تجاوز إلى المحتوى
✦ محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

موعظة

النص المعروض من محفوظات المكتبة الأكبرية على الموقع.

۞ قراءة النص

نص إلكتروني محفوظ وفق تسجيلات الموقع الأصلية.

☷ فهرس الكتاب
رقم المقطع: 139

موعظة

موعظة

حدّثنا صاحبنا أيضا أبو عبد الله بن عبد الجليل بمكة قال: يحكى أن ملكا من ملوك اليونانيين انتبه من منامه في بعض الغدوات فأتته قيّمة ملبسه بثيابه فلبسها، و ناولته المرآة فرأى شيبة في لحيته فقال: المقراض يا جارية، فأتته به، فقصّ الشيبة و ناولها إياها، فتناولتها ووضعتها في كفها وأصغت إليها بأذنها ساعة والملك ينظر إليها، فقال لها: ما الذي تصغين إليه يا جارية؟ قالت: أستمع إلى ما تقول هذه الشعرة التي عظم مصابها بمفارقة الكرامة العظمى حين سخطها الملك وأقصاها. فقال لها: فما الذي سمعت من قولها؟ قالت: زعم قلبي أنه سمعه تقول كلاما لا يجترئ لساني على النطق به لاتقائي سطوة الملك. فقال لها: قولي على حال آمنة وعدم توقّ ما لزمت أسلوب الحكمة. قالت: إنها تقول: أيها الملك المسلّط على أمر قصير، إني ظننت بك البطش والاعتداء عليّ، فلم أظهر على سطح جسدك حتى بضت وحضنت بيضي، فأفرخت و أعهدت لبناتي بالأخذ بثأري عهدا إذ كأنهنّ خرجن فجعلن للأخذ بثأري باستئصالك أو تنغيص لذتك وتنحيف قوّتك حتى تعدّ الهلك راحة. فقال: اكتبي كلامك هذا، فكتبته في صحيفة فناولته إياها.

فتأملها مرارا، ثم قام ودخل بيت النسّاك ولبس زيّ النسك، وترك الملك حتى لحق بربه.

وأنشدني في هذا المعنى صاحبنا علي بن محمد القفصيّ:

وناذرة بالشيب حلّت بعارضي فبادرتها بالنتف خوفا من الحتف

فقالت على ضعفي استطلت ووحدتي رويدك للجيش الذي جاء من خلفي

ومن هذا الباب ما حدثنا أيضا به صاحبنا أبو عبد الله قال: دخلت حرقة بنت أبي قابوس النعمان بن المنذر ابن ماء السماء على سعد بن أبي وقاص، وهو بالقادسية إذ ذاك مع جملة من جواريها وعليهن المسوح السود والصلبان صلت البنود، فسلمن عليه، فلم يميز حرقة من بين جواريها لمشاركتها إياهن في الزيّ وكنّ رواهب، فقال سعد: أفيكنّ حرقة؟ فقال: ها أنا ذه، فقال: أنت حرقة، فقالت: فما تكرارك استفهامي، اعلم أيها الأمير أن الدنيا دار قلعة وزوال، فما تدوم على حال، تنتقل بأهلها انتقال، و تعقبهم حالا بعد حال، وإنا كنا ملوك هذه الأرض، يجبى إلينا خراجها، ويطيعنا أهلها، فدنا مدى المدة، وزوال الدولة، فلما أدبر الأمر، وصاح بنا صائح الدهر، فصدع عصانا، وشتت ملانا، وكذا الدهر يا سعد، إنه ليس من قوم أتحفهم بفرحة إلا أعقبهم بقرحة، وأنشدت:

بينا نسوس الناس والأمر أمرنا إذا نحن فيهم سوقة نتنصّف

فأفّ لدنيا لا يدوم نعيمها تقلّب تارات بنا وتصرّف

رابط دائم لهذا المقطع: /books/musamara.php?id=139

تنبيه: قد تتفاوت دقة التحقيق أو النسبة في بعض نصوص المكتبة. هذا التحديث يحسّن العرض والبحث ولا يغيّر محتوى الكتب أو يثبت صحة نسبتها.
الطبعة والمصدر

نسخة الموقع الإلكترونية. يرجى الرجوع إلى الطبعة المحققة والمصدر الأصلي عند الاقتباس الأكاديمي؛ لا يدل ترقيم المقاطع بالضرورة على صفحات طبعة ورقية.