاحبة كما نفى الشريك بقوله (لَوْ كانَ فِيهِما آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتا) فنفى المماثل الذي لو ثبت صح أن يكون العالم بينهما ،

فما هو لنا أب ولا نحن أبناء له ، بل هو الرب ونحن العبيد ، فيطلبنا عبيدا ونطلبه سيدا ،

وربما يتوهم من لا معرفة له بالحقائق أنه لو وجدت الكفاءة جاز وقوع الولد بوجود الصاحبة التي هي كفؤ ، فليعلم أن الكفاءة مشروعة لا معقولة ،

والشرع إنما لزمها من الطرف الواحد لا من الطرفين ، فمنع المرأة أن تنكح ما ليس لها بكفء ، ولم يمنع الرجل أن ينكح ما ليس بكفء له ، ولهذا له أن ينكح أمته بملك اليمين ، وليس للمرأة أن ينكحها عبدها ، والحق ليس

ص556


بمخلوق ، وهو الوالد لو كان له ولد ، والكفاءة من جهة الصاحبة لا تلزم ، فارتفع المانع لوجود الولد لعدم الكفاءة ، بل لما تستحقه الذات من ارتفاع النسب والنسب ، ولما تستحقه أحدية الألوهية ، إذ الولد شبيه بأبيه ، وبهذا يبطل مفهوم من حمل (مَا اتَّخَذَ صاحِبَةً وَلا وَلَداً) على جواز ذلك إذا كان متخذا ، وكان المفهوم منه نفي الكفء والمثل ما ذكرناه ،

وهذه السورة اختارها الحق تعالى لأنها مخصوصة به ، ليس فيها ذكر كون من الأكوان ، إلا أحدية كل أحد أنها لا تشبه أحديته تعالى خاصة ، فافتتح السورة بأحديته وختمها بأحدية المخلوقين ،

فأعلم أن الكائنات مرتبطة به ارتباط الآخر بالأول لا ارتباط الأول بالآخر ، فإن الآخر يطلب الأول والأول لا يطلب الآخر ، فهو الغني عن العالمين من ذاته ، ويطلب الآخر من مسمى اللّه المنعوت بالأحدية ،

وهذه هي الأحدية المتأخرة التي هي مع ارتباطها بالأول لا تماثلها ، لكونها تطلبه ولا يطلبها (أَنْتُمُ الْفُقَراءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) ولذلك سميت هذه السورة بسورة الإخلاص ، فإنها كلها نسب اللّه وصفته ، وهي عين مجموع العالم ،

وإن العالم مع كونه هو الحق المبين من حيث مجموعه لا من حيث جزء جزء منه ، تخلص النسب للّه من حيث ذاته ، فهذا المجموع هو في الحق عين واحدة ، وهو في العالم عين الحق المبين ، فهذه السورة خلصت الحق من التشبيه كما خلصته من التنزيه ،

فإن سر الإخلاص هو سر القدر الذي أخفى اللّه علمه عن العالم ، لا بل عن أكثر العالم ،

فميز الأشياء بحدودها ، فهذا معنى سر القدر ، فإنه التوقيف عينه ، وبه تميزت الأشياء ، وبه تميز الخالق من المخلوق ، والمحدث من القديم ، فتميز المحدث بنعت ثابت يعلم ويشهد ، وما تميز القديم من المحدث بنعت ثبوتي يعلم ، بل تميز بسلب ما تميز به المحدث عنه لا غير ، فهو المعلوم سبحانه المجهول ، فلا يعلم إلا هو ، ولا يجهل إلا هو ، فسبحان من كان العلم به عين الجهل به ، وكان الجهل به عين العلم به ، وأعظم من هذا التمييز لا يكون ،

ولا أوضح منه لمن عقل واستبصر ، ولذلك لما قالت طائفة من الأمة اليهودية لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم [ انسب لنا ربك ] فنسبه لمجموع العالم بما نزل عليه من اللّه تعالى في ذلك ،

فقيل له «قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ» فنعته بالأحدية ، ولكل جزء من العالم أحدية تخصه لا يشارك فيها ، بها يتميز ويتعين عن كل ما سواه مع ما له من صفات الاشتراك ، ثم قيل له «اللَّهُ الصَّمَدُ» وهو الذي يصمد إليه في الأمور : أي يلجأ ، والأسباب الموضوعة كلها في العالم يلجأ إليها ، ولهذا سميت


أسبابا لتوصل مسبباتها إلى الصمد الأول الذي إليه تلجأ الأسباب «لَمْ يَلِدْ» إذ العقيم الذي لا يولد له ، وبهذه الصفة نعت الريح العقيم ، لأنه من الرياح ما هي لواقح ومنها ما هي عقيم «وَلَمْ يُولَدْ» آدم عليه السلام ، فإن الولادة معلومة عند السائلين ، فخوطبوا بما هو معلوم عندهم «وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ» أراد بالكفو هنا الصاحبة ،

لأجل مقال من قال إن (الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ) و (عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ) والكفاءة المثل ،

والمرأة لا تماثل الرجل أبدا ، فإن اللّه يقول (وَلِلرِّجالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) فليست له بكفو ، فإن المنفعل ما هو كفو لفاعله ،

والعالم منفعل عن اللّه فما هو كفو للّه ، وحواء منفعلة عن آدم ، فله عليها درجة الفاعلية فليست له بكفو من هذا الوجه ، ولذلك سميت هذه السورة سورة الإخلاص ،

أي خلص الحق للعالم من التنزيه الذي يبرهن عليه العقل ، وخلصه من العالم بمجموع هذه الصفات في عين واحدة ، وهي أعني هذه الصفات مفرقة في العالم لا يجمعها عين واحد ، فإن آدم عليه السلام أكمل صورة ظهرت في العالم ومع هذا نقصه «لَمْ يَلِدْ» فإنه أحد صمد لم يولد ولم تكن له حواء كفوا ،

فخلصت هذه السورة الحق من التشبيه كما خلصته من التنزيه ، فالحمد للّه العظيم جلاله لظهور جماله ، القريب في دنوه ، الرقيب في سموه ، ذو العزة والسناء ، والعظمة والكبرياء ، الذي جلت ذاته أن تشبه الذوات ، وتعالت عن الحركات والسكنات ، والحيرة والالتفات ، وعن درك الإشارات والعبارات ، كما جلت عن التكييف والحدود ، وعن النزول بالحركة والصعود ، وعن الاستواء المماس للمستوى عليه والقعود ، وعن الهرولة لطلب المقصود ، وعن التبشش المعهود ، للقاء المفقود ، إذا صح منه المقصود ، كما جلت أن تفصّل أو تجمل ، أو يقوم بها ملل ، أو تتغير باختلاف الملل ، أو تلتذ أو تتألم بالعمل ، أو توصف بغير الأزل ، كما جلت عن التحيز والانقسام ، أو يجوز عليها ما تتصف به الأجسام ، أو تحيط بكنه حقيقتها الأفهام ، أو تكون كما تكيّفها الأوهام ،

أو تدرك على ما هي عليه في اليقظة أو المنام ، أو تتقيد بالأماكن والأيام ، أو يكون استمرار وجودها بمرور الشهور عليها أو الأعوام ، أو يكون لها الفوق أو التحت أو اليمين أو الشمال أو الخلف أو الأمام ، أو تضبط جلالها النهى أو الأحلام ، كما جلت أن تدركها العقول بأفكارها ، أو أرباب المكاشفات بأذكارها ، أو حقائق العارفين بأسرارها ، والوجوه بأبصارها ، على ما يعطيه جلال مقدارها ، لأنها جلّت عن القصر خلف حجبها وأستارها ، فهي لا تدرك في


غير أنوارها ، كما جلت أن تكون على صورة الإنسان ، أو تفقد من وجود الأعيان ، أو ترجع إليها حالة لم تكن عليها من خلقها الأكوان ، أو تكون في تقييد ظرفية السوداء الخرساء وإن ثبت لها بها الإيمان ، أو تتحيز بكونها تتجلى في العيان ، أو ينطلق عليها الماضي أو المستقبل أو الآن ، كما جلت أن تقوم بها الحواس ، أو يقوم بها الشك والالتباس ، أو تدرك بالمثال أو القياس ، أو تتنوع كالأجناس ، أو يوجد العالم طلبا للإيناس ، أو يكون ثالث ثلاثة للجلّاس ، كما جلت عن الصاحبة والولد ، أو يكون لها كفؤا أحد ، أو يسبق وجودها عدم ، أو توصف بجارحة اليد الذراع والقدم ، أو يكون معها غيرها في القدم ، كما جلت عن الضحك والفرح المعهودين بتوبة العباد ، وعن الغضب والتعجب المعتاد ، وعن التحول في الصور ، كما يكون في البشر ، فسبحانه من عزيز في كبريائه ، وعظيم في بهائه ، ليس كمثله شيء وهو السميع البصير.

(113) سورة الفلق مكيّة

(3) الفتوحات ج 3 / 34 - ج 2 / 580 - ج 3 / 310 ، 465 - ج 1 / 291 ، 415 - ج 3 / 371 - ج 1 / 415
الطبعة والمصدر

إصدار الموقع الإلكتروني؛ رقم السجل ليس ترقيم الطبعة المطبوعة. راجع أصول النصوص وتوثيق النسبة.

شارك هذه الصفحة